; بين محرقة هيروشيما.. و «محرقة» لبنان | مجلة المجتمع

العنوان بين محرقة هيروشيما.. و «محرقة» لبنان

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1714

نشر في الصفحة 15

السبت 12-أغسطس-2006

في الساعة الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس عام ١٩٤٥م، ألقى توماس ويلسون الذي كان يقود قاذفة أمريكية بأول قنبلة نووية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية، فدمرت ثلاثة أرباع المدينة، وقتلت مائة وأربعين ألف ياباني خلال ثوان.. ثم أطلق الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت هاري ترومان (الرئيس ٣٤ لأمريكا من ۱۹۳۹- ١٩٤٥ م) تهديده بضرب اليابان بقنبلة نووية أخرى ونفذ تهديده بعد يومين فقط بضرب مدينة نجازاكي بقنبلة مماثلة. فكان قرار اليابان هو الاستسلام والخروج من الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩- ١٩٤٥ م) مهزومة، والخروج حتى اليوم من ساحات القتال. 

ومنذ أيام في الذكرى الحادية والستين لهذا الحدث الكارثي، وقف اليابانيون ومعهم العالم، ليتذكروا حقائق مهمة لم تمح رغم مرور أكثر من نصف القرن.. أبرزها: 

أولًا، أن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة أول محرقة نووية في التاريخ، فلم يحدث قبل ذلك ولا بعده.

 حتى الآن. أن أبادت قوة محاربة خصمها بهذا الشكل وبهذا السلاح الفتاك الذي تؤكد الحقائق الثابتة أنه تسبب في مقتل وتشويه نحو مليون شخص من المدنيين ولا تزال آثار هذه الجريمة مستمرة حتى اليوم، فسجلات المستشفيات تنبئ كل يوم عن سيل من الولادات المشوهة والإصابة بالأمراض المستعصية من جراء الإشعاعات النووية الناجمة عن هذه الكارثة. 

ثانيًا: لقد أعقب استسلام اليابان، قيام الولايات المتحدة بفرض حالة أشبه بالحالة التي تم فرضها على محمد علي في مصر، وما يتم فرضه على العراق اليوم.. حل الجيش الياباني، وتعيين حاكم عسكري أمريكي على اليابان، ومنعها من التسلح الثقيل ولا تزال الأراضي اليابانية تعج بالعديد من القواعد العسكرية الأمريكية والغربية لمراقبة هذه القرارات بحق تجريد اليابان من القوة، ويصل تعداد الجنود الأمريكان وحدهم في هذه القواعد ما يقرب من ٥٢ ألف جندي ومراقب، والغريب أن اليابان تدفع سنويًا نحو ٤,٤ مليارات دولار كنفقات لإدارة هذه القواعد، وذلك منصوص عليه ضمن اتفاقية الاستسلام الياباني الألماني خلال الحرب العالمية الثانية والتي مازالت سارية حتى اليوم!

 ثالثًا: أن اليابان، رغم ما لحق بها من دمار وفرض عليها من إملاءات وقواعد عسكرية، استطاعت النهوض مرة ثانية من البوابة الاقتصادية والتكنولوجية، حتى باغتت قوى الاستعمار الذي خطط لإبقائها تحت الصفر بقفزات تنموية فريدة خلال سنوات قليلة، وضعتها في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة مباشرة، إذ بلغ دخلها القومي نحو ٤٧٠٠ مليار دولار مقابل ٥٥٠٠ مليار دولار للولايات المتحدة، ولئن كانت فقدت جيشها وحظر عليها إعادة بنائه، إلا أنها تمكنت من إعداد جيش ضخم من الكوادر الفنية المتخصصة في الإنتاج التكنولوجي والإلكتروني أهل اليابان لتكون الأولى في العالم في هذا المجال، وهدد. ومازال العملاق الأمريكي في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا.. وبهذا ثارت اليابان لنفسها وردت اعتبارها واستعادت قوتها التي فقدتها في ساحة القتال.

 رابعًا، إن أكثر الدول صياحًا وتشددًا لحظر السلاح النووي في العالم هي أكثرها امتلاكاً لهذا السلاح، إذ تؤكد خريطة العالم النووية امتلاك الولايات المتحدة ٦,٣٩٠ سلاحًا نوويًا، ثم روسيا ٣,٢٤٢ رأس نووية، ثم بريطانيا ۲۰۰۰ رأس نووية. وغيرها (الإندبندنت البريطانية ٢٠٠٥/ ٨/ ٥ م).

 وهو ما يؤكد على إصرار تلك الدول على احتكار هذا السلاح الرهيب، بينما تحرمه على غيرها بكل الطرق وشتى الوسائل.. ويؤكد أيضًا كذب الشعارات، وانعدام المصداقية في السعي لتحقيق السلام في العالم، وخلوه من هذا السلاح.

 أتوقف متأملاً في الذكرى الحادية والستين المحرقة النووية في هيروشيما ونجازاكي، وما يجري اليوم في لبنان من محرقة إنسانية.. فأجد الرابط واحدًا.. فالاستعمار قديمة وحديثه لا يعرف للإنسانية اسمًا ولا معنى، ولا يعرف إلا تحقيق أطماعه ومخططاته.. فقد أحدثوا بالأمس في اليابان محرقة نووية حتى أخضعوها باتفاقيات مجحفة، واليوم أحرقوا لبنان ويحاولون إخضاعه بقرارات مجلس الأمن.

الرابط المختصر :