العنوان بين مقدمة ابن خلدون وكتابه في التاريخ
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2016
نشر في الصفحة 66
السبت 18-أغسطس-2012
مفكر إسلامي - أكاديمي عراقي
إن الفرضية القائلة بأن ابن خلدون لم يطبق ما ورد في مقدمته من مبادئ ومعايير، على كتابه الكبير العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، يصعب تعميمها على الكتاب كله، ولكنها تصدق على معظم مساحاته.
فلقد تضمن الكتاب الثاني من العبر وهو الخاص بتاريخ العرب والإسلام في المشرق ومن اتصل بهم، تحقيقات علمية مهمة عن تراث أسلافه من المؤرخين الذين كتبوا عن هذا التاريخ كابن إسحق وابن هشام والواقدي والبلاذري وابن عبد الحكم والطبري والمسعودي وابن الأثير فاستبعد بعض رواياتهم على أنها محض اختلاق غير ممكن الحدوث بحسب طبائع الأشياء وقوانين العمران وشك في صحة بعضها الآخر على أنه موضع ريبة، وقد بنى هذه التحقيقات على ما قرره في مقدمته بصدد الاجتماع الإنساني، ومناهج البحث العلمي، وقواعد التحري التاريخي ولكن تبقى معظم مساحات الكتاب بعيدة عن الإفادة من منهج ابن خلدون في المقدمة.
ورغم أن ابن خلدون كتب مقدمته في النصف الثاني من عام ٧٧٩هـ أي بعد فراغه من تأليف معظم أقسام العبر التي بدأ العمل فيها عام ٧٧٦ هـ، فإنه عاد أكثر من مرة، وبخاصة لدى استقراره في مصر، إلى تنقيح العبر والمقدمة نفسها، وإضافة فصول ومقاطع إليهما، وكان بمقدوره أن ينفذ تطبيقات أكثر لمنهجه في المقدمة على كتابه العبر، ولكنه على ما يبدو لم يفعل.
أما الأسباب التي حدت بابن خلدون إلى ذلك فيصعب تحديدها علمًا بأن معظم الذين كتبوا عنه أدهشتهم المقدمة، فلم يهتموا بمسألة تنفيذها على العبر»، ولعل السبب يكمن في اتساع الكتاب المذكور، وكثافة مادته، وانتشارها الواسع في الزمن والمكان، فضلا عن انشغال ابن خلدون بالوظائف العامة التي استنزفت معظم وقته، بدءا من مهمات القضاء وانتهاء بالسفارات والرحلات الرسمية.
هذا إلى أن المبادئ والمعايير التي طرحها في المقدمة تقتضي إذا ما أريد تنفيذها على كتاب كـ العبر جهدا استثنائيًا خارقًا، لم يكن بمقدور ابن خلدون - للأسباب المذكورة - تحقيقه، ومع ذلك كله، فما دام الرجل قد كتب مقدمته لكي تكون في الأساس مدخلًا إلى العبر، فإن مسؤولية هذا الانفصال المربك تظل في رقبته حتى يجد الباحثون ما يبرره ولعلهم لن يجدوه أبدا...
ويتذكر المرء ها هنا تلك التحليلات الرائعة لعدد من قضايا التاريخ الإسلامي في مقدمته، ويتمنى لو امتدت بها المساحات، أو لو أنه مارس المهمة نفسها في كتابه العبر... فهو - على سبيل المثال - يخصص في الباب الثالث من مقدمته والمعني بمسألة الدول.. فصلًا مطولًا بعنوان انقلاب الخلافة إلى الملك، يسعى من خلاله إلى تحليل حركة التاريخ الإسلامي، منذ فجر الدعوة وحتى عصر بني العباس، ملتزما إلى حد كبير رؤية دينية واضحة تستمد مقوماتها من معطيات الإسلام نفسه كتابا وسنة.
وهو في موضوع آخر يتحدث عن دور الدين الإسلامي في جمع العرب على كلمة واحدة، وتمكينهم من الملك تحت عنوان «إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة.. ويتدرج في البرهان على مقولته هذه.
وهو إذ يؤكد على الخلافة - كأعلى مؤسسة سياسية في الدولة مارس العرب المسلمون من خلالها دورهم الكبير - وعلى الوظائف والمؤسسات التي تليها في الأهمية، يشير بوضوح إلى شمولية الدور الذي تميزت به تلك المؤسسات جميعا والذي كان يعالج في وقت واحد قضايا الدين والدنيا وبذلك استطاعت هذه المؤسسات أن تؤدي مهمتها بجدارة في تسيير شؤون الدولة الإسلامية التي هي ليست بالدولة الوضعية الدنيوية، ولا بالكهنوتية الروحية..
وهو يحاول في موضع آخر، أن يضع يده على أحد الأسباب التي تكمن وراء انتصار المسلمين في عهد الرسول وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم.
وهو في المدخل الذي مهد فيه لمقدمته، حيث تحدث عن أهمية علم التاريخ، وعن المعايير التي يتوجب على المؤرخ أن يأخذ بها لتجاوز الوقائع الكاذبة، ورفض ما لا يمكن تصديقه، يعبر ابن خلدون عن رؤيته الدينية والتزامه، ويسعى جاهدًا بأسلوبه النقدي لتنقية جوانب من التاريخ الإسلامي ورجالاته الكبار، أحاطت بها وبهم الشوائب والأكاذيب، حيث يناقش ويفند مسألة العلاقة بين العباسة أخت الرشيد وجعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، وأنها كانت السبب وراء نكبة الرشيد للبرامكة.
كما يناقش ويفند أكذوبة انكباب الرشيد على الخمر، واقتران سكره بسكر الندامى.. وينتقل ليناقش ويفند ما أشيع عن أحد رجالات الدولة العباسية - على سبيل المثال - وهو يحيى بن أكثم قاضي المأمون من أنه كان يعاقر الخمر ويميل إلى الغلمان ويبين كيف أنه وخليفته المأمون كانا يلتقيان على الحق والتزام أوامر الشريعة.
لا بل هو يمضي إلى تبرئة الكثير من خلفاء بني أمية الذين سبقوا العباسيين، ويؤكد على أخلاقية العرب الذين كانوا يأخذون أنفسهم - كما يقول - بالتخلق بالمحامد وأوصاف الكمال.
وفي هذا كله موقف واضح يقفه ابن خلدون إزاء بعض معطيات الحملة الشعوبية ضد الإسلام والعرب، والتي أخذت تطل برأسها منذ العصر العباسي الأول..
ومرة أخرى يتمنى المرء أن لو مارس ابن خلدون منهجه النقدي هذا على كتابه العبر».. ولكن!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل