; بين يدي مشروع «الإخوان المسلمين» السياسي لسورية المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان بين يدي مشروع «الإخوان المسلمين» السياسي لسورية المستقبل

الكاتب علي صدر الدين البيانوني

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1632

نشر في الصفحة 34

السبت 25-ديسمبر-2004

نبسط يدًا بالخير وللخير، نعض بالنواجذ على هويتنا معتزين بالانتماء لأمتنا في بعديها الإسلامي الحضاري والعربي الحامل للرسالة. 

مشروعنا السياسي يؤكد بناء الدولة الحديثة التي نراها في تجلياتها المعاصرة ظلًا للدولة الإسلامية التي تختلف كليًا عن الدولة «الثيوقراطية» المعروفة في القرون الوسطى.

نحرص على ترسيخ قواعد البناء لمجتمع ينبذ التعصب الديني والمذهبي والعرقي.

امتثالاً لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125) والتزامًا بفهمنا الشامل للإسلام المتجدد، بعقيدته السمحة، وقيمه السامية، وبنيته التشريعية القائمة على العدل والرفق واليسر وانطلاقًا: من رؤيتنا الإسلامية المتجددة القائمة على قاعدة التصور الأساسية «الله رب العالمين» وأن رسول الله ﷺ الذي جاء بالحنيفية السمحة، إنما بعث «رحمة للعالمين»، وأن «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، وانسجامًا مع مقاصد شريعتنا التي جاءت لنفي الضنك عن معايش الناس، ورفع الحرج والشدة عنهم، واستئنافًا لمسيرة طويلة اتسمت بالإيجابية والتوسط والانفتاح، وتباعدت عن السلبية والغلو والضيق..

تقدمت جماعة الإخوان المسلمين في سورية ببرنامجها السياسي، رؤية واعية مستنيرة، ينسجم فيها الثبات على الحق والمبادئ مع التطور وفقًا لحاجات العصر ومتطلباته ومقتضياته، وخطوة على طريق إعادة بناء وطننا «إنسانًا ومجتمعًا ودولة» وإسهامًا في تأسيس بنيان وطني متين، يقوم على المشاركة في صنع غد أجمل وأرحب، نبسط يدًا بالخير وللخير، نعض بالنواجذ على هويتنا، معتزين بالانتماء  لأمتنا في بعديها الإسلامي الحضاري والعربي الحامل للرسالة، منادين بسورية وطنًا لجميع أبنائه، متمسكين بحقنا فصيلًا وطنيًا يدافع عن وجوده بقوة الحق وبلغة الحوار، مستندين إلى لحمة  وطنية ترفض الاستئثار وتلجم سياسات البغي والاستبداد التي أغرقت مجتمعنا في ظلال سود.

 لقد مثلت جماعة الإخوان المسلمين في سورية، منذ تأسيسها عام ١٩٤٥م فصيلًا وطنيًا عبر عن تيار شعبي عريض، كان له تاريخه في مقارعة الاستعمار وأحلافه ومشاريعه، وفي مناوأة الاستبداد والدفاع عن قضايا الأمة وحقوقها، وكانت له تجاذباته وتفاعلاته الإيجابية مع سائر القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، وحرصه على توسيع قواعد البناء لمجتمع ينبذ التعصب  الديني والمذهبي والعرقي وينفتح على التعايش والأخذ والعطاء.

كان مصطفى السباعي، ومحمد المبارك، وعصام العطار، وعبد الفتاح أبو غدة، ومحمد الحامد، وغيرهم من قيادات العمل الإسلامي.. يصولون ويحولون، يدفعون الرأي وبالرأي، والكلمة بالكلمة، والبغي وبالأذى بالإعراض والصبر، متمسكين بقواعد العملية السياسية، ملتزمين بنتائج صناديق الاقتراع..

في الحقبة الوطنية، على ما كان فيها وتخللها، حملت جماعتنا راية التنوير الفكري، في مواجهة التشدد والتزمت من جهة، والتفلت والانحلال من جهة أخرى، وفق المنهج التنويري الإصلاحي، والفهم الوسطي المعتدل للإسلام، كما حملت لواء التجديد لتصحيح العقيدة، في مواجهة الخرافات والعادات التي تلبست لبوس الدين وهي ليست من الدين، ومحاربة الجهل ونشر العلم والمعرفة، والتصدي للبطالة والفقر، ومواجهة سلوكيات التواكل والعجز وعالجت واقع المرأة المسلمة، فانتصرت لقضاياها العادلة، وأكدت حقها في العلم والعمل، والمشاركة الرشيدة في الحياة العامة، ودافعت عن مكانتها  في مجتمع اختلطت في تصوره كثير من المورثات والتقاليد بحقائق الإسلام، وظلت الجماعة على الرغم من المرحلة السرية التي فرضت عليها، ملتزمة بالفكر وأخلاقه الوسطي، والنهج المعتدل، والحوار السلمي، على قاعدة ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125)

 ومنذ الثامن من مارس ١٩٦٣م فرضت على قطرنا سياسات التفرد والاستبداد والإقصاء والاستئصال.. فسامت المواطن خسفًا، وزادته رهقًا، وأفرطت في الانغماس في مستنقع الفساد، فأخلت بموازين العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية.. وأغلقت على شعبنا نوافذ التعبير، وسدت في وجهه آفاق التغيير، وامتلأت السجون بالمعارضين وأصحاب الرأي الآخر، ومورست على هؤلاء المعتقلين شتى أنواع التعذيب والتنكيل، وكان نصيب الإسلاميين من هذه الممارسات القمعية هو الأوفر والأعنف، كل ذلك قبل أن تظهر في الساحة أي بادرة عنف.

ومع أن الجماعة بادرت في حينه إلى استنكار تلك المجزرة، ونفت في بيان رسمي أي صلة بمنفذيها.. ومع أن تاريخنا الوطني يشهد أن العنف لم يكن قط من وسائلنا وأدواتنا، ولا في خططنا ومناهجنا.. إلا أن النظام أمر من خلال بيان لوزير الداخلية، على تحميلنا المسؤولية عنها، وعن أعمال العنف التي سبقتها، وتوعد بحملة استئصال لأبناء الجماعة، وتصفيتهم في الداخل والخارج الخارج، فتم اعتقال عشرات الآلاف من المواطنين، إضافة إلى الأعداد الكبيرة ممن اعتقلوا قبل ذلك، كما تم اعتقال العديد من  الشخصيات داخل الوطن وخارجه، ثم جاء القانون رقم (٤٩) لعام ١٩٨٠م الذي يحكم بالإعدام لمجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ليكون غطاء  لعمليات الإبادة والمذابح الجماعية التي نفذت  في الشوارع كما في الزنازين، وطالت معظم المدن والقرى، وكانت ذروتها مجزرة مدينة حماة فبراير19٨٢م.

ومنذ ذلك الحين، استخدمت السلطات الأمنية سياسة الأرض المحروقة، ضد فئات المجتمع، ورغم أن جماعتنا ظلت بالنهج السلمي، ولم يكن في خطتها ولا في حسبانها أن تدخل في مواجهة مسلحة، فقد وجدت نفسها مع كثير من أبناء الوطن في حالة دفاع ومواجهة عن النفس وسط دوامة العنف لم يكن لنا يد فيها، وإنما تسببت سياسات السلطة  في إضرامها، وفي إثارة انتفاضة شعبية عارمة، تجاوزت الجماهير لتصل إلى النخب والفاعليات  الوطنية والسياسية الشعبية والرسمية والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني المحتقنة أصلًا نتيجة سياسات القمع والقهر والاستبداد، وعملت في الطرف المقابل، قوى التيار الاستئصالي المتطرفة في السلطة، على تأجيج نار العنف، وإغراق الوطن بالمزيد من السياسات الانتقامية، وهدم جسور اللقاء الوطني، قاطعة بذلك الطريق على كل محاولات الإصلاح، وفرص الحوار لمعالجة الأزمة ووقف النزيف، من خلال جولات المفاوضات المباشرة مع السلطة، أو المساعي الحميدة التي قامت بها بعض الشخصيات السياسية الرسمية والشعبية، والتي تعاملت معها الجماعة بكل مسؤولية وإيجابية.

 لجنة مستقلة: لقد كان المفترض من السلطة أن تتعامل مع تلك التفجيرات العفوية والفردية، في حدود دائرتها وحجمها، وتعالج أسبابها ودوافعها، وأن تجنب الوطن والمواطن ويلاتها وآثارها، لكن سطوة المفتونين بالسلطة، المصرين على البطش والاستئصال، كانت هي الأمضى، فبدلًا من أن تعمد إلى تطويق الأزمة ومعالجتها، عمدت إلى توسيع دائرتها، حسب برنامج معد، وتخطيط مسبق.

إننا إذ نضع بين أيدي شعبنا الوقائع والمعلومات، ونتألم لعشرات من إخواننا وأبناء شعبنا الذين اعتقلوا أو فقدوا  أو هجروا أو استشهدوا بسبب هذه المواجهة التي لم يختاروها، بل فرضت عليهم، ونبدي تعاطفنا مع كل الأبرياء من ضحاياها، فإننا ندعو إلى تشكيل لجنة قضائية وطنية مستقلة، تفتح ملف  تلك الأحداث وتطلع على كافة محتوياته ومعطياته، وتصدر حكمها فيه، لتتبين للجميع حقائق تلك المرحلة الدامية من تاريخ وطننا العزيز وخفاياها، وليتحمل كل طرف ما يترتب عليه من مسؤوليات وآثار قانونية وسياسية وأخلاقية.

إن الحالة الوطنية اليوم، بعد مضي ربع قرن على تلك الأحداث الفاجعة الأليمة، وما تواجهه أمتنا من تحديات، وما يتعرض له وطننا من أخطار وتهديدات.. يتطلب منا جميعًا أن نكون على مستوى المسؤولية التاريخية، وأن نراجع سياساتنا وموافقنا، وأن نتجاوز آلامنا وجراحاتنا، لنعبر فوق الواقع الوطني المثخن بكل ما فيه، وإن ما قامت به جماعتنا لتقويم لمسيرتها، ومراجعة لمواقفها، وما طرحناه في ميثاق الشرف الوطني من مبادئ وفي المشروع السياسي من رؤى.. ما هو إلا إسهام في إعادة بناء الوطن، على أسس سليمة راسخة متينة، منطلقين من مبادئنا، منسجمين مع منهجنا ودعوتنا، متطلعين بثقة وأمل إلى سورية المستقبل.

 أركان المشروع السياسي: إن مشروعنا السياسي يؤكد على بناء الدولة الحديثة، التي نراها في تجلياتها المعاصرة ظللاً للدولة الإسلامية التي تختلف كليًا عن الدولة «الثيوقراطية» المعروفة في القرون الوسطى، في أسسها وأبعادها، فالدولة الحديثة التي ننشدها تعتبر المواطنة بمفهومها العام أساسًا للعدل والمساواة، وتقوم على فصل السلطات وتبنى على أسس التعاقدية والتعددية والتداولية والمؤسساتية، إن التحدي الأكبر أمام الأقطار العربية في نظرنا، وأمام قطرنا بشكل خاص، هو في إنجاز آلية عملية للتداول السلمي للسلطة، حيث ينبغي أن يكون سلم الديمقراطية ذا اتجاهين، دون أن يتاح لأحد أن يعلق هذا السلم أو أن يتجاوزه.

وينعطف برنامجنا إلى المجتمع بوصفه العامل الأساس في تكوين الدولة، فيضع الرؤى لبناء شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة على الشراكة الحقيقية والعدالة والمساواة، وتنال فيه المرأة حقوقها مساوية لشقيقها الرجل في الكرامة الإنسانية وفي الحقوق المدنية، وفي المشاركة في الحياة العامة: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ضمن الضوابط العامة التي تحفظ لكل شقيق اعتباراته التي فطره الله عليها، في إطار التكامل الطبيعي بين الشقيقين.

 وكذلك فإن للإنسان الفرد الكائن المكرم مكانته في برنامجنا السياسي، بالتأكيد على البعد العقائدي والهوية الحضارية، والاعتزاز بالانتماء، والتسلح بالمعرفة وتعميق الوعي، والتأكيد على قيم التسامح والإتقان والإنجاز والإبداع.. وغرس القيم المعززة للحياة الجماعية.

كما دار مشروعنا حول السلطة بفروعها ومؤسساتها، وطرق إصلاحها، ورسم السياسات التي رأيناها الأمثل للخروج بالوطن من حالة الرهق التي هو فيها.

لقد أوصل الفساد بكل أشكاله وطننا إلى المستنقع الآسن، ولن ينجح أي مشروع وطني لمكافحة الفساد، إذا لم يقم عليه رجال أقوياء أمناء، قادرون على الإصلاح وتحمل أعبائه، فلن يكسر دائرة الفساد المغلقة، إلا رجال مخلصون لوطنهم وأمتهم.

 وستكون إعادة بناء الدولة والمجتمع، على أسس دستورية واخلاقية ووطنية، وتطهيرها من سياسات التواكل وسلوكيات الفساد وآثاره، طريقًا عمليًا إلى تحرر المواطن، وتحرير ما سلب من أرض الوطن.

وكما كان إعلان الجماعية لميثاق الشرف الوطني بتاريخ ٣ مايو٢٠٠٢م أفكارًا أولية حول قواعد العمل السياسي وضوابطه، مطروحة للحوار، كذلك فإن ما في مشروعنا السياسي لا يعدو كونه اجتهادًا بشريًا من خلال رؤيتنا الإسلامية، على طريق التغيير الإيجابي البناء، قابلًا للحوار والمراجعة والتطوير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية