; تأجير الأرحام حل لا إنساني لمشكلة إنسانية | مجلة المجتمع

العنوان تأجير الأرحام حل لا إنساني لمشكلة إنسانية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990

مشاهدات 63

نشر في العدد 950

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 16-يناير-1990

- ينزل الإنسان إلى مرتبة الحيوان بخلط الأنساب وإباحة الأرحام والأصلاب

- عشرة آلاف دولار للمؤجرة لرحمها وخمسة عشر ألف دولار للوكالة!

- أصبحت هذه القضية تؤرق الكثير من الضمائر الحية لكونها قضية أخلاقية وإنسانية بالدرجة الأولى.

- أصبح للأرحام في الغرب سوق تجارية ووكالات تأجير.

- إن العلم المتطرف دون تعقل أو مراعاة للضمير من شأنه تدمير الإنسان بل والإنسانية جمعًاء.

عندما يستغل العلم في اتجاه خاطئ لابد أن تحدث ضجة كبرى ولاسيما إذا تعلق الأمر بذات الإنسان وخلقه وهذا فعلًا ما يحدث في أيامنا هذه في الأوساط الطبية وخارجها بسبب ما اصطلح على تسميته «بالعبث بأخلاقيات الإنجاب»، والمتمثل خاصة في فصل الحيوانات المنوية المذكرة عن الحيوانات المنوية المؤنثة من أجل تدخل الإرادة الإنسانية في اختيار جنس المولود «أنثى أم ذكرًا» وفي عمليات التلقيح الصناعي دون مراعاة للروابط الزوجية وفي فتن أخري طالعنا بها الغرب كبنوك الأجنة وبنوك المنِيّ وبنوك حليب الأمهات واستئجار الأرحام.

وهكذا يعبث الإنسان بنفسه وبإنسانيته ويأبى إلا أن ينزل إلى مرتبة الحيوان بخلط الأنساب وإباحة الأرحام والأصلاب والأثداء وهو الذي كرمه الله سبحانه حيث يقول في محكم آياته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء:70).

يختبئ المناصرون لاستئجار الأرحام وراء دواعي إنسانية حيث يحاولون تبرير موقفهم بأن استئجار الرحم يمثل حلًّا إنسانيًّا لمن يشكو من العقم من الأزواج أو لمن حرم من النساء القدرة على الحمل وهن يرغبن في الذرية والحصول على أطفال منهن ومن أزواجهن، والحقيقة إن العالم الغربي الرأسمالي قد شيَّأ الإنسان نفسه (جعله شيئًا) ونزع منه قيمته الإنسانية ليجعل منه بضاعة أو أي شيء تحكمه قوانين السوق والبيع والشراء والرغبة في الربح ولا أدل على ذلك من أنه بعد الولادات الأولى من أرحام مستأجرة أصبح للأرحام سوق تجارية ووكالات متخصصة أقدمها الوكالة الموجودة بولاية ميتشغان بأمريكا منذ عشر سنوات ولن تكون آخرها.. الوكالة التي افتتحت هذا العام في مدينة فرانكفورت بألمانيا والمتتبع لتطورات هذه القضية يدرك بسهولة أن المال يلعب الدور الأساسي في معظم الحالات فلولا الظروف المادية الصعبة لما أقدمت كثيرات من النساء على تأجير أرحامهن ووقعن ضحية استغلال وكالات تأجير الأرحام التي تكسب من الصفقة الواحدة أكثر مما تأخذ السيدة المؤجرة لرحمها إذا أعطيت المرأة المؤجرة لرحمها ۱۰۰۰۰ دولار لقاء الإيجار تأخذ الوكالة ١٥۰۰۰ دولار عن هذا الإيجار.

الطفلة  (M)

قبل ثلاث سنوات وفي يناير ۱۹۸۷ أثار قضية استئجار الأرحام جدلًا كبيرًا في الولايات المتحدة بعدما وصل أمرها إلى المحاكم وذلك عندما رفضت الأم بالإيجار «ماري بث وايتهيد» تسليم الطفلة التي ولدتها لفائدة «وليام وايليزابيث شترن» مقابل عشرة آلاف دولار واحتار القاضي في الأمر لأنه لا يمكنه الاستناد إلى أي نص قانوني في هذه القضية المستجدة والمتمثلة في النزاع بين الأم البيولوجية «أخذت منها البويضة» والأم الحاملة والوالدة بالإيجار على المولودة التي أطلق عليها اسم (M) في حين تسميها أمها البيولوجية «سارة» وتسميها أمها الوالدة «مليسا» وقد صدر حتى الآن خمسة كتب من الطفلة (M) وسجلت قصتها في فيلم روائي طويل ولا يزال السؤال المطروح في الأوساط القضائية الأمريكية حتى الآن هو «هل يحق للأم المؤجرة أن تحتفظ بالمولود الذي تحمل به وأن تلغي عقد الإيجار قبل الوضع؟» وإذا كانت قصة الطفلة (M) التي دوخت المحاكم الأمريكية قد دفع لها القضاة الأمريكيون نهاية بالأمر بأن تبعد الأم الوالدة «المؤجرة للرحم» نهائيًّا عن الطفلة فإن قضية إيجار الأرحام لا تزال مطروحة ليس في أمريكا وحدها بل في كثير من البلدان.

- واقعة من إيطاليا

لم تهدأ بعد الزوبعة التي أحدثتها «الجدة - الأم» في جنوب إفريقيا عام ۱۹۸۷ بولادتها لثلاثة توائم لحساب ابنتها حتى ثارت هذا العام زوبعة أقوى وأعنف في إيطاليا بمناسبة ولادة ابنة إيطالية لولد لفائدة أمها وتقول قصة هذه الأم- الأخت المدعوة كابريللي جيوفانا «20عامًا» أن والدتها مانيول كابريللي (٤٨ عامًا) تزوجت من شاب یدعی مارکو برزنتو (٣٦ عامًا) بعد وفاة زوجها «والد جيوفانا» وكانت مانيولا قد أنجبت من زوجها الأول المتوفى ثلاثة أبناء ولدين وبنت «هي جيوفانا» ولكنها أصبحت غير قادرة على الإنجاب فيما بعد وبما أنها حريصة على إرضاء زوجها الثاني الشاب المتلهف على الإنجاب فقد لجأت إلى الأطباء لحل المشكلة فأوضح لها طبيب النساء الإيطالي «سيفيرينو أنتينوري» بأنه لا يمكنها الإنجاب إلا بأسلوب التلقيح الاصطناعي وأن اللقيحة تحتاج رحمًا مؤجرًا وقصت الأم قصتها على ابنتها جيوفانا فما كان من البنت إلا أن عرضت خدماتها على والدتها وقالت لها «سوف أحمل طفلك نيابة عنك يا والدتي» وبالفعل ثم تلقيح بويضة مانيولا بماء زوجها ماركو ووضعت البويضة الملقحة في رحم الابنة جيوفانا وأخذ الحمل مجراه ووضعت جيوفانا مولودًا ذكرًا هو أخوها باعتبار أصله وابنها باعتبارها حاملته ووالدته، وطبعًا أحدثت هذه القصة زوبعة لم تنته بعد وثار الرأي العام في إيطاليا ثورة كبرى واستنكرت أوساط علمية عالمية هذا العبث العلمي وأدان الفاتيكان ورجال الدين هذه الواقعة وتحولت مشكلة مانيولا إلى أزمة محلية وعالمية تقض المضاجع، لأن هذه الواقعة ببساطة حل لا إنساني لمشكلة إنسانية كما يقول بذلك حتى رجل الشارع العادي في إيطاليا.

- تأجير الأرحام زنا

إن أخشى ما نخشاه أن يتسرب هذا العبث العلمي إلى مجتمعاتنا الإسلامية من خلال ضعاف النفوس والإيمان ولذلك سارع العديد من رجال الدين وكل دور الإفتاء إلى تحريم إيجار الأرحام تحريما مطلقًا واعتباره زنا وحتى الحالة الوحيدة التي وقع التوقف عندها أن تكون المُعِيرة لرحمها زوجة ثانية، فتنجب لفائدة الزوجة الأولى غير القادرة على الحمل ولزوجها فقد صدر فيها حكم شرعي هي بالتحريم.

يقول الدكتور الحبيب بالخوجة أمين عام مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة عندما سئل عن تأجير الأرحام: وإن كثيرًا من النساء في الدول الغربية يقمن بتأجير أرحامهن ويتم حقن الرحم بماء الرجل ويتم الاتفاق بين الرجل والمرأة التي تؤجر رحمها على أن يكون الطفل ابنًا للمرأة الثانية.. كل هذا لأن الأخيرة لا تريد أن تتحمل متاعب الحمل وإرهاقه كمظهر من مظاهر التقدم والرفاهية.. ولكن هذا الوضع ينزع عنها كل معاني الإنسانية، ويضيف قائلًا:

«إن مثل هذه الحالات التي حدثت وتحدث بالفعل في أوروبا زنا وغير مقبولة شرعًا، فكيف أضع بذرة في رحم امرأة أجنبية» لقد باع هؤلاء الأطباء ضمائرهم في سبيل الكسب المادي من وراء مثل هذه العمليات ولكن ما لا يهمهم كغربيين يهمنا نحن كمسلمين ويترتب عليه أمورٌ عديدة مثل النسب والإرث وغير ذلك من الأعمال وبالتالي فهذه الأمور تدمر الأمة المسلمة وتؤَدِّي إلى هدم المجتمع المسلم».

- أكثر من قضية قانونية

رغم أن ظاهرة تأجير الأرحام آخذة في الازدياد في المجتمعات الغربية حيث وصل عدد عقود الإيجار هذه في الولايات المتحدة وحدها حتى الآن إلى حوالي مائة عقد، فإن الأصوات المرتفعة والمنادية بوقف هذا العبث في ازدياد هي الأخرى، وقد أصبحت هذه القضية تؤرق الكثير من الضمائر ليس بسبب كونها قضية قانونية محيرة أكثر من غيرها، كما يبدو مما تنشره عنها الصحف الغربية بل كذلك لكونها قضية أخلاقية وإنسانية بالدرجة الأولى، لقد أعلنت هيئات علمية واجتماعية كثيرة في إيطاليا على إثر ولادة جيوفانا لابنها وأخيها إدانتها لهذا العمل الخطير واللاأخلاقي واعتبرت هذه الولادة ضد القانون وتحديًا للطبيعة والعرف والتصرف السوِي وعقَّب الدكتور «اللو باردي» رئيس اتحاد أطباء إيطاليا بقوله: إن «أنتينوري» «الطبيب الذي أشرف على العملية» تمكن من تغيير المعاني والمفاهيم المعترف بها منذ الأزل حول كلمة الأب والأم والابن وحتى الحفيد، وطرح تساؤلات حول القيم والأخلاقيات التي حطمتها تلك القضية وعلق ماريو أجنيس رئيس تحرير جريدة «لوسيير فاتور رومانو» على تلك الواقعة في الصفحة الأولى من جريدته  الواسعة الانتشار بقوله: إن مثل هذه التجارب غير المقبولة شكلًا أو موضوعًا سوف تقضي على وقار الإنسان وكرامته وشرفه وكينونته نظرًا لأنها لا تعترف بالقيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، وأضاف قائلًا: «إن العلم المتطرف دون تعقُّل أو مراعاة للضمير من شأنه تدمير الإنسان بل والإنسانية جمعًاء».

إذن القضية أخطر من حصرها في حدود الشكليات القانونية كإثبات الملكية أو إثبات الإيجار أو الحكم بإلغائه أو تعريف العملية هل هي إعارة أم عقد إيجار القضية تمس الإنسان في ذاته وكيانه والأسرة والمجتمع في أقدس روابطهما وأكثرهما رسوخًا، والإسلام الذي يحرص كل الحرص على البناء السليم للكيان الأسري والكيان الاجتماعي والذي من غايته الحفاظ على النوع البشري والسمو به لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل مثل هذا النوع من العبث العلمي الذي إن تمادى فيه أصحابه فقد يجرون البشرية إلى الكارثة.

يقول فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه «الفتاوى»: «... أما إذا كان التلقيح بماء رجل أجنبي عن المرأة لا يربط بينهما عقد زواج فإنه يزج بالإنسان دون شك في دائرتي الحيوان والنبات ويخرجه عن المستوى الإنساني مستوى المجتمعات الفاضلة التي تنسج حياتها بالتعاقد الزوجي وإعلانه وهو في هذه الحالة بعد هذا وذاك يكون في نظر الشريعة الإسلامية ذات التنظيم الإنساني الكريم جريمة منكرة وإثمًا عظيمًا». فكيف يكون الأمر إذا كان هذا التلقيح بين المحارم وإذا وضعت اللقائح في أرحام دون اعتبار لعلاقات الأمومة والأبوة والأخوة وغيرها من صلات الرحم إن الأمر يكون بلا شك أفضح جرمًا وأشد نكرًا.

ولنا أن نتساءل ونحن نشهد مثل هذا العبث العلمي: تُرى ماذا سيكون مصير الإنسانية إن نحن لم نقف بحزم في وجه هؤلاء العابثين المستهترين بكل القيم وأبسط الأخلاق؟ ولماذا لا تقوم المؤسسات الدولية والعالمية بواجبها وتحظر مثل هذه الأعمال بل تشن عليها الحملات حتى تتوقف المهزلة؟

الرابط المختصر :