العنوان تأشيرات على رواية «الثعابيني»
الكاتب علي أبو النصر الرشيد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988
مشاهدات 84
نشر في العدد 875
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 19-يوليو-1988
لماذا الانتقال إلى النثر بعد ثلاثة دواوين شعرية؟ ولماذا الرواية بالذات؟ «الثعابيني» هو العمل الروائي الأول للشاعر الإسلامي عبدالله عيسى السلامة، وهو إضافة مهمة إلى مكتبة الأدب الإسلامي، وإلى رصيد الرواية الإسلامية التي يتربع على عرشها الكاتب المرحوم علي أحمد باكثير، والتي اغناها الكاتب الدكتور نجيب الكيلاني برواياته الكثيرة المتميزة، وتستمد روايات باكثير والكيلاني مادتها من التاريخ الإسلامي ومن الأحداث السياسية التي عصفت بالمسلمين في ماضيهم القريب والبعيد، وهكذا تقدم الرواية الإسلامية التفسير الصادق لأحداث يجهلها كثير من أبناء الإسلام، تمسح عنها غبار النسيان، وتستخلصها وتخلصها من إسار الأوراق الصفراء، ويلطف الأسلوب الفني للرواية جفاف مادتها التاريخية ويبعث الروح في أحداثها السياسية. ولكن ما هو جديد الشاعر عبد الله السلامة في روايته «الشعابيني»؟ ولماذا لجأ إلى الرواية متأخرا؟ ربما لأن الشعر بقوالبه وبطبيعته المقيدة عجز عن التعبير عن كل أفكار الشاعر، كما عجز الشاعر عن قول كل ما يريده من خلال قوافيه وعبر بحوره، فضلًا عن أن الشعر في أيامنا اختزلت شعبيته وتراجع حجم تأثيره في وساط المثقفين والقراء بشكل عام مقارنة بالقصة القصيرة والطويلة والمسرح، ولا شك أن لدى شاعرنا مخزون فكري وثقافي وسياسي تراكم من خلال قراءاته اليومية المستمرة لمجريات الأمور التي تعصف بدول العالم العربي والإسلامي-وجديده تركز في تسليطه الأضواء على الفصول الأخيرة للوقائع السياسية والاجتماعية لا سيما-ما تفاعل منها خلال العقود الثلاثة الأخيرة-وما يزال يتفاعل حتى الآن في هذه المنطقة.
ربما كتبت روايات عربية كثيرة عن تلك-الحقبة الزمنية، لكن الرواية الإسلامية التي ترصد تلك التفاعلات كانت غائبة وما تزال والتفسير الإسلامي لكثير من الصراعات التي استهدفت مسخ الروح الإسلامية للأمة وطمس هويتها الثقافية لا يزال مجهولًا لم يقدم وجهة نظره حولها لأسباب أهمها انعدام المناخ السياسي الملائم وتقصير الكتاب الإسلاميين في أداء مهمتهم وتحمل مسؤولياتهم في إطار المؤسسات والجمعيات والجماعات الإسلامية.
لقد استخدم الأستاذ السلامة هذا اللون الأدبي لأنه الاقدر على استيعاب أفكاره المتصلة بخيط التاريخ والحدث السياسي والتي تحتاج في بعض أجزائها إلى التحليل النفسي للشخصيات والجماعات، وبسط كثيرًا من المسائل الملحة عبر لوحات فنية، استغرقت كل واحدة منها فصلًا ووفق بلملمتها ووصلها بشريط فني يربط بين أجزائها كخيط المسبحة تنتظم فيه الأحداث وتتسق الجزئيات بالأحداث الرئيسية للرواية من خلال رؤية معينة.
ولعل أهم وأبرز ما هدفت «الثعابيني» إليه هو «التوعية السياسية» التي غلفت بأسلوب أدبي مشرق، إنها تحاول فتح الآفاق للاهتمام بهذا الجانب وفهم أبعاده، ولعل القارئ عندما يتم قراءة الرواية سيخرج بذخيرة كبيرة من هذا الوعي وستثير الرواية عنده عشرات الأسئلة التي تبحث عن مفاتيح للإجابة عليها وهي البداية التي يريد الكاتب أن يضع القارئ عندها.
لقد استطاع الكاتب أن يشخص كثيرا من الأمراض السياسية والاجتماعية التي تعشعش في جسم المجتمع العربي ومجتمعات العالم الثالث، الانقلابات العسكرية، سياسة البسطار العسكري، الأجهزة الهلامية للحكومات الشعارات الثورية الزائفة، تعامل الأجهزة الحاكمة مع الأحزاب المعارضة، سياسة «الكف لمن سطره» أو ابتلاع الأقوى للضعيف. وحتى على مستوى الجماعات الإسلامية فإن المؤلف توقف عند بعض أمراضها وأخطائها القاتلة: عدم فهم التعددية في العمل الإسلامي، البساطة في التفكير والقصور في الفهم السياسي، العشوائية في العمل.
وعندما يبدأ القارئ بتقليب الرواية يفاجئه الغلاف بصورة الجنرال أسود السحنة يداعب افعى بعصاه، إنه «الثعابيني» هذا العنوان الذي يختزن في ثنايا حروفه كثيرًا من معاني الرهبة والتسلط والخديعة وربما التقزز والثعابيني الجنرال هاني بن غالب الحاكم الإفريقي لدولة «وادي النعيم» عرف بهذا اللقب نظرًا لممارسته لهواية غريبة هي تربية الأفاعي في قصره وهي هواية وارث عزيز ورثها کابرًا عن كابر يتعامل معها برحمة ورفق لا يعرفها في تعامله مع المخلوقات الآدمية من أبناء شعبه، ووادي النعيم» يقع في القارة السوداء وحاكمه مثال لما يعرفه إنسان العالم الثالث عن كثير من حكام تلك المنطقة وسياستهم في المحافظة على الكرسي والتعامل مع الخصوم على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم وقلقهم من الشخصيات المتنفذة حولهم والحذر والمراقبة التي تفرض عليهم خوفًا من لحظة الانقضاض، أما الشرائح السياسية في وادي النعيم فكثيرة: يسارية وطنية، ديمقراطية إسلامية، الجميع يسعى لكسب التأييد وتحقيق مصالحه، و يشتركون بكراهيتهم لنظام الثعابيني، ولكن ما يعنينا إبراز دور الفئات والجماعات الإسلامية العاملة على تلك الساحة وتفاعلها مع الأحداث، فالشيخ «أسعد بن البراء» أحد أبرز زعماء الحركة الإسلامية صورة للشخصية الإسلامية التي تعتمد الأسلوب المشيخي أكثر من الأسلوب التنظيمي وتعتمد على الحماسة الخطابية أكثر من سياسة التركيز على الأفعال إنه نموذج للذي يعطي أكثر مما يأخذ، ولكن للشيخ دوره الذي لا ينكر في التوعية الإسلامية.
أما «منازل العجلان» فهو النموذج للقيادة الإسلامية الشابة المتمردة بعنف- وهو لا يرى في أسلوب الشيخ ابن البراء الطريق الصحيح لاستعادة الحياة الإسلامية بل يعتبره قاصرًا في فهم أداة التغيير-ولكنها تجهل أبسط قواعد اللعبة السياسية عندما تريد التحالف مع جماعات غير إسلامية الأمر الذي يدعوها لكشف كثير من أسرارها وأسرار الجماعات الإسلامية العاملة كجماعة ابن البراء مثلًا، وقد وقع بذلك «العجلان» عندما أراد أن يتعاون مع الكركدن «وهو وزير دفاع معارض» من أجل إسقاط الثعابيني. أما النموذج الثالث فهو «سامح الهديان» مستشار الشيخ اسعد بن البراء: عميق التفكير، دمث
نشيط يؤمن بالتعددية في العمل الإسلامي متخصص في العلوم السياسية، الح عليه الشيخ ابن البراء بتسلم اية وزارة-حين عهد إليه بتسلم الوزارة في عهد الثعابيني-فاعتذر «الهديان» وآثر أن يظل مجرد مستشار سياسي للشيخ، ولقد كتب السفير الفرنسي في «وادي النعيم» في مذكراته عن الشخصيات السياسية هناك، ومما كتبه عن سامح الهديان أنه الوحيد من أبناء الحركة الإسلامية الذين عرفناهم الذي يستطيع أن يستثمرنا أكثر مما نستثمره ويستفيد من تناقضاتنا وأخطائنا أكثر مما نستفيد من تناقضاته وأخطائه وباختصار إنه رجل خطير، ولذا يرى فيه المؤلف النموذج الإسلامي الذي يجب أن يُحتذى.
ولقد نجح الكاتب إلى حد كبير في وصفه أخطاء العقلية الإسلامية-وهو من داخل الصف-تحت المجهر في تعاملها مع الواقع السياسي المحيط بها وتعاملها مع بعضها البعض لعلها تتلافى هذه الأخطاء في بلدان إسلامية آخرى تمر بنفس التجارب مستقبلًا.
لقد ساعدت كثرة الشخصيات وتنوعها المؤلف في تقديم معلومات وافية عن مناحي التفكير عند شرائح المجتمع السياسية والاجتماعية واستطاع المؤلف من خلال التحليل النفسي الذي يجيده النفاذ إلى أعماقها. كما استطاع من خلال المونولوجات إبراز صورة أدق لطبيعة مناحي التفكير البشري والدوافع النفسية للعلاقات على مستوى الأفراد والجماعات.
كما استخدم المؤلف أسلوب الرسائل والمذكرات والتقارير وكان أكثرها يدون بواسطة سفراء الدول الأجنبية في «وادي النعيم» وقد ساعد هذا الأسلوب في قول كلام صريح ومباشر حول القوى السياسية الموجودة هناك، وأعتقد أن المؤلف لم يكن ليستطيع إبرازه بهذا الوضوح بدون هذا الأسلوب الفني الذي يرى فيه البعض أداة تقريرية مباشرة في التعبير تؤثر على الأسلوب الفني في بناء الرواية بصورة سلبية.
وقد يأخذ البعض على هذه الرواية أنها أفردت فصولًا لأحداث وصراعات بين قوى سياسية ولكنها كانت تقطع تلك الصراعات عند نهاية تلك الفصول دون أن تستمر فيها في فصول لاحقة فيقف القارئ مشتتًا أمام أكثر من معضلة سياسية واجتماعية تبحث عن حل لها، وتتكرر أكثر من علامة استفهام-اثناء قراءة الرواية-على وجه القارئ يفتش الفصول اللاحقة فلا يجد حلًا لتلك المشاكل التي أثارها الكاتب، وربما كانت الإجابة على هذا المأخذ أن فلسفة الكاتب في بناء «الثعابيني» بهذه الكيفية مخلصًا له ومنقذًا من تحمل تبعية الإجابات على طريقة القوالب الجاهزة، إذ إن ملَكة التفكير السياسي وتحليل الأحداث لا تعرف الثبات والجمود، بل تعتمد على المحاكمة العقلية للظروف المتغيرة باستمرار والمحيطة بالحدث.
لغة الوصف «وصف المشاهد والمواقع والشخصيات» كانت مقبولة عند الكاتب ووفق في كثير منها، وإن كانت بعض الصور والمناظر التي رسمها جاءت فجة في مقدرتها التصويرية، ربما لأن الكاتب أعطى الوصف والصورة درجة أقل في سلم أولوياته، فلم تحظ منه بالوقت الكافي، أما عنصر التشويق في الرواية فقد كان كامنا لشد القارئ إلى متابعة فصول الرواية من البداية حتى النهاية بنهم وشغف.
إن الرواية بمجملها صوت إسلامي جديد ومتميز في الأسلوب والطرح وتوظيف الأحداث افتقدناه منذ زمن طويل، فساحة الأدب الإسلامي تشكو شحًّا كميًّا ونوعيًّا في الرواية الإسلامية، وهذه البداية الموفقة للكاتب تبشر بعطاءات أكثر عمقًا ننتظر أن ترى النور قريبًا، ولا شك أن الصبغة التي ميزت هذه الرواية كانت نتيجة امكانات المؤلف الأدبية وملكاته الفلسفية الناجحة في التحليل السياسي والنفسي، بالإضافة إلى جمعه في تخصصه الأكاديمي بين الأدب والحقوق. بقي أن نقول إن الرواية تقع في ثلاثمائة صفحة من القطع الوسط، صدرت عن دار عمار في الأردن قبل أكثر من عام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل