العنوان تأطير النشاط الصهيوني بما يرتبط بالماسونية وأدوات الهدم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
مشاهدات 168
نشر في العدد 596
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 23-نوفمبر-1982
مفتاح الفهم المفقود!
الصراع خصيصة متصلة بالفكر والمعتقد أولًا.
لو لم تكن هناك بروتوكولات صهيونية لوجب علينا إنشاؤها.
«العالمية» أفيون مثقفينا.
• أسياسيات في الصراع:
حين الحديث عن الحركات الهدامة عمومًا والماسونية والروتاري على وجه الخصوص، لا بد أن نلم ببعض الأمور الأساسية المتعلقة بالصراع في عمومه كسنة من السنن الكونية، وكأمر ملازم لحياة الإسلام والمسلمين منذ بزوغ فجر كلمة التوحيد.
فالصراع بين البشر وبين المجموعات وبين الأمم وبين الأفراد ظاهرة مشاهدة كل يوم، وستظل هذه الظاهرة قائمة ما دام الإنسان هو الإنسان وما دامت الحياة هي الحياة والذين يحلمون بعالم لا صراع فيه يكلفون أنفسهم شططًا بمثل هذا الأمل البعيد، وحري بهم أن يتنحوا جانبًا عن الحياة ويقعدوا مع القاعدين، وليعلموا أن المكان الذي لا صدام فيه هو «الآخرة» حيث يقضي ربك بالحق، فإما إلى نعيم دائم أو إلى شقاء دائم.
والصراع خصيصة متصلة بالفكر والمعتقد وما يرتبط بهما من نشدان السيادة والقوة والمجد، فأصحاب كل عقيدة يظنون أنهم وحدهم الراشدون ومن سواهم في غي مبين، وقد يتصل الصراع بمصلحة مادة أو أدبية، ولكنه يظل مرتبطًا بعالم الفكر والاعتقاد وتكون هي الموجه والموحي به بطريق مباشر أو غير مباشر.
• حصر الصراع:
وفي ضوء هذا يفسر الصراع بين الأمة المسلمة وغيرها من الأمم، وجدير بنا أن ننبه أن الصراع الحقيقي اليوم محصور في نهايته بين الإسلام على صعيد وبين بقية المذاهب والأفكار والمعتقدات على صعيد آخر والصراعات التي بين ذلك إنما تكون صراعات مصلحية محدودة بظرفها وزمانها كالصراع بين المعسكر الشرقي والغربي، أو كالصراع بين فئات معسكر واحد، كما هو الحال بين السوفييت والصينيين، وهكذا.
ولكنك أخيرًا تلمس بأكثر من شاهد أن كثيرًا من هؤلاء ينسون صراعاتهم حينما يتصل الأمر بالإسلام والمسلمين، وقد أحصى الأمير شكيب أرسلان في كتابه حاضر العالم الإسلامي أكثر من مائة خطة ومشروع بين الأمم المسيحية لتقسيم وتفتيت دولة الخلافة الإسلامية، وما أشبه الليلة بالبارحة.
وفي المحافظة على حالة الضعف السارية في بلاد الإسلام وتغذية الفتن الداخلية، وإلهاء إنسانها بكثير من المفاسد، وتمركز الحركات المريبة فيها مثل جمعيات تحديد النسل وغيرها من الأشكال والمسميات ما يبرز دليلًا واضحًا على ما نقول.
• مفتاح الفهم المفقود:
وهناك فهم مفقود في تأصيل الصراع والنظر إليه خاصة في النزاع الأبدي بين الأمة الإسلامية وأهل الكتاب عمومًا ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217) كما أورد الذكر الحكيم.
ونحن نظن أن حالة عدم التدين وسريان الفحشاء في عالم أهل الكتاب تجعلهم بعيدين عن كل ما يمت لدينهم بصلة، أو متحررين من كل فكرة دينية وذلك ظن غير صحيح، فأهل الكتاب يكررون دائمًا أثر عقيدتهم في صياغة شخصيتهم والطبع عليها بطابع خاص مستمر ومتجدد.
وهذا يتصل بأمر يهم المسلمين، فإن اليهود والنصارى يعتبرون أنفسهم أبناء أصول مشتركة «العهد القديم + العهد الجديد» وذلك مفسر للأسر والتعاطف الدائم بنين الأمم النصرانية واليهود.
ويغيب هذا عن مثقفينا أكثر ما يغيب أو يتجاهلونه وهم يمرون به ولا يعيرونه اهتمامًا خشية أن يحفز الناس هاهنا على التشبث بدينهم والارتباط بأصولهم، وهذا من معالم الضياع الكبرى التي تشاهد في عالمنا الإسلامي.
على أن أصول الصراع بيننا وبين أهل الكتاب «يهود أو نصارى» ذات خلفيات دينية، والذي يطالع فصل «روح الحروب الصليبية» في كتاب الإسلام على مفترق الطرق للأستاذ محم أسد -وقد كان يهوديًا وهو من أبناء الحضارة الغربية بحق- يرى المسألة واضحة، ولكن هناك حركة تزييف يتبناها جمع من المثقفين والمتسمين بأسماء العلم من أجل التعتيم في هذا الجانب لسر لما نتعرف عليه بعد تمامًا، ولا ندري لصالح من، على أنه وبغض النظر عما يعتنقون ويروجون نود القول لهم ولمؤيديهم أن الذي يفعلون ليس في صالح هذه الأمة ولا في صالحهم إن تأملوا.
• ومفتاح آخر أيضًا:
وهو مفتاح هام يتصل بفهم الشخصية اليهودية، وهي قطب الصراع مع الإسلام والمسلمين، فهذه الشخصية لا يود أهل الشأن أن يتحدثوا عن حقيقتها كما ينبغي.
ويكفينا هنا أن نشير إلى حرص هذه الشخصية على إعادة أمجاد إسرائيل وبعث دولة سليمان والتي تمتد من الفرات إلى النيل، فهي مسألة متصلة بقلب العالم الإسلامي، وهذه الحقيقة هي الضوء الذي نحتاجه للتعرف على أسرار الحركات الهدامة في عالمنا الإسلامي لا سيما الماسونية والروتاري وما سواهما.
وقد تعود المترفون من أهل الفكر عندنا أن يتجاوزوا عن هذه المساحة دائمًا وهم يتداولون الحديث عن «يهود»، ويحاولون بشتى الوسائل أن يجردوا قضيتنا معهم من روحها، وهي روح عقيدية سلم هؤلاء المترفون بذلك أم لم يسلموا.
وقد تجدهم يبذلون الجهود وهم يضغطون مساحة قضيتنا معهم ومن الأمثلة على هذه مسألة «دولة إسرائيل الكبرى» فلا يدري المرء لم يغفل أهل الفكر عندنا هذه المسألة؟ هل يستهينون بها مكررين دور أسلافهم من قبل «طه حسين وغيره» وهم يتغافلون عن قيام دولة «يهود» في فلسطين؟ أم لا يحيطون علمًا بأبعاد هذا المخطط؟
أسئلة ما لها من جواب يشفي ونتجاوزها شطر واجبنا نحن كمؤمنين بالفكرة الإسلامية، وحيثيات هذا الواجب تحتم النظر فيما يترصد هذه الأمة من مقدمة الإجهاز عليها ووسائل السيطرة الخفية المتسترة ببعض الشعارات التي تغشي أبصار الأغرار من السذج والسطحيين.
• الشعارات المريبة:
إن كثيرًا من هذه الجماعات المريبة تجد السبيل إلى عقول المساكين عن طريق شعارات فضفاضة تتحدث عن وحدة الإنسانية والعالم، ونبذ كل ما يفرق، وهي قد تتوسل لذلك بوسائل شتى ولافتات مختلفة تختم دائمًا بشتى منسوب «للعالمية» فتسمع عن اتحادات الشباب العالمية، واتحادات الكتاب العالميين وقد سمعنا أخيرًا عن قرى الأطفال العالمية «أيضًا» وهلم جرًا.
وهذه «العالمية» منحدر رهيب وأفيون لمثقفينا وأهل الفكر والتطلع عندنا، فلا تسحرهم كلمة مثل هذه الكلمة، ولذلك أسبابه النفسية وغيرها، فإنساننا -في الغالب- يعاني من عقدة نقص من ضعفه وخنوعه وقعوده، وهو يحاول أن يتبرأ من هذا النقص العميق بكل وسيلة يجد عبورًا عليها، ومثقفونا على وجه الخصوص يحسون في هذا الالتحاق نفيًا لحقائق ضعفهم، لذا تجدهم دائمًا حريصين أشد الحرص على الترويج لهذه المقدسات.
ثم إن كثيرًا منهم تنتعش في ذهنه أسطورة «التفاهم، في حل المعضلات البشرية، ولديهم مقدرة رهيبة على تجريد القضايا من خلفياتها وظروفها وملابساتها والمؤشرات فيها.
والمثقفون المصريون -في كثير من الحالات- شاهد قريب على هذا عبر دورهم المعلوم فيما بعد اتفاق «كامب ديفيد»، فقد تحمسوا للتطبيع أيما حماس وأطلقوا لخيالهم العنان تبشيرًا بعهود السلام الدائم الآتي عبر جهودهم الفكرية في نفي كل مكونات الشقاق عن الشخصيتين العربية واليهودية أو كما قالوا.
ولا نود التوقف عند هذا أو التعليق عليه، ولكنا أردنا التنبيه لحالة الهيام التي تحلق بمثقفينا عن دنيا الواقع وتلهيهم عن الحقائق جريًا وراء سراب خداع.
• ونقاط الضعف الأخرى:
ثم إن عالم النفوس تتصل به كثير من نقاط الضعف التي نظلم أنفسنا كثيرًا إن تجاهلنا عنها، وأعداؤنا على وعي تام بنقاط الضعف هذه ويستطيعون توظيفها دائمًا بتفوق شديد، لا سيما وأن ملابسات عصور الانحلال والتمييع والضياع تساعدهم على ذلك الاستغلال وتهيئ لهم سبيله كل تهيئة.
ونقاط الضعف هذه مركزة في أهل الحل والعقد من ساسة وقادة وإعلاميين ومسئولين مختلفين وفنانين ... إلخ.
والأعداء على استعداد لتلبية رغبات كل فرد من هؤلاء بما يناسبه ويشبع طموحه ولا داعي للاسترسال في هذا إذ إن الإشارة إليه تكفي، وهو حالة معاشة لا تحتاج إلى بيان.
• الانصرافية الطاغية:
ونحن في مقام التعرض للحركات الهدامة ينبغي أن ننتبه للصف الداخلي وتكوينه قبل أن نتحدث عن أعدائنا وخططهم، بل لا جدوى من حديثنا عن الأعداء إن كان صفنا مخلخلًا ومضطربًا.
وهناك حالة من الانصرافية تصبغ أجواءنا وتلهينا عن قضية صراعنا الأزلي مع أعدائنا، وهذه «الانصرافية» أشرنا إلى نماذج منها في بعض ما سبق، ولكننا ننبه هنا إلى حالة عامة من الغفلة والانصراف لا نكاد نستثني منها أحدًا.
ويتولى كبر ذلك أجهزتنا الإعلامية بما تقدمه من مواد سامة تشل شخصية إنساننا وتحطم قيمه وتزعزع مثله وتجعله مسخًا مشوهًا من بين البشر، وهذه الأجواء من الغفلة والانصراف هي التي تهيئ لعدونا السبيل لإمضاء مخططاته وتنفيذ مشروعاته، وإذا أردنا التمثيل لذلك فإن عدونا يود إجراء جراحة خطيرة، ويحتاج لمخدر فعال وما يصبغ أجواءنا الحالية هو أنسب المخدرات لإجراء هذه الجراحة.
• يهود والأهداف التي لا تغيب:
حينما عقد يهود مؤتمر بال الشهير سنة 1897م وصدرت عنه مقرراتهم المشهورة «المشاهدة عمليًا»، لم يكن ذلك بداية تخطيطهم كما يحاول البعض إفهامنا، بل كان في الحقيقة حلقة من حلقات دأبهم وسعيهم الدائم من أجل تحقيق أهدافهم بإعادة أمجاد «إسرائيل».
ويحلو لبعض المترفين أن يشكك في تلك المقررات المعروفة باسم «بروتوكولات حكماء صهيون»، ولعل هذا ملحق جديد لتلك البروتوكولات أو هو الأرجح.
ونقول في هذا المقام: لو لم يكن هناك ترديد وذكر لهذه البروتوكولات لوجب علينا أن ننشئها إنشاء من حقيقة ما يجري في عالمنا الإسلامي من أمور لا يحتاج العقل فيها لأعمال حتى يقرر أنها ضياع وتضييع وإصرار على تحطيمه وبأيدي أبنائه أولًا.
• وبعد:
فقد آثرنا في هذا المقال ألا نغرق أنفسنا في تفاصيل قد لا تجدينا كثيرًا عن النشاط الصهيوني من خلال بعض مسمياته من ماسونية وروتاري ونواد عالمية وما إليه، بقدر ما أننا حاولنا أن نضع إطارًا عامًا يكاد ينتظم فيه السابق واللاحق من أنواع النشاط الصهيوني في منطقتنا، والتي تشكل هدفًا أولًا لهؤلاء.
كما أحببنا أن نرسخ حقيقة في الأذهان لا يجدي مع عدمها أي حديث عن الصهاينة ومخططاتهم، هذه الحقيقة تتصل بواجبنا نحن في تحققنا برسالتنا الإسلامية وتمسكنا بمضامينها بكل التفاصيل لأنه ليس في إمكاننا التصدي للأعداء ونحن بهذا المستوى من الخواء.
وأمر أخير نود التنبيه إليه ثانية، هو أن مخططات الأعداء ليست جديدة على هذه الأمة، وقد استطاعت أن تصمد لها في عهود قوتها وتماسكها حينما كانت تنهل من ينابيع فكرها الصافي ومنهاجها القويم.
ولعلنا قد حققنا اليوم من الأسباب المادية أضعاف ما كان لدى أسلافنا وهم يقاومون مخططات الأعداء، ولكنا تخلفنا عنهم بنفس النسبة في مضمار العقيدة والأفكار.
ولا تحاول قارئنا الكريم أن تلمس وراء هذه الأسباب سببًا.