العنوان تأملات تاريخية- أيها الأمير.. إن هؤلاء اتخذوك سلمًا إلى شهواتهم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1981
مشاهدات 56
نشر في العدد 511
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 13-يناير-1981
كان رجال الحركة الإسلامية- ولا يزالون- هم قادة الجماهير الحقيقيون وملاذ الثقة... وكان محك هذا القول الجنائز... فكم من ملك وحاكم مات ولم يخرج في جنازته إلا الحاشية والمصفقون... وكم من عالم وداعية توفاه الله وخرجت الأمة بأكملها خلف جنازته... ذلك لأن رجال الحركة الإسلامية لا يتملقون الحكام ولا يعينونهم على ظلمهم ولا يصدقونهم بكذبهم... بل كانوا لا يقبلون زيارة الحكام... وإن زاروهم فللصدع بكلمة الحق... وكان الحكام يتشرفون بزيارة رجال الحركة الإسلامية. عمرو بن عبيد أحد رجالات الحركة الإسلامية على مد الدهور جسد هذه المعاني في المشهد التالي...
دخل عمرو بن عبيد على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وكان أعظم ملوك الدنيا في عصره فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله عز وجل لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك.. ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك، وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا بأن تعدل على الرعية. يا أمير المؤمنين، إن وراء بابك نيرانًا تتأجج من الجور، والله ما يحكم وراء بابك بكتاب الله ولا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال: فبكى المنصور، فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو، قد شققت على أمير المؤمنين فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟
قال: أخوك سليمان بن مجالد.. قال عمرو: ويلك يا سليمان، إن أمير المؤمنين يموت، وإن كل ما تراه يفقد، وإنك جيفة غدًا بالفناء، لا ينفعك إلا عمل صالح قدمته، ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذا كنت تطوى عنه النصيحة وتنهى من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلمًا إلى شهواتهم.
قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم.
قال: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه، ومُر بهذا الخنّاق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالًا كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل أمرًا عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه.
الداعية عمرو بن عبيد حدد الآتي لأمير البلاد:
• حدد حجم الأمير الطبيعي كإنسان يعيش حياة محدودة ويبعث معزولًا في كل ملكه وهالته وهيلمانه وبيّن حجم الخصوم يوم القيامة.
• قيّم الأوضاع بمعيار الإسلام وبيّن أنه حيثما لا حكم بشرع الله فثم الظلم ونيران الجور.
• ثم وضع يده على العلاج وهو تعيين الموظف الكفء الأمين الذي يشعر بالخوف من الله قبل الخوف من السلطان.
الداعية عمرو بن عبيد لم يفرح بمقابلة أمير البلاد ولم يهلهل ويبشر على اهتمام الأمير بلقاء الإسلاميين... ولم يُشِدْ بخطواته... قال كلمته بحق ثم مضى... قالها لأعظم ملوك الدنيا والذي عقدت له بيعة الأمة وتوحدت الشعوب تحت سلطته... قالها ثم مضى... هذا تاريخنا فليأتِ الأدعياء بتاريخ مثله.