; تأملات تاريخية- الحاكم والبطانة | مجلة المجتمع

العنوان تأملات تاريخية- الحاكم والبطانة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986

مشاهدات 52

نشر في العدد 760

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 25-مارس-1986

ليس من الضرورة دائمًا أن يكون الظلم الواقع بين الناس نتيجة لبطش الحاكم، أو تعطشه للظلم.

ففي أحيان كثيرة تكون البطانة أسوأ حالًا من الحاكم، إذ تُظهر له شيئًا وتفعل شيئًا آخر، وتحول بين الناس وبين مسؤوليها، فلا توصل لهم إلا ما تريد، ولا تبلغهم إلا ما تحب!

فقد نقل لنا التاريخ أن المنصور كان يطوف ليلًا بالبيت فسمع قائلًا يقول: «اللهم إليك أشكو ظهور البغي والفساد، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع». فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه.. وعندما حضر قال المنصور: ما الذي سمعتك تقوله؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أمّنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها. قال: أنت آمن على نفسك. فقال: إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغي والفساد لأنت!. إن الله استرعاك المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجبًا، وسجنت نفسك فيها عنهم، وأمرت ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف، ولا أحد مما له في هذا المال حق، فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم بنفسك، وآزرتهم على رعيتك يجبون الأموال ويجمعونها، وائتمروا على ألا يصل إليك من أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا. ولما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم، وكان أول من حالفهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا على ظلم رعيتك. إن للناس أعلامًا يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بقولهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك. قال المنصور: قد بعثت إليهم فهربوا مني.

قال الرجل: نعم. خافوا أن تحملهم على طريقك، ولكن افتح بابك وسهل حجابك، وانظر الظلم، واقمع الظالم، وخذ الفيء  والصدقات مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة».

لم يذكر التاريخ اسم الرجل! ولكنه كان رمزًا للمعاناة الجماعية التي تعبر عما يجيش في نفسها بصدق العفوية عندما يتاح لها الظرف المناسب تلك العفوية التي تعكس صورة الواقع، وتنقله –كما هو- ببساطتها فلتفتح لمثل هذا الرجل القلوب، ولتصغ الآذان، وشتان بين ما تنقله العيون للحاكم –وبين ما تحسه الجماهير، وقديمًا قال المثل العربي: «يأمن الخائف إذا وصل إلى ما خافه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل