العنوان حضارتنا وحضارتهم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 816
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 05-مايو-1987
تأملات تاريخية..
عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بـ«الربذة» وعليه برد، وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، فلقيت النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية»، قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه.. قال: «يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
وفي عام 1946، في مدينة كولومبيا قصد زنجي وأمه إلى محل لإصلاح جهاز الراديو الخاص بهما، وبعد أن دفعا الأجرة المطلوبة تبين لهما أن الجهاز لا يزال على حاله، لم يصلح فيه شيء! فقالت الأم الزنجية: ثلاثة عشر دولارًا، والراديو لا يزال أخرسًا؟
فأمر صاحب المحل بطردهما، ورفس أحد المستخدمين الأم برجله، فخرت على وجهها، فغضب الزنجي لأمه، وضرب المعتدي عليها فأهوى به إلى الأرض.. فما كان من جاره إلا أن صرخ في الجماهير: اقتلوا ابن الفاعلة! وتجمهرت الجماهير، وأخذت تنادي: فلنقتص منهما!
والاقتصاص من الزنوج عند الأمريكان فصل رؤوسهم عن أجسادهم فورًا بدون محاكمة ولا عقوبة!
وأخيرًا أنقذا من بين أيدي الجماهير، وسيقا إلى السجن، فلم يرض الجمهور ذلك، بل هرع إلى حي الزنوج ليقتص من الزنجية وولدها، وحاصرت الشرطة الحي المنكود.. وطورد الزنوج المساكين في بيوتهم ومحلاتهم فنهبت، وأحرقت، وأطلق الرصاص على أولئك المساكين، فوقع كثير بين قتيل وجريح.
ومع ذلك يرفعون في أمريكا تمثالًا للحرية، ويعتبر من المعالم الحضارية في بلادهم، وهو إلى حد كبير يمثل مفهومهم عن الحرية، فليست هي ذلك المعنى السامي الرفيع، وإنما هي ذلك المفهوم المتحجر الذي لا يعدو أن يكون لفظًا لا معنى له.. تمامًا كهذا التمثال الذي لا روح فيه.
ترى لو أن زنجيًا صعد على هذا التمثال ونادى بأعلى صوته بأن الله خلق الناس جميعًا، داعيًا إلى المساواة بين بني البشر.
فهل كان هذا الزنجي ينزل كما صعد آمنًا؟ أم أن حياته تنتهي قبل وصوله إلى الأرض؟!
في حضارتنا وقف بلال الحبشي يوم الفتح فوق الكعبة ليؤذن ويعلن كلمة الحق لتدوي في أنحاء المعمورة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).