; تأملات تاريخية- عندما لا يستشير القادة مرؤوسيهم! | مجلة المجتمع

العنوان تأملات تاريخية- عندما لا يستشير القادة مرؤوسيهم!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1986

مشاهدات 65

نشر في العدد 759

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 18-مارس-1986

أثناء الفتح الإسلامي لأرض فارس طلب قائد جيش الفرس أن يلتقي بالقائد المسلم قبل المعركة ليتفاوض معه في حقن الدماء، وبعد أن عرض الفارسي مقالته، قال المسلم: «أمهلني حتى أستشير القوم». فدهش الفارسي وقال: «ألست أمير الجُند؟!» قال: بلى، فقال الفارسي: «إنا لا نؤمر علينا من يشاور»، فقال له المسلم: «ولهذا فنحن نهزمكم دائمًا»، أما نحن فلا نؤمِّر علينا من لا يشاور». وجاء في مذكرات موشى دايان -وزير الدفاع الإسرائيلي- عن حرب ١٩٦٧ أنه كان يتعجب من الجيوش العربية، فبعض الوحدات كانت تقاتل بشراسة ورجولة حتى آخر رمق وآخر طلقة واحدة، ولم يعرف السر في ذلك، إلى أن استسلم أحد القادة العرب ومعه جنوده وجميع أسلحته، فأخذ يسأله: «هل أخذت رأي زملائك الضباط والجنود قبل أن تأمرهم بالاستسلام لنا؟» فقال في كبرياء: «إننا لا نستشير من هم دوننا في الرُتبة» فقال له دايان: «لهذا السبب، فنحن نهزمكم دائمًا». ثم يستطرد القائد الصهيوني قائلًا: وأن الضابط اليهودي مهما علت مرتبته، يأكل مع جنوده، ويعيش بينهم كواحد منهم، ويحضر معهم درس الدين، ثم هو بعد ذلك دائم الاستشارة لهم والتفاهم معهم». 

من هاتين الحادثتين يستدل العاقل المدرك على طريق النصر، وليس بنا حاجة إلى الخوض في نقد ذلك القائد العربي المتخاذل المتغطرس، فهو أقل من أن ينتقد، ولكن حاجتنا هي استشفاف العبرة وتبيان بعض الحقائق من هاتين الحادثتين.. 

لقد قلبت الموازين في عصرنا الحاضر -بفعل فاعل- فبدلًا من أن نتشبث بأوامر شرعنا الإلهي السامي، استبدلنا الخير بالشر الذي أهلكنا، واعتنقنا شريعة أرضية حقيرة نتنة، ما أنزل الله بها من سلطان، وعندئذ: ضرب الله علينا الذلة والمسكنة، وباء حُكامنا بغضب من الله.. وفي الوقت ذاته، علم أعداؤنا أن شريعتنا الربانية هي أساس النجاح، ومصدر القوة، وطريق النصر، فنبذوا شريعتهم الوضعية وطرحوها أرضًا، واستخلصوا عوامل السيادة من كتاب ربنا وسُنة نبينا، وقننوها تشريعًا لهم. فاعتلوا بذلك فوقنا وتجبروا علينا.. وتلقفنا نحن قوانينهم العفنة، وشرعناها مصدرًا لنا، فخذلنا وصرنا تحت رحمة أقدامهم، نلتمس منهم الرزق، ونأوي إليهم جياعًا خائفين..

إن القائد العربي المسلم نجح في اقتحام فارس بسبب تطبيقه للأمر الإلهي بالشورى، فكان النجاح حليفه، والتوفيق رفيقه، وأما القائد المعاصر والذي تكبّر وتغطرس ولم يلتزم بالأوامر الربانية، فقد خاب وخسر المعركة، ومشى إلى ذلّه برجليه.. كل ذلك بسبب صده عن الأمر الرباني، وانفراده بإصدار الأوامر.

إن طريق النصر بيِّن واضح معروف، ولا ينقصنا سوى الولوج فيه، وأول الطريق خطوة، فمتى سيخطوها حُكامنا؟!

قل عسى أن يكون قريبًا..

الرابط المختصر :