العنوان تأملات إسلامية- علم الإنسان ما لم يعلم
الكاتب محمد جابر سلطان
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 830
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 18-أغسطس-1987
تأملت ذلك السر الكبير من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: 73)
فحار تأملي في هذا العصر الذي وصل بعلومه وإبداعه إلى مستوى أبهر العقول.. وحير الألباب؛ حيث أنطق الحديد وقرب البعيد.. وحلق بالإنسان في أرجاء الفضاء... وغاص به في أعماق المحيطات والبحار، وهذا كله بفضل الله وحده، الذي أوجد الإنسان وأمره بالقراءة، وعلمه ما لم يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وفضله وكرمه بالعقل والفكر على سائر ما خلق من موجودات وإحياء، وكل ذلك وفق معايير من الحدود والقوانين، لا يستطيع الإنسان أن يتخطاها.. ويتعداها.. ويتجاوز حدودها.. لأن له حدودًا.. وطاقات.. ومدارك إلى منتهى معين... وهدف محدد لا تستطيع طاقاته.. وقدراته البشرية أن تتجاوزها وتتخطى حدودها، ومع ذلك نجد الإنسان يتجبر ويتكبر.. ويتفاخر ويتعاظم... ويطغى ويتمرد.. ويجادل ويحاور.. والآية هنا جاءت صريحة لوقف كل هذه التجاوزات... والتطاولات التي تنبع من هذا الإنسان؛ لترده إلى معالم الحق والصواب.. ولتردعه عن معالم الغرور.. مهما وصل. ووصل.. ووصل.. حيث يبقى أمام عظمة الله وعلمه عاجزًا.. مشلولًا، وأمام معجزات الله حقيرًا.. ذليلًا.. وكذلك فالآية صريحة أيضًا في إثبات معجزة التحدي التي يمتاز ويشرف بها القرآن الكريم كتاب الله تعالى؛ حيث إنه المعجزة الخالدة المستمرة لإبراز كل معالم التحدي والإعجاز عبر كل الأزمنة والأمكنة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن الإنسانية السائرة اليوم في عصرنا الحاضر الذي نعايشه في تملكها الزمام المعلوم.. والمعارف.. والمخترعات... وآفاق الذرة والتكنولوجيا من تلك العلوم والمخترعات المحيرة للعقول والمبهرة للأبصار، لا تستطيع أن تقف أمام واحدة من خلق الله تعالى ولو كان هذا الشيء هو هذا الذباب، الذي ضرب الله به سبحانه وتعالى المثل هنا في هذه الآية؛ لحقارته وصغارته، ولتعلم الإنسانية اليوم بكل ما أفرزت حضارتها وتكنولوجيتها وعلومها واختراعاتها في مجالات الذرة.. والطاقة.. والكمبيوتر والعقول الإلكترونية.. وعلوم الفضاء أنها لن تستطيع أن تخلق ذبابة صغيرة وحقيرة؛ لأن هذه الذبابة كائن حي فيه صفة من صفات الحياة، وهي الروح التي هي سر من أسرار الخالق العظيم المبدع جل علاه، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85)
وهذه الروح ذات الأسرار الإلهية وحدها هي التي تشكل لمثل هذه الحشرة الصغيرة «الذبابة» كل خصائصها.. وقدراتها وقوتها.. المستقلة، حتى إن الإنسان لا يستطيع أمام خصائصها وقدراتها وقوتها الخاصة المستقلة إلا أن يقف عاجزًا ومستسلمًا، كما بينت الآية ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾.. أنهم عاجزون ومستسلمون أمام هذه الذبابة الحقيرة الصغيرة في نظرهم، تسبب لهم الأمراض.. والأوبئة.. وتنقل لهم العدوى، وكم نرى اليوم في عصرنا الحاضر أن كثيرًا من الأمراض والأوبئة تنتقل إلى الإنسانية عبر جراثيم وميكروبات وفيروسات أصغر بكثير جدًّا من الذبابة وغيرها.
هذه الميكروبات والفيروسات من دقتها وصغر حجمها أنها لا ترى إلا بالمجاهر المكبرة؛ حتى أن كثيرًا منها لم يستطع العلم الحديث بعلومه وتطوره في اختراع الأجهزة أن يتوصل إلى تحديد خصائصها. وطبيعتها وصفاتها وتحديد أمراضها وإيجاد العلاج المناسب لها، إنها أسرار الروح التي اختصها الله سبحانه وتعالى بعلمه، تنطلق عبر كل نبضة حياة في عناصر الأحياء والكائنات الصغيرة والكبيرة... المرئية وغير المرئية.. وعبر إبداع الخلق الذي اختص به الخالق جل علاه، كما قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8).
أن الإنسانية اليوم التي اغترت بعلومها ومخترعاتها وتكنولوجيتها، وأغرقت العالم كله بسلطان العلم وآفاقه ودروبه واكتشافاته ستظل عاجزة الإدراك قاصرة العقل أمام عظمة الخالق العظيم، وأمام أسرار خلقه التي ليس لها حدود، إن الإنسان اخترع الطائرة والسيارة والدبابة وسفن الفضاء، وشكل هذه الأشياء وأبدع صناعتها من ماديات الأرض وخاماتها، والتي أنعم الله سبحانه وتعالى وهداه إليها، وهذه الأشياء مصدرها الفعلي هو هذه المادة من جزئيات الأرض، وهي مادة الحديد التي وصفها سبحانه وتعالى مشيرًا إليها: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: 25).
ليصنع وليشكل الإنسان من هذا الحديد الذي يستخرجه من خيرات الأرض ومن باطنها تلك المركبات والآلات التي يسخرها لحياته ومعيشته ومنافعه وحاجاته فوق الأرض التي يحياها.. بل إن ذلك في نظري هو حدود هذا الإنسان وحدود علمه الذي سخره الله سبحانه وتعالى له، احترامًا لعقله وكيانه وكرامته الإنسانية، وذلك جزء بسيط من علم الله، الذي علم به الإنسان ما لم يعلم لمواصلة عمارة الأرض.. والاستخلاف فيها... بحكم الله وأمره وإرادته.. أما عند مسائل التحدي، فلا بد أن يقف الإنسان عاجزًا.. يعرف حدوده... ويعرف معالم انطلاقه ووجهته.. وغاياته وأهدافه، وستظل الإنسانية عاجزة عن خلق حياة.. أو نبضة حياة.. لأي كائن حي مهما كان حجمه وجرمه، وحتى ولو كان هذا الذباب لحقارته وصغارته... وحتى ولو كان هذا أصغر من الذباب وأقل وأقل؛ لأن ذلك من أسرار الله الواحد الأحد، الذي أتقن كل شيء، والذي ختم هذه الآية العظيمة الكريمة بقوله سبحانه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: 73) وما أضعفنا نحن بني الإنسان، وتلك هي معالم الحقيقة؟؟؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل