العنوان تأملات في الانتخابات المصرية.. أمريكا.. والإخوان المسلمون
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1680
نشر في الصفحة 15
السبت 10-ديسمبر-2005
اهتم فريق كبير من المتابعين للانتخابات المصرية بنظرة الإدارة الأمريكية لمجرياتها، وبالذات الصعود الكبير للإخوان المسلمين فيها.
وقد تفاءل الكثيرون بإيجابية الموقف الأمريكي حيال ما جرى في تلك الانتخابات من تجاوزات أساءت إليها، كتصريحات الخارجية والبيت الأبيض التي عبرت عن قلق واشنطن مما شاب هذه الانتخابات. لاحظنا ارتفاعًا في أعمال العنف وهو ما سبب لنا قلقًا، وأن واشنطن تحدثت مع القيادة المصرية بشأن هذا الأمر، (شوماكورماك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية)، أو كلام مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة أمام منتدى القادة في دبي بعدم ممانعتها من وصول إسلاميين إلى الحكم وتحذيرها لواشنطن بعدم الوقوف أمام ذلك، وغيرها من الآراء والتحليلات والمواقف داخل الولايات المتحدة التي تصب في صالح عدم عرقلة الإسلاميين طالما أن خيار الشعب معهم، ونوصي بالتفاهم معهم على أجندة مشتركة.
وربما جعل ذلك جانبًا من المتابعين وخاصة الإسلاميين يتفاءل -إلى حد ما- بإمكان قبول الولايات المتحدة لوجود الإخوان في الحكم، وأعتقد أن ذلك الأمل بعيد المنال ولا يمكن أن تقبل به الولايات المتحدة على أي وضع. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا لبيان ما يلي:
أولًا- ما يصدر عن الخارجية الأمريكية أو البيت من تعليقات أو إدانات لما جرى في الانتخابات هو من باب تسجيل المواقف لا أكثر، وهي مواقف عامة من الانتخابات بصورة عامة، ولم يتوقف أحد من المسؤولين الأمريكيين عند ما جرى للإخوان المسلمين بالذات من اعتقالات وعنف وإسقاط المرشحين بعينهم.
ثانيًا- أن ما يصدر في الولايات المتحدة عن السياسيين والإعلاميين والمفكرين من مواقف أمر مهم، وهو يؤشر على نقطة جديرة بالاهتمام داخل المجتمع، ولكنه لا يشكل أبدًا موقف إدارة البيت الأبيض، ومن يراجع سجل مواقف الساسة والإعلاميين والكتاب الأمريكيين المعارِض للحرب على العراق، ويراجع أيضًا التحركات الشعبية الكبرى في الشارع ضد خوض هذه الحرب، سيجد أن قضية غزو العراق من القضايا القليلة التي حظيت بأوسع معارضة شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، ورغم ذلك فقد كان لإدارة البيت رأي آخر وهو ما يجري تنفيذه الآن على أرض العراق، ونفس الشيء ينطبق على بقية المواقف والقضايا.
ثالثًا- أن الولايات المتحدة عندما طرحت مشروعها لما يسمى بـ الإصلاح في الشرق الأوسط، كان -ولا يزال- يعني استبدال أنظمة بأنظمة أكثر ولاء واندماجًا مع المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، أو استبدال وكيل للمصالح، بـوكيل أكثر نفعًا وحفاظًا على تلك المصالح. وقد جست الولايات المتحدة النبض في مصر وخطت خطوات لصناعة ذلك الوكيل، ولكنها فوجئت بعد انتخابات الرئاسة المصرية بالفشل الذريع في صناعة ذلك الوكيل، وكانت المفاجأة أشد قسوة عندما اكتشفوا أن ما حصل عليه الوكيل المرتقب من أصوات كان بفعل الإسلاميين، فكفت الإدارة الأمريكية ضغوطها ولملمت تحركاتها نحو التغيير إبقاءً على الوضع القائم. ولا شك أن نتائج الانتخابات البرلمانية أفقدت الإدارة الأمريكية الأمل في صناعة أي وكيل جديد مناسب بعد النتائج الهزيلة لقوى المعارضة، وأصبح الخيار النهائي يقترب من الإبقاء على الوضع الحالي وتقويته، وربما تجري ترتيبات على المدى البعيد لكيفية تحجيم الإخوان ومحاولة إزاحتهم وفق خطوات متدرجة، فقد وضعت الانتخابات الأخيرة النظام الاستعماري العالمي أمام خيارين: خيار الإسلاميين «الإخوان»، وخيار النظام القائم المدعوم شعبيًّا بطريقة متزايدة.
رابعًا- المسألة أكبر بكثير من المسميات، وهي لا تنحصر في دائرة نتائج الانتخابات البرلمانية فقط، وإنما المسألة هي صراع هويات: هوية إسلامية تسعى للتشبث بأرضها وللتجذر بين أبنائها، أمام هوية غربية تسعى لمزيد من التغلغل والاستحواذ. وأيضًا صراع مشروعات: مشروع صهيوني دخيل متحرك في إطار منظومة المشروع الغربي الاستعماري الساعي للهيمنة والاستحواذ، في مقابل مشروع إسلامي صاعد يزداد قوة يومًا بعد يوم ويتزايد وعي الناس بأهميته وحتمية الالتفاف حوله، ويحمل رايته بالطبع الإسلاميون، وفي القلب منهم الإخوان المسلمون.
ولا أعتقد أن المشروع الغربي الصهيوني يمكن أن يتنازل أو يركن للتفاهم مع المشروع الإسلامي؛ فالاثنان خُلقا متناقضين، والمشروع الإسلامي بالذات ولد من رحم المعاناة من المشروع الغربي الصهيوني هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن منظومة الحكم في العالم الإسلامي تقودها حكومات مسلمة لا شك، ولكنها ذات هوى علماني، فهي أقرب للغرب ولمشروعه أو لا تمانع من التعامل معه والتجاوب مع كثير من طموحاته، واتفاقيات التطبيع والشراكات الاقتصادية والعسكرية الجائرة خير مثال.
ومن هنا فإن مجيء أي حكومة إسلامية إلى سدة الحكم لا شك يمثل تقوية للمشروع الإسلامي وتهديدًا لطموحات المشروع الغربي الصهيوني، ولذا يكون من الطبيعي أن يتم التدبير بهدوء لقطع الطريق على الإسلاميين حتى من مجرد المشاركة في إدارة البلاد وحتى لو اقتضى الأمر شن الحرب.
وغني عن البيان هنا أن استراتيجية الولايات المتحدة المعلنة والمعروفة للقاصي والداني لها خطوط حمر، ومنها: أمن الكيان الصهيوني -مصالحها في المنطقة «النفط»- القضاء على الإرهاب أي الصحوة الإسلامية والمد الإسلامي، والنتائج التي حققها الإخوان في الانتخابات تتصادم في التحليل الأخير مع مسألة المد الإسلامي ومع أمن الكيان الصهيوني. ومن المستحيل أن توافق على مجيء الإخوان للسلطة إلا بحل مشكلة أمن إسرائيل، وحل معضلة الحكم الإسلامي عندهم. والإخوان من جهتهم من المستحيل أن يعترفوا لإسرائيل بأمن ولا أن يتنازلوا قيد أنملة عن مشروعهم الإسلامي. تلك حقيقة.. في رأيي.
والحقيقة الأكثر رسوخًا هي أن «الإخوان» ببقائهم وسط الشعب كفصيل متجذر فيه وكدينامو فعال لحركته، لن تستطيع قوة أن تغيبهم ولن تنجح أي مخططات لضرب مشروعهم، ربما يستطيعون «العرقلة» أو التعويق، لكن التدافع سيتواصل وتبقى المسيرة طويلة إلى حد ما حتى تحسم الجولة لصالح الأمة وهويتها ومشروعها.