العنوان تأملات في مسألة النقد الذاتي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 91
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-يناير-1988
عرضت مجلة
المجتمع هذا العدد (819) سلسلة مقالات ومقابلات تعالج واقع الدعوة الإسلامية
وهمومها وآمالها وآلامها، حاولت فيها وضع النقاط على الحروف في كثير من المسائل
التي تشغل الشباب المسلم، والدعاة إلى الله تبارك وتعالى، ومحاولة مني في الإسهام
في هذا الموضوع كتبت هذه المقالة.
أهمية النقد
الذاتي:
إن الحديث عن
أهمية النقد الذاتي قد يبدو مكرورًا أو معادًا، لكن الذكرى تنفع المؤمنين.. إذ كل
عمل لا يتوقف صاحبه بين فترة وأخرى يعيد فيها النظر بما قدمه فيه، ويبحث عن نقاط
الضعف فيه كي يتلافاها ونقاط القوة فيه كي ينميها ويزيدها، كل عمل من هذا القبيل
فإن مصيره بلا شك التعثر والإخفاق. وبقدر نضج عملية المراجعة والنقد الذاتي، بقدر
ما تتقدم الدعوة وتفتح آفاقًا جديدة، وتنتقل من توفيق إلى توفيق.
النقد بين الجهر
والإسرار:
كثير من الناس
يتبرمون من النقد الذاتي ويقولون إن في هذا تشهيرًا وتجريحًا، كما أنه كشف مطاعن
الدعوة أمام أعدائها، ويستشهدون لذلك بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال العلماء
وأشعار الحكماء.. وهم في ذلك لا يفرقون بين حال وحال، ولا وضع عن وضع.. كما
يتجاهلون نصوصًا أخرى مهمة في ذات الموضوع... وليس ذلك من سبيل المؤمنين، إذ سبيل
المؤمنين إنما هو الجمع بين النصوص، لا الأخذ ببعضها وإهمال البعض، ولا ضرب بعضها
ببعض.
ولعل الحق في
هذه المسألة -والله أعلم- أن الرجل الصالح المعروف بصلاحه إذا ارتكب ذنبًا له طابع
شخصي، فعله دون علم الناس، وإنما اطلع عليه بعض إخوانه بغير قصد، فالمطلوب في حقهم
الستر عليه، ومساورته بالنصيحة. أما من يرتكب خطأ ذا طابع شمولي يصيب أكثر من فرد،
ومن يرتكب خطأ على رؤوس الأشهاد، فإنه ينبه لخطئه علنًا وعلى رؤوس الأشهاد كيلا
يقع من يراه في نفس الخطأ، إحسانًا للظن به.
وفي ذلك نصوص
واضحة ظاهرة في الكتاب والسنة نكتفي منها بمثال واحد واضح، ففي غزوة أحد هُزم
المسلمون بسبب تفريطهم وعادوا وأجسادهم ونفوسهم تنزف من جراء هذا الجرح.. ومع ذلك
لم يجاملهم الشارع، ولم يؤخر البلاغ لهم، ولم يقل إن في بيان خطئهم في هذا الوضع
النفسي الحرج سلاحًا يستخدمه الكافرون بل واجههم بالحقيقة، وعلمهم ضرورة المراجعة
والمحاسبة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا
قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ﴾ (آل عمران:165).
﴿حَتَّىٰ إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم
مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ
الْآخِرَةَ ۚ﴾ (آل عمران:152).
بهذا الوضوح،
وبهذه الصراحة، وبلا مجاملة ولا تزويق يتنزل قرآن يتلى إلى يوم القيامة يقول
للمؤمنين في ثاني مواجهة جادة لهم مع الكفر، راجعوا أنفسكم، عودوا إلى مواقفكم....
بكل وضوح... لقد زللتم وعلى رؤوس الأشهاد.
ترى.. أي خسارة
كنا سنخسرها لولا هذا البيان الحاسم، نحن المؤمنين الذين لم نشهد الواقعة ولم ندر
عنها...؟!
ماذا لو أن النص
القرآني قال للمؤمنين إنها محنة مجرد محنة يبتليكم الله بها، وإلا فأنتم على خير
حال..؟! ماذا لو قال النص هذا الذي يقوله اليوم بكل أسف كثير من الإسلاميين عندما
يحل بهم أي فشل أو تواجههم أي عقبات؟! إنهم يفترضون سلفًا أن الدعوة على خير ما
يرام، لكن الله شاء... هكذا وبلا سبب «!!» أن يبتلي المسلمين والدعاة...!! ويزيدون
فيزعمون أن على الدعاة بذل الأسباب وأن الله تعالى قد يوفقهم وقد لا يوفقهم بلا
سنة، متجاهلين الكثرة الكاثرة من النصوص التي تعد بالنصر شريطة قيام أسبابه:
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
(غافر:51) وينسون أن واجب المسلم إذا أصابته مصيبة أو ابتُلي ببلاء أن يفترض فورًا
أن ذلك إنما هو بكسب يده، وبتقصير منه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30) ثم يتوب بعد ذلك من ذنبه
ويراجع نفسه.
لذلك كله فإن
النقد الذاتي ضرورة لازمة لضمان سلامة الطريق ولتجنب محن وآلام كثيرة، كما أن
إعلان النقد الذاتي وطرحه بين الناس ليس خطرًا على الدعوة، فإن الأعداء يملكون
الكثير من الوثائق والحقائق عن الدعوة وحجب النقد الذاتي عن التداول المعلن، إنما
هو حرمان ظاهر لأبناء الدعوة من إثراء الحوار فيه، وتجريد لهم من سلاح المراجعة،
وإلا فإن غيرهم يكتبون المقالات اليومية، ويؤلفون الكتب، ويلقون المحاضرات ويعقدون
الندوات في نقد الحركة الإسلامية بالحق أو بالباطل... وكثير منه للباطل أقرب.. فما
لم يسهم أبناء الحركة في المراجعة فهم الخاسرون مرتين:
مرة حين تركوا
الساحة للأعداء أو الطفيليين والمرتزقة أو للمخططين البسطاء الذين لا يطلعون إلا
على ظاهر الصورة. وذلك ولا ريب يقدم صورة شائهة منفرة عن الدعوة - عمدًا أو عن غير
قصد.
ومرة أخرى عندما
حرموا أنفسهم ومن معهم بركات المراجعة والتصويب واستماع وجهات النظر المختلفة
وإثراء الحوار حول هذا الموضوع المهم جدًا.
وأخيرًا...
فإن الموضوع ذو
شجون، وأوله يغري بالسير لآخره، ولا تزال في النفس عنه كلمات... وكلمات... وإنما
أتقدم هنا بهذه المقالة القصيرة آملًا في التوسع فيها إن وجدت منكم ومن جمهور
القراء المزيد من التشجيع والرغبة في الزيادة.. وإنني لعلى يقين أن في ذلك الخير
للدعوة الإسلامية ولجماهير الدعاة.. الخير كل الخير.
وجزاكم الله
خيرًا...
أخوكم: عبد
العزيز التميمي