; تابع ملف العدد: المجتمع (1184) | مجلة المجتمع

العنوان تابع ملف العدد: المجتمع (1184)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996

مشاهدات 80

نشر في العدد 1184

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-يناير-1996

في الأردن... تعاطف سياسي وغضب شعبي على اغتيال عياش

أصابت الشارع الأردني حالة من الذهول في أعقاب الإعلان عن اغتيال المهندس يحيى عياش بطل مجموعات الاستشهاديين في كتائب عز الدين القسام، وسادت حالة من الحزن والشعور بالألم والمرارة في الأوساط الشعبية التي رأت في استشهاد المهندس خسارة كبيرة، وقد أظهر التعاطف الواسع مع الشهيد عياش أنه لم يعد حكرًا على حركة حماس أو الشعب الفلسطيني، بل تكرس كأسطورة ورمز وبطل وطني وقومي.

 مظاهر الحزن على استشهاد عياش كانت واضحة على وجوه المواطنين الذين تابعوا باهتمام كبير عبر وسائل الإعلام تفاصيل عملية اغتياله، وأمت جموع غفيرة بيت العزاء الذي أقامته عائلة الشهيد في مدينة الزرقاء حيث يتواجد عدد كبير من عائلته في الأردن، كما أقامت الحركة الإسلامية مهرجانًا حاشدًا لتأبين الشهيد.

 وتتوافد أعداد كبيرة من الشخصيات السياسية على بيت العزاء الذي أقامه ممثل حركة حماس في عمَّان من بينهم وزراء سابقون، ونواب وقادة أحزاب وتنظيمات من توجهات مختلفة، كما حفلت الصحف الأردنية بعشرات الإعلانات لنعي الشهيد صادرة عن قُوى وأحزاب ونقابات.

 وقد أفردت الصحافة الأردنية مساحات واسعة من صفحاتها لتغطية تفاصيل عملية الاغتيال التي احتلت صدر صفحاتها الأولى ويذكر أن الصحافة الأردنية كانت تتابع باهتمام بالغ أخبار المهندس عياش قبل استشهاده، ومنذ عدة شهور، أما صحيفة «السبيل»، الأردنية فقد نشرت في عددها الصادر عقب عملية الاغتيال وعلى صفحاتها الأولى صورًا كبيرة من جنازة تشييع الشهيد، إضافة إلى صورته وهو مُسَجًّى في كفنه، وكان عنوانها الرئيسي «فلسطين تنتخب عياش»، في إشارة إلى حمى الانتخابات لمجلس الحكم الذاتي المقرر إجراؤها بعد أيام.

 وأصدرت جماعة الإخوان المسلمون في الأردن بيانًا نعت فيه إلى الأمة الشهيد عياش الذي قالت إنه قضى شهيدًا على يد الغدر الصهيوني و«بتواطؤ من الذين استباحوا حرمات الأمة ومقدساتها وحقوقها باتفاقيات الذل والعار»، مؤكدة أن الجهاد والاستشهاد سيبقى طريق التحرير والعزة وأن المعتدين لن ينعموا بالبقاء، وحذر البيان من أن اغتيال الشرفاء والمجاهدين وإفساد الأخلاق والهيمنة على مقدرات الأمة ونهب ثرواتها، واختراق سيادتها ستكون إستراتيجية ثابتة للعدو الصهيوني في المنطقة بعد أن استباحها باتفاقيات الذل والاستسلام.

 وعبَّر نواب حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن عن سخطهم واستنكارهم لاغتيال عياش الذين قالوا إنه ذهب ضحية للإرهاب اليهودي الرسمي والتفريط من أجهزة سلطة الحكم الذاتي أو تواطئها، وطالبوا الحكومة الأردنية بعدم التوقيع على أية اتفاقية مع العدو الإرهابي، كما طالبوا الحكومة السورية بالانسحاب من المفاوضات التي تشكل اعترافًا بدولة الاغتصاب وتعطي مظلة للكيان الصهيوني لممارسة المزيد من الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني كما أدانوا تقصير الأجهزة التابعة لسلطة الحكم الذاتي وتركوا  للشعب الفلسطيني تحديد موقفه من الصهاينة المجرمين ومن سلطة الحكم  الذاتي العاجزة أو المتواطئة، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني المجاهد الذي ما بخل  يومًا بالشهداء سينتقم  سريعًا من القتلة المجرمين انتقامًا يشفي صدور قوم مؤمنين.

 وفي تعقيب له على استشهاد المهندس يحيى عياش حمل الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» إبراهيم غوشة السلطات "الإسرائيلية" ممثلة بجهاز الشاباك "الإسرائيلي" مسؤولية جريمة اغتيال عياش، ولكنه أضاف أن حركة حماس تعتبر السلطة الفلسطينية مسؤولة في نفس الوقت لأن الجريمة وقعت في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وأشار إلى وجود تواطؤ بين المشبوه الرئيسي بعملية الاغتيال وبين أحد رؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وأكد غوشة أن حركة حماس إذ تفقد شهيدها الغالي أمير المجاهدين الاستشهاديين لتؤكد أنها ستبقى ملتزمة بطريق الجهاد ومقاومة الاحتلال حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني مهما عظمت التحديات والتضحيات واستنكرت القيادة الموحدة لحزبي الشعب الديمقراطي الأردني «حشد» والوحدة الشعبية «وحدة» اغتيال عياش الذي وصفته بالعمل الجبان، والذي راح ضحيته واحد من أبرز قادة الثورة في فلسطين في حقبة الانتفاضة... قائد ألهب النار تحت أقدام المحتلين، وحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق، عبر تخطيط مميز ونوعي للعمليات الاستشهادية وأكدت أن الشعب الفلسطيني لن يترك دماء الشهداء تذهب هدرًا.

 ووصف عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبد الرحيم ملوح استشهاد عياش بأنه خسارة وطنية للشعب الفلسطيني، والمقاومين من أجل حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله، وأضاف أن اغتيال عياش في مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية يؤكد هشاشة الوضع الأمني.

 أما عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تيسير خالد، فقال إن جريمة اغتيال عياش تضاف إلى مسلسل الجرائم التي تنفذها "إسرائيل"، ضد المواطنين الفلسطينيين. وأضاف أن عياش ليس شهیدَ حركة حماس فحسب، بل شهيد كل الحركة الوطنية والإسلامية في فلسطين.

 عاطف الجولاني – عمان

محللون صهاينة: تلاميذ المهندس لا يقلون كفاءة عن معلمهم

عقَّب الصحفي "الإسرائيلي" آمنون إبراموفتش -المتخصص في شؤون أجهزة الأمن والمخابرات "الإسرائيلية"- على عملية اغتيال المهندس عياش قائلًا: إنها تحتاج إلى درجة عالية جدًّا من التقنية.

 وأوضح إبراموفتش الذي كان يتحدث للتليفزيون "الإسرائيلي" العبري «القناة الأولى» مساء السبت 6/1/1996م، أن تفجير جهاز الهاتف الخلوي «البيلفون»، الذي تشير المعلومات إلى أن عملية الاغتيال تمت بواسطة مثل هذا الجهاز «تحتاج إلى تشخيص صوتي للمهندس عياش».

 وأضافت أنه يعتقد أن الأمر بتصفية عياش صدر من قبل رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين وتم تجديده من قِبَلِ رئيس الوزراء الحالي شيمون بيريز بعد مصادقة المستوى التنفيذي «أجهزة الاستخبارات والهيئة الأمنية العليا».

 كذلك أكد المعلق العسكري المعروف زئيف شيف في تعليق نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية الصادرة يوم 9/1/1996م، أن الأمر ببذل كل جهد مستطاع من أجل تصفية يحيى عياش صدر عن رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين وأن هذه العملية أضحت منذ ذلك الحين هدفُا مركزيًّا لجهاز المخابرات العامة، «الشاباك».

وأضاف المعلق أن هذا التوجيه تم تبنيه أيضًا على يد خليفة رابين رئيس الوزراء ووزير

 الدفاع الحالي شيمون بيريز الذي لم يصدر عنه حتى الآن أي تعقيب مباشر على عملية الاغتيال...

وأشار إلى أن رئيس جهاز المخابرات الذي يرمز لاسمه بالحرف «ك» ظل يؤكد منذ توليه لمنصبه أن عدم نجاح جهاز في وضع اليد على «المهندس» يعتبر فشلًا مستمرًا منذ ثلاث سنوات.

 وكتب المحال في الشؤون الأمنية روني شكيد تعليقًا في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، العبرية الصادرة يوم 9/1/1996م قال فيه: «إن تلامذة المهندس يحيى عياش لا يقلون كفاءة عنه».

 وأشار إلى أن تلاميذ عديدة للمهندس لازالوا يتواجدون في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، معتبرًا أن هؤلاء قادرون على زرع القتل والرعب في "إسرائيل".

 وأوضح شكيد، أن يحيى عياش لم يكرس جهوده فقط في صنع السيارات المفخخة والقنابل البشرية الحية وإنما عمل على تنشئة وتربية جيل من مكملي دربه الذين سبق أن برهنوا في العمليات الانتحارية التي وقعت في رمات أشكول في القدس وفي رمات عام قرب تل أبيب أنهم «لا يقلون كفاءة عن معلمهم».

 وأشار المعلق الصهيوني إلى أن خلايا تابعة للذراع العسكري لحركة «حماس». -كتائب عز الدين القسام- لا زالت تنشط وتتواجد في قطاع غزة، وحذر شكيد من أن تصفية المهندس عياش تهدد بوضع حد للهدنة المؤقتة التي أعلنتها فصائل المقاومة الإسلامية المعارضة لعملية السلام في حربها المسلحة ضد "إسرائيل"، وأضاف أنه «كان لدى هذه الفصائل حتى يوم الجمعة الماضي أسباب عديدة تدعوها لتجميد عملياتها العسكرية إلى حين انتهاء الانتخابات لمجلس السلطة الفلسطينية، أو إلى ما بعد جلاء "إسرائيل" عن مدينة الخليل».

 «أما الآن -تابع شكيد يقول- فقد تغيرت قواعد اللعبة، فالمهندس كان يمثل بالنسبة لـ «حماس»، رمزًا للكفاح العسكري ضد "إسرائيل".

 وتصفيته تشكل أيضًا نهاية أسطورة ولذلك فقد تعهد رفاقه وتلاميذه بالانتقام ولا بد من أخذ هذه التهديدات على محمل الجد».

وقال غدعون عزرا نائب رئيس جهاز المخابرات الأسبق إن "إسرائيل" وأجهزتها الأمنية فتشت عن المهندس عياش وطاردته زمنًا طويلًا، وأضاف لقد وظفنا جهودًا طائلة وعددًا لا يُعد ولا يحصَى من أيام عمل خيرة شبابنا ولم ننجح في الوصول إليه.

 وأشار عزرا الذي تخصص في ملف عياش إلى أن احتراف المهندس وقدراته تجلت في خبرته وقدرته على إعداد عبوات ناسفة من لا شيء.

 وقال عزرا إن هذا الأمر «يعتبر نقطة في غاية الأهمية، ذلك لأن هناك الآن مخاوف من قيام أعضاء «حماس» والجهاد ينقل مواد متفجرة دون رقابة، ولا بد أن نتذكر أن المواد المتفجرة المعدة في  البيت تعتبر أكثر خطورة».

«الإخوان المسلمون» ينعون عياش

 أصدرت جماعة «الإخوان المسلمون»، بيانًا يوم الأربعاء الماضي ۱۹ شعبان ١٤١٦هـ الموافق ١٠/١/١٩٩٦م نعت الشهيد يحيى عياش، وقال البيان الذي وقعه المرشد العام السيد محمد حامد أبو النصر:

 إن «الإخوان المسلمون» بكل خشوع لقضاء الله وقدره ينعون الأخ الفاضل يحيى عياش شهيد عقيدة الإسلام والجهاد تحت راية القرآن والدفاع عن أرض فلسطين المقدسة ضد مغتصبيها من جحافل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الغاشم...

 استشهد -تقبله الله مع النبيين والصالحين- مجاهدًا لم يتطرق إليه وهن ولم يتسلل إلى نفسه ضعف أو استكانة وصدق فيه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:146) عزاؤنا أنه ليس أول قافلة الشهداء ولا آخرهم وأن إخوانه من المجاهدين الصابرين المحتسبين سائرون على ذات الدرب ملتزمون بذات الطريق المستقيم حتى يأذن الله بنصره ولو بعد حين.

 فإلى إخوان حماس بفلسطين وإلى جميع الإخوة المجاهدين في العالم نقدم عزاءنا الممزوج بيقين التصميم على مسيرة الجهاد والكفاح...

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40)

وإنا لله وإنا إليه راجعون 

يوميات الرجل الظاهرة الذي تحول إلى أسطورة

لم يبدِ الإعلام الصهيوني اهتمامًا بظاهرة كتلك التي مثلها المطارد الفلسطيني المهندس يحيى عياش الذي تتهمه تلك السلطات بالمسؤولية عن العمليات التي قامت بها حركة «حماس» ضد "إسرائيل".

ويحيى عياش كان محور دراسة شاملة أجرتها أسبوع «بروشلايم» العبرية، استعرضت الوجه الآخر للمهندس عياش الذي تتهمه السلطات "الإسرائيلية" بأنه يقف وراء غالبية الهجمات الانتحارية التي نفذها شبان فلسطينيون ضد أهداف عسكرية "إسرائيلية"، وفيما يلي نص التقرير الذي احتوى على رؤية "إسرائيلية" لظاهرة أرَّقت أجهزة الأمن والاستخبارات "الإسرائيلية" على مدى الأعوام الأربعة الماضية:

وسط ظلمة حالكة لفَّت الأجواء لم يُسمع سوى دوي محرك سيارة الجيب العسكرية

 "الإسرائيلية" التي كانت تقوم بأعمال الدورية على امتداد خط الحدود مع مصر، انقضى وقت طويل وسيارة الجيب تجوب الحدود جيئة وذهابًا إلى أن أُطبِقت أضواؤها فجأة وهي تلقي حزمة قوية من الضوء على جدار الحدود على شبح إنسان يرتدي عباءة ويحاول أن ينسل بحذر للجانب المصري، فتحت الدورية على الفور نيرانها وشرعت تغذ السير وراء المجهول، لكنه نجح في الإفلات سالمًا ليتوارى في الظلمة داخل الأراضي المصرية.

في اليوم التالي خط مقنعون شعارات على جدار منازل حي الشيخ رضوان في غزة تبشر بأن «المجاهد الكبير يحيى عياش نجح في الفرار إلى مصر»، لقد أرادت حركتا حماس والجهاد الإسلامي عن طريق هذه الشعارات تهنئة عبقري حماس على نجاحه في الإفلات من قبضة الموساد والشاباك وبقية أجهزة الأمن "الإسرائيلية".

وفي الأسابيع الأخيرة التي تلت فرار الرجل المجهول في ٢٦ مايو «أيار» 1995م وما قبل ذلك انشغل الكثيرون في التكهن ما إذا كان يحيى عياش «المهندس» البالغ 3١ عامًا، أهم وأبرز المطلوبين في المناطق الفلسطينية والمسؤول عن مقتل نحو ٧٠ "إسرائيليًّا" في أخطر الهجمات قد أفلح بالفعل بالهرب من البلاد... 

لقد تواردت إفادات ومعلومات متضاربة بشأنه لفترة طويلة من الوقت مرة قالوا إنه هرب ومرة أخرى قالوا إنه قتل في حادث عمل، تسبب بالانفجار الذي وقع داخل بيت في حي الشيخ رضوان والذي قتل فيه مساعده الأيمن کمال كحيل، ومرة ثالثة عادوا وقالوا إنه يختبئ في الضفة الغربية.

 غير أن تحريًا شاملًا أجرته أسبوعية «بروشلايم»، العبرية التي تصدر في القدس، والذي يستند إلى أحاديث مع عدد من قادة حماس، في خلية عز الدين القسام التي ينتمي إليها المهندس إضافة إلى أحاديث مع مقربين منه وأبناء عائلته توصل إلى تقرير مفاده أن يحيى عياش

ما زال يتوارى تحت أسماء وهمية في غزة.

 ويقول معد التقرير «الصحفي خالد أبو طعمة»، إنه حصل على تأكيد لتقريره هذا حول وجود عياش في القطاع من خلال موافقة «عياش» نفسه والتي قال أبو طعمة إنه تلقاها عن طريق أفراد اتصال من حركة «حماس» على إجراء مقابلة معه...

 وحسب الاتفاق كان من المقرر أن يحصل عياش على قائمة أسئلة والرد عليها بخط يده مع إرفاق صورته بها أيضًا ولكن في منتصف الأسبوع الأول من شهر ماير «آيار» الماضي أفاد مقربون منه أنه تراجع عن موافقته على إجراء المقابلة قائلًا: «إنه لم يحن بعد الوقت الملائم لذلك».

 ومع ذلك ربما أراد رفاقه من وراء ذلك خلق انطباع بأنه يتواجد في القطاع بغية استفزازات قوات الأمن الإسرائيلية، ورغم ذلك ما زال عدد من كبار قادة حماس يدعون أن عياش هرب إلى مصر، وبالطبع فإن لديهم سببًا وجيهًا لترويج الإشاعات حول هربه الوهمي يتمثل في تجنب مواجهة بين «حماس» والسلطة الفلسطينية...

إن وجود عياش في القطاع، هكذا يقرءون في «حماس» ربما يؤدي إلى إحراج عرفات والتسبب بأزمة جديدة مع "إسرائيل"، إلى ذلك فإن «حماس» ترغب أيضًا بتضليل المخابرات "الإسرائيلية" التي تطارد عياش منذ وقت طويل. وعلى سبيل المثال فقد اتضح أن الشخص المجهول الذي نجح بالفرار في بداية مايو أيار، ١٩٩٥م إلى مصر والذي قيل في الشعارات إنه عياش، هو أحد سكان رفح، ومطلوب للسلطة الفلسطينية بتهمة ارتكاب مخالفات جنائية. 

«يحيى عياش عبقري. نجح في تدويخ جهاز المخابرات "الإسرائيلي"» قال هذا أحد قادة كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة «حماس» في غزة، وفي نظر "الإسرائيليين" يعتبر

 عياش مخربًا خطيرًا، وشبحًا مفزعًا بشكل خاص يرسل آخرين لقتل أبرياء. إحدى الهجمات التي خطط لها في خط باص رقم 5 في تل أبيب أوقعت ضحايا في الأرواح بما يفوق ما فعله أي مخرب آخر، ولكن في المناطق الفلسطينية ينظرون لعياش باعتباره بطلًا قوميًّا، وشخصية أسطورية، وهو أمر يثير بالطبع غيظ وحفيظة الجانب "الإسرائيلي".

 في المناطق الفلسطينية يشبهونه بصلاح الدين الأيوبي، وبالشيخ عز الدين القسام، وبأبي جهاد، وأحيانًا يقولون عنه إنه «أبو جلدة» المعاصر، ذلك الرجل الذي نجح في الإفلات لفترة عشر سنوات من أيدي البريطانيين في عهد الانتداب وكلما طالت مسيرة إفلاته ازداد الإعجاب بشخصيته في نظر الفلسطينيين، فيكبر في نظرهم ليغدو شخصية أسطورية كما تعطي التقاليد الشعبية الشرقية.

 حركة «حماس» تعتبره صلاح الدين الفلسطيني، كما يقول فرح أبو الهيجا من كبار قادة «حماس» في القطاع، وبالإضافة إلى لقبه «المهندس»، هناك من يطلق عليه أيضًا لقب «العبقري».

 ويقولون إنه يتنكر بهيئة متدين يهودي، وأنه يتجول في الليل يرتدي ملابس متزمت يهودي، وأحيانًا كمستوطن مسلح ببندقية «جليل»، ويعتمر على رأسه قبعة متدينين، يهود، ويقود سيارة مسروقة ذات لوحات تسجيل "إسرائيلية". عليها ملصقات كالتي يضعها أنصار اليمين في "إسرائيل"، مثل «الشعب مع الجولان والخليل... منذ الأبد» و«استعدوا لقيامة المسيح». لقد تبنَّى عياش لنفسه عددًا من أساليب عمل «المستعربين»، وحسب قول أفراد «حماس» فإن بوسع «المستعربين أن يتعلموا منه».

 عياش... كما يتضح يبدل يوميًا، وإذا ما اقتضت الضرورة عدة مرات في اليوم الواحد هيأته

التنكرية، ويبدل هويته وهو لا ينام أكثر من ليلة واحدة في نفس المكان، وللأسف فإن التضليل الذي يمارسه على جهاز «الشاباك» محكم للغاية.

 هو في الصباح متدين يهودي متزمت وفي المساء رجل دين مسلم، ففي جنازة كمال كحيل على سبيل المثال شارك وهو يرتدي «جلابية» ويتنكر على هيئة رجل دين مع لحية طويلة ونظارة، وباستثناء أبو سليمان -أحد أعضاء خليته في «عز الدين القسام»... وعضو آخر في الخلية، فإن أحدًا من بين آلاف المشاركين في الجنازة لم يعلم أن الرجل المطلوب يختفي وراء هذه الهيئة التنكرية، وفي نفس الجنازة حمل مئات الشبان صورًا مرسومة لعياش، وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية عجيبة فإنه تنسب لعياش ليس فقط هويات مختلفة، وإنما  أيضًا حضور في كل مكان من أرض فلسطين الكاملة وخارجها.

سعيد أبو طه -عضو في خلية المهندس- ومن ناشطي «حماس» في خان يونس شاهد «المهندس» قبل نحو شهر، وحسب قوله فإن عياش اعتاد على استبدال الأماكن التي يأوي إليها نحو عشر مرات يوميًّا، كما أنه لا يكثر من الحديث ولا ينفعل إزاء الاهتمام المكرس له في الصحف المحلية والعالمية. 

في إحدى الأحاديث التي أجريتها معه قال إنه يعرف أنه سيأتي يومه... ذلك لأن الله هو الذي يقضي متى تصل حياة الإنسان إلى نهايتها، وقال إنه يأمل أن يترك بعد موته ألف مهندس وألف عياش.

 أبو سلیمان عضو خليته أيضًا. كان ملازمًا لعياش فترة طويلة قابلته مرة واحدة قبل الانفجار في حي الشيخ رضوان، ومرة ثانية أثناء قيامي بالتحقيق في الحادث، كان هادئًا بصورة مدهشة على الرغم من علامات أسف على وجهه لوفاة كمال كحيل. 

لقد قال لي: «إن الحرب ضد "إسرائيل" يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين»، ويقول فرح أبو الهيجا: «إن نجاح عياش في الوصول إلى قطاع غزة يعتبر في حد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني».                  

قدس برس فلسطين المحتلة

 الهجمات الاستشهادية التي قادها عياش ضد العدو الصهيوني المحتل

 فيما يلي إحصائية بالهجمات الاستشهادية التي يعترف الصهاينة بأن المهندس يحيى عياش هو المسؤول الأول عن التخطيط لها والإشراف على تنفيذها:

  • 6 أبريل «نيسان» ١٩٩٤ م:

 أحد مقاتلي مجموعات عز الدين القسام رائد زكارنة يفجر سيارة مفخخة قرب حافلة ركاب "إسرائيلية" في مدينة العفولة، مما أدى إلى مقتل ٨ "إسرائيليين" وجرح ما لا يقل عن ٢٠ آخرين، وقالت «حماس، إن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في الخليل.

  • 13 أبريل «نيسان» ١٩٩٤م:

 مقاتل من مقاتلي حركة حماس، هي عمار عمارنة يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة "إسرائيلية" في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر. مما أدى إلى مقتل، "إسرائيليين" وجرح العشرات.

  • ۱۹ أكتوبر «تشرين أول» ١٩٩٤م:

 صالح نزال وهو مقاتل في خلايا عز الدين القسام يفجر نفسه داخل حافلة ركاب "إسرائيلية" في شارع «ديزنكوف» في مدينة تل أبيب. مما أدى إلى قتل ۲۲ "إسرائيليًّا"، وجرح ما لا يقل عن ٤٠ آخرين.

  • ٢٥ ديسمبر «كانون أول» ١٩٩٤م:

 أسامة راضي، وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام يفجر نفسه قرب حافلة تُقل جنودًا في سلاح الجو "الإسرائيلي" في القدس، ويجرح ۱۳ جنديًّا على الأقل.

  • ٢٢ يناير «كانون ثان» ١٩٩٥م: 

مقاتلان فلسطينيان يفجران نفسيهما في محطة للجنود "الإسرائيليين" في منطقة «بيت ليد»، قرب نتانيا، مما أدى إلى مقتل ٢٣ جنديًّا "إسرائيليًّا"، وجرح ٤٠ آخرين في هجوم وصف بأنه الأعنف من نوعه.

  • 9 أبريل «نيسان» ١٩٩٥م:

 حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» تنفذان هجومين انتحاريين ضد مستوطنين يهود في قطاع غزة، مما أدى إلى مقتل 7 "إسرائيليين" وقالت الحركتان إن الهجمات نفذت انتقامًا لتفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة مما أدى إلى مقتل نحو خمسة فلسطينيين بينهم اثنان من كبار نشطاء مجموعات «القسام»...

  • 25يونيو «حزيران» ١٩٩٥م:

 معاوية روكة، وهو مقاتل انتحاري في مجموعات القسام يفجر نفسه مستخدمًا عربة حمار كان يقودها في قطاع غزة ضد دورية "إسرائيلية"، لم تسفر عن وقوع ضحايا.

  • 24 يوليو «تموز» ١٩٩٥م:

 مقاوم انتحاري من مجموعات القسام التابعة لحركة «حماس» يفجر نفسه داخل حافلة ركاب "إسرائيلية" في «رمات غان» بالقرب من تل أبيب، مما أدى إلى مصرع ٦ "إسرائيليين" وجرح 33 آخرين.

  • 21 أغسطس «آب» ١٩٩٥م:

 هجوم انتحاري استهدف حافلة "إسرائيلية" للركاب في مدينة القدس أسفر عن مقتل خمسة "إسرائيليين"

اغتيال عياش..

 يوجه ضربة شديدة للانتخابات الفلسطينية

 منذ اللحظة الأولى لاغتيال المهندس يحيى عياش بدأت التساؤلات حول تأثير هذه الحادثة على العملية السلمية على المسار "الإسرائيلي" الفلسطيني، وبخاصة انتخابات مجلس الحكم الذاتي الفلسطيني المقرر إجراؤها في ٢٠ يناير «كانون ثان» الحالي، وكذلك تأثير عملية الاغتيال على قدرة حركة حماس العسكرية وردها المتوقع على تصفية أحد أكبر رموزها العسكرية التي اكتسبت شهرة غير مسبوقة تجاوزت حدود فلسطين.

 فعلى صعيد العملية السلمية تركت عملية تصفية عياش آثارًا وبصمات سلبية، فهي قد شككت في مصداقية التزام الجانب "الإسرائيلي" بالاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، حيث خرقت «إسرائيل» مجددا تلك الاتفاقات التي تنص على حصر المسؤولية الأمنية في مناطق الحكم الذاتي بالسلطة الفلسطينية، وقد أدى ذلك إلى إحراج السلطة الفلسطينية وتوجيه اللوم والاتهام إليها. 

كما أن إصرار الكيان الصهيوني على مواصلة إرهابها بحق الشعب الفلسطيني رغم الهدوء النِّسبي الذي شهدته الفترة السابقة وإعلان الكيان الصهيوني إغلاق الضفة الغربية والقطاع تحسبًا لتنفيذ عمليات انتقامية بما يحمله ذلك من تضييق وضغط على حياة الفلسطينيين، أوجد حالة من الإحباط يسمى بالعملية السلمية من جانب من يؤمنون به يضاف إلى ذلك المدلول السياسي للمشاركة الشعبية الواسعة في صفوف الفلسطينيين في التغيير عن تأييدهم وتعاطفهم مع المهندس يحيى عياش الذي كانت السلطات الصهيونية تعتبره عدوها الأول، فهذا التأييد والتعاطف يُعد تأييدًا للبرنامج والخيار الجهادي الذي يمثله عياش، وهو يُعد بحق استفتاء على تأييد الشعب الفلسطيني للخط الجهادي الذي تتبناه حركة حماس، وعاش له واستشهد من أجله عياش.

 وفي محاولة منها للتخفيف من تأثير حادثة الاغتيال على انتخابات مجلس الحكم الذاتي، ولمحاولة إقناع حركة حماس بعدم الرد بعمليات انتقامية أو تأجيلها على الأقل فقد سارعت السلطة الفلسطينية التي شعرت بقدر كبير من القلق والإحراج إلى إدانة عملية الاغتيال على لسان مسؤوليها...

 فقد أدان مستشار رئيس السلطة الفلسطينية بشدة عملية الاغتيال واعتبرها حدثًا مؤسفًا ومزعجًا، وأضاف: «لا يجوز أن تتم مثل هذه الأعمال على هذه الأرض الفلسطينية». وحمل الأطراف التي تقف وراءها المسؤولية كاملة. 

كما حذر مسؤول حقيبة الإعلام والثقافة في السلطة الفلسطينية ياسر عبد ربه من عواقب اغتيال عياش على عملية السلام التي قد تواجه تهديدًا حقيقيًّا نتيجة ذلك وأضاف أن قتل عياش يشكل انتهاكًا حقيقيًّا لسيادة السلطة الفلسطينية على أراضيها، وأنه يعتبر اعتداء على الشعب الفلسطيني بأكمله.

 كما سارع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات فور الإعلان عن عملية الاغتيال إلى زيارة الدكتور محمود الزهار -أحد قادة حماس في قطاع غزة- لتقديم العزاء، كما اعتبر عرفات عیاش شهيدًا للشعب الفلسطيني.

 وقد أدى اغتيال عياش إلى تعطيل الحملة الانتخابية لمعظم المرشحين خلال الأيام التي تلت عملية الاغتيال، واضطر المرشحون إلى تأجيل مهرجاناتهم الخطابية ونشاطاتهم الجماهيرية المحددة سلفًا، ويرى كثير من المحللين أن اغتيال عياش سيؤثر بشكل سلبي على إقبال الجماهير الفلسطينية على العملية  الانتخابية رغم محاولات السلطات "الإسرائيلية" التخفيف من حدة أجواء الغضب من خلال إعلانها الإفراج عن عدد من المعتقلين الفلسطينيين من بينهم معتقلون من حركة حماس، ويرى هؤلاء المحللون أن اختيار السلطات "الإسرائيلية" توقيت اغتيال عياش قبل أسبوعين فقط من موعد الانتخابات قد ألحق أضرارًا كبيرة بتلك الانتخابات، التي بذلت السلطة الفلسطينية جهودًا مضنية لحث المواطنين على المشاركة بفعالية فيها.

 وربما يكون من المبكر التكهن بطبيعة رد حركة حماس والقوى الفلسطينية المجاهدة للثأر لعياش، ولكن بيانات حماس ومصادرها تؤكد أنها لن تسكت على اغتيال واحد من أعظم رموزها.

 عاطف الجولاني. عمان

 الصحافة الأمريكية: اغتيال عياش نهاية لأطول وأكبر ملاحقة شهدتها "إسرائيل"

 احتلت صور المهندس يحيى عياش بكوفيته الحمراء الصفحة الأولى في غالبية الصحف الأمريكية التي تحدثت عن اغتياله بإسهاب، وذهبت العناوين إلى التساؤل «من قتل المهندس- العقل المدبر للعمليات الانتحارية؟»، «انفجار هاتف يؤدي بحياة مفجر السيارات».

 ونقلت جميع الصحف الأمريكية تقريبًا خبر اغتيال عياش وأفردت تقارير عن عياش الطفل الناشئ في قرية صغيرة شمال الضفة الغربية، الناشط الشاب في جامعة بيرزيت معقل المقاومة الوطنية الفلسطينية، والقائد العسكري المسئول عن صناعة المتفجر التي أودت بحياة عشرات "الإسرائيليين". 

وأفرد البرنامج التليفزيون الأمريكي ٤٠٠ دقيقة، تقريرًا إخباريًّا عن حياة عياش «الأسطورة» واغتياله، ووصف ملاحقة "الإسرائيليين" له بأنها «أطول وأكبر ملاحقة» شهدتها "إسرائيل"، وقال إن عياش «31 عامًا» «عاش بالقنبلة ومات بالقنبلة»، في إشارة إلى الطريقة التي قتل بها.

 وتنبأ البرنامج بأن ياسر عرفات سيواجه مشكلة عويصة باعتبار أن الاغتيال حدث داخل مناطق الحكم الذاتي، وحذرت صحيفة «شيكاغو تريبيون» من انتقام «مئات الفلسطينيين» لمقتل عياش، وقالت إن المتظاهرين في شوارع غزة والضفة الغربية كانوا يهتفون «حضروا أكفانكم». وكانوا يقصدون "الإسرائيليين".

 وأجمعت صحف «نيويورك تايمز»، و«هيرالد تريبيون» و«لوس أنجلوس تايمز» على أن عملية الاغتيال جاءت في وقت حرج بسبب اقتراب موعد الانتخابات الفلسطينية، وقالت «إن صيحات الانتقام من أفواه عشرات الآلاف من الغاضبين تبشر بحالة استنفار غير هادئة».

 وفي لندن توقعت صحيفة «الإندبندنت» أن تستعر مرة أخرى موجة العنف التي اجتاحت "إسرائيل" والأراضي العربية المحتلة خلال العامين الماضيين..

 قدس برس: واشنطن

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية