العنوان تاريخ الحركة الإسلامية في ساحة التعليم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
د. السيد عبد الستار يحلل دور الحركة الطلابية المصرية في دراسته التاريخية بعنوان:
• مرحلة السبعينيات هي مرحلة استعادة الهوية لشباب الجامعات واستعادة سيادة الطابع الإسلامي في المظهر العام والحركة السياسية
عن تاريخ الحركة الإسلامية في ساحة التعليم المصري أعد الدكتور السيد عبد الستار المليجي الأستاذ بكلية علوم جامعة قناة السويس واحد القيادات الطلابية الإسلامية البارزة في مرحلة السبعينيات دراسة علمية، وقد انتقينا من هذه الدراسة الشاملة عدة مقتطفات يقول فيها: في جامعة القاهرة والإسكندرية تشكلت مجموعة من الطلاب البارزين في الوسط الجامعي ليكونوا فيما بينهم فريقًا من الأبطال الذي عملوا لإعادة الهوية الإسلامية إلى الجامعات في ظل ظروف الاحتلال الإنجليزي الظالمة وطغيان الملك العاتي وحالة التغريب التي كانت تفرض نفسها على معظم الساحة الجامعية.
فالحركة الطلابية منذ عام ١٩٣٦م كانت في بداية تعاملها مع أبرز قضية وقتها وهي القضية الفلسطينية، وكان اهتمام الإخوان بها اهتمامًا يفوق اهتمام القوى السياسية الوطنية باعتبارها قضية الإخوان المسلمين؛ حيث إن الجماعة توليها اهتمامًا شديدًا، وكان المفتي أمين الحسيني «مفتي فلسطين» شديد الصلة بالإمام حسن البنا، وكان يعتبر الإخوان ركيزة أساسية في خدمة القضية.
وكان للجامعة العربية دور بارز لا سيما في تلك الفترة، وكان على رأسها عبد الرحمن عزام باشا، وهو رجل وطني مسلم خدم القضية بحق فكان الحسيني والبنا وعزام باشا يشكلون قوى تنسيق وتفاهم الخدمة القضية حيال الاحتلال الصهيوني ومحاولات طرد الفلسطينيين من وطنهم، وكانت الحرب دائرة لمقاومة التوجه الصهيوني واحتلاله للأرض بطرق مختلفة.
ومنذ سنة ١٩٣٦م إلى نهاية الفترة المذكورة لا سيما ١٩٤٨م بالذات كانت القضية الفلسطينية في عملية تصعيد مستمر تجمع حولها الشباب المسلم باعتبارها قضية المسلمين، وإنقاذ القدس مسئولية إسلامية ودينية، فهي القضية الأولى، وكان للإخوان السبق في هذه القضية، وكان اشتراك الإخوان في الجهاد أكبر من الأحزاب السياسية التقليدية.
القضية الثانية كانت قضية إجلاء المحتل عن مصر وشهدت خلالها ثورة ۱۹ وثورة عرابي وثارت ثورات ليست قليلة تؤكد أن البلد لا يقبل الاحتلال، وهو تاريخ يثبت الشخصية المصرية.. وتنامت خلالها حركة الإخوان وظهرت على الساحة بشيء جديد هو تربية شباب الجامعة وتدريبهم عسكريًّا لمواجهة اليهود في أرض فلسطين والاحتلال في مصر.
كان الشباب المتطوع المدرب ظاهرة جديدة، فلأول مرة يدرب الشباب ويحمل سلاحًا ويتطوع مجاهدًا لمواجهة العدو.
فالحركة الطلابية الإخوانية تعتبر الطلاب هم العصب الأساسي في قوة الحركة العامة، كان أكثر أعضاء الجماعة منهم، واجتذبت الحركة الشباب الجامعي وطلاب الثانوي كما اجتذبت العمال والطبقة الوسطى، كما اجتذبت عناصر من ذوي الجاه.
وعن أوضاع الحركة الطلابية الإسلامية في ظل التضييق والملاحقة يشير الدكتور السيد عبد الستار إلى أن الثورة المصرية بدأت بتصفية الأحزاب السياسية، ثم أطاحت بجماعة الإخوان المسلمين ومن على شاكلتها من التجمعات الإسلامية، ونكلت الحكومات العسكرية المتعاقبة في عهد عبد الناصر بالإسلاميين أشد التنكيل، وكان لذلك الأثر الأعظم في تحويل الحركة الإسلامية إلى العمل السري تجنبًا للإيذاء، وبالرغم من شدة المحاصرة وقسوة النظام لم يتخل الطلاب عن دورهم في الدعوة الإسلامية حتى كان عام ١٩٦٥م حيث أصدر عبد الناصر أمره المشهور من موسكو قلعة الشيوعية والإلحاد باعتقال كل من له نشاط ديني أو سبق اعتقاله لنشاط ديني، وسيق الناس إلى المعتقلات فرادى وجماعات، وذاقوا العذاب ألوانًا، ولكن الذي يهمنا الإشارة إليه في هذا المقام أن معظم المعتقلين في ذلك الوقت كانوا من الشباب، وكان جميعهم من طلبة الجامعات المختلفة، ويكفي أن نعلم أن دفعة كاملة من قسم الهندسة الكيماوية بجامعة القاهرة تم اعتقالهم باستثناء طالب واحد، حيث اعتقل ٢٦ طالبًا من بين ۲۷ هم عدد طلاب الدفعة، وقس على ذلك أو قريب منه كثيرًا من الكليات والأقسام.
ويؤكد أن هناك حقيقة تاريخية تبقى ثابتة وهي أن مصر لم تشهد في تاريخها المعاصر فترة خنقت فيها الحريات وكممت فيها الأفواه أكثر من هذه الفترة «٥٢- ۷۲»، وهي الفترة التي حكم فيها عبد الناصر بالحديد والنار من خلال منظمات الشباب والجواسيس الذين صنعهم على عينه فيما عرف بعد ذلك بالتنظيم الطليعي الذي أشرف على تشكيله بالجامعات وزير الداخلية في ذلك العهد شعراوي جمعة وبمساعدة عدد من قيادات النظام السابق في مجال الشباب، ومنهم من في السلطة الآن.
وقد كانت نكسة ١٩٦٧م وهزيمتنا أمام اليهود وما وقع للجيش هي المفجر الأساسي لمشاعر الكراهية تجاه النظام على الهزيمة المنكرة والتي مثلت هزيمة نفسية أقسى من الهزيمة العسكرية لقطاع الشباب الذي أحس أنه خدع لوقت طويل.
وحدثت عدة ثورات طلابية لا تعدو أن تكون ردود أفعال نفسية ولم تكن لها صبغة إسلامية واضحة مما جعلها عرضة لأن تكون مطية لاتجاهات عدة، ولكن الغالب عليها الشعور الوطني العام لدى قطاعات الطلاب المشاركة، بغض النظر عن توجهات القيادات ومصادر تحريكها.
الإرهاصات الأولى
وظلت حالة الركود الفكري والسياسي تخيم على الجامعات أعوام 69/ 70 و70 و71، ولكن العام الدراسي 72/ 73 شهد بعض الإرهاصات لنمو الحركة الإسلامية، وتمثل ذلك في:
1- صدور بعض الصحف التي تنادي بضرورة العودة للإسلام والاحتكام للقرآن مثل جريدة «آراء حرة» التي أصدرها الطالب وائل عثمان بهندسة القاهرة، وجريدة الإيمان التي كنت أصدرها بعلوم عين شمس.
2- ظهور ما يسمى «جماعة شباب الإسلام» بهندسة القاهرة ثم حصولها على موافقة الاتحاد العام للطلبة بأن يكون لها أفرع في الجامعات والكليات باعتبارها جناحًا من أجنحة الاتحاد.
وقد أشهرت الجمعية نفسها في مؤتمر ضخم بجامعة القاهرة حضره الشيخ محمد الغزالي، وكان يرأس هذه الجماعة الطالب عدلي مصطفى ويساعده الطالب عصام الغزالي ومن أعضائها الطالب وائل عثمان صاحب كتاب «أسرار الحركة الطلابية»، ولم قدم هذه الجماعة طويلًا لأنها فقدت الجذور التاريخية ولم تستند إلى حركة إسلامية أصيلة، ولكنها مع ذلك أدت دورًا جيدًا في هذه الآونة حتى جرفتها عوامل الانحراف إلى نهايتها المحتومة.
ويلفت الانتباه إلى أن فترة السبعينيات بمثابة فترة النمو الكبرى ومرحلة استعادة الهوية في الجامعات المصرية، فالجامعات المصرية التي بدأت تاريخها منذ عام ١٩١٤م بتأسيس كليتي الحقوق والآداب بجامعة القاهرة كان المقصود منها والمستهدف لها أمرين واضحين: الأول تقوم به كلية الحقوق.. وهو استبدال القوانين الإسلامية الشرعية بقوانين غربية وضعية، وعلى الأخص فرنسية، وبذلك ينهدم الركن الأساسي للدولة الإسلامية أو العمود الفقري للمجتمع الإسلامي، وهو القانون الذي يتحاكم الناس إليه، والأمر الثاني تقوم به كلية الآداب، ويكمن في تغيير الهوية الثقافية العامة والتي ترتبط بالإسلام عامة، وخاصة من ناحية اللغة والآداب والتاريخ المجيد الذي يعتز به الإنسان، بصفته تاريخ الإنسانية الحقيقي، وكان المقصود من كلية الآداب أيضًا أن تحل اللغات الأجنبية محل اللغة العربية.. لغة القرآن، وخاصة في البيئات الثقافية وأوساط المثقفين، كما أرادوا أن يسود التاريخ الأوربي، وقد رفعوا من شأنه فادعوا أنها «مرحلة التنوير»، وصوروا الغاصبين كالفرنسيين مثلًا بأنهم جلبوا إلينا العلم والثقافة، ودرسوا للناس ما يسمى بفوائد الحملة الفرنسية ومزاياها.. وقد مارست كلية الآداب دورها في عملية تغيير الهوية وطمسها في المظهر العام فأشاعت السفور والاختلاط بين الجنسين بصورة لم يكن يعرفها المجتمع من قبل، وقد تحقق الهدفان المستهدفان من إنشاء الجامعة بالفعل بعد إنشاء كليتي الحقوق والآداب، ثم تم إنشاء بقية الكليات كالطب والهندسة والعلوم في وقت لاحق.
فإذا قلنا عن مرحلة السبعينيات أنها مرحلة استعادة الهوية، إنما نقصد استعادة الهوية الإسلامية لشباب الجامعات، واستعادة سيادة الطابع الإسلامي في المظهر العام والحركة السياسية وسيادة اللغة العربية والألفاظ الإسلامية، وأضحى الإسلام بالجملة هو موضوع الجامعة ومحور المناقشات العامة والخاصة؛ ففي مرحلة السبعينيات سادت الجماعات الإسلامية وعلا صوت الدعوة إلى الله، وامتلأت الجامعات بالمساجد في ساحة الجامعة ومدن الطلاب، واحتشد الطلاب والأساتذة صفوفًا بين يدي الله خاشعين ضارعين.. وتداول الوسط الجامعي ألفاظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى والحجاب والنقاب، كما انتشرت الكتب الإسلامية ومعارض الكتاب الإسلامي والمحاضرات الإسلامية، وصارت الجامعة معبرًا حقيقيًّا عن أحاسيس الأمة الإسلامية ومنبرًا عامًّا تعبر فيه الأمة الإسلامية عن أحاسيسها ووجهة نظرها تجاه القضايا العامة، ومما لا شك فيه أن ذلك لم يكن مخططًا له من قبل الذين أسسوا الجامعة المصرية، بل كانوا يهدفون إلى غير ذلك كما أوضحنا.
وطبيعة عملية النمو الكبرى هذه لا تختلف من الناحية الآلية عن أي عملية طبيعية أخرى، فقد كانت محكومة بالتدرج والزيادة المضطردة بقدر ما توافر لها من عناصر النجاح والدفع إلى الأمام.
ويخرج الدكتور السيد عبد الستار -المسجون حاليًا ضمن قيادات الإخوان في مصر بعد المحاكمات العسكرية الأخيرة- من دراسته بعدد من النتائج يقول فيها:
ويترتب على هذا السرد التاريخي الموجز خلاصات مهمة نوردها على النحو التالي:
أولًا: أن الحركة الإسلامية بالجامعات قديمة وليست من المحدثات كما يحلو للبعض أن يصورها، أو كما يتصور بعض السذج ممن لم يدرسوا التاريخ ولم يفهموا عبرته.
ثانيًا: أن الوسائل التي انتهجتها الحركة الإسلامية بالجامعات في تلك الفترة لم تزد على: المجلة، النشرة، المحاضرة، الحوار، الخطبة، الرسالة، وكلها من الوسائل الدعوية المشروعة والتي تستخدمها كافة الدعوات الأخرى، إسلامية كانت أو غير إسلامية.
ثالثًا: إن الصراعات الفكرية في أوساط الشباب عادة ما يتولد عنها شيء من الخلاف والصياح الذي قد يتطور إلى اشتباكات، ولم يكن ذلك قاصرًا على توجه دون آخر، بل الثابت تاريخيًّا أن كافة التوجهات كانت لها شبيبة تحميها وجوالة تدافع عنها وتحمي تجمعاتها، والإسلاميون ليسوا في ذلك إلا مواكبين لتوجه سياسي عام ساد الجامعات في هذه الفترة، وما حدث من خلاف بين الإسلاميين والأحزاب كان يحدث مثله أضعاف المرات بين الأحزاب بعضها وبعض.
رابعًا: أن المبادئ التي نادت بها الحركة الإسلامية منذ نشأتها مواكبة لنشأة الجامعات لم تتغير في معظمها حتى يومنا هذا، وقد تحدث عنها الإمام الشهيد حسن البنا في رسالته الموجهة إلى الشباب عامة والطلبة خاصة على النحو التالي:
أيها الشباب، إن منهاج الإخوان المسلمين محدد المراحل واضح الخطوات، فنحن نعلم تمامًا ماذا نريد، ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة:
١- نريد أولًا الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه، وعاطفته، وفي عمله وتصرفه، فهذا هو تكويننا الفردي.
٢- ونريد بعد ذلك البيت المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته وفي عمله وتصرفه، ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب، وهذا هو تكويننا الأسري.
٣- ونريد بعد ذلك الشعب المسلم في ذلك كله أيضًا، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يسمع صوتنا في كل مكان، وأن تتيسر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمراكز والحواضر والأمصار، لا نألو في ذلك جهدًا ولا نترك وسيلة.
٤- ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد كما حملهم على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه.
٥- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرقته السياسة الغربية وأضاعت وحدته المطامع الأوربية، ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها، فمصر وسورية والعراق والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش، وكل شبر نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضم أجزائه بعضها إلى بعض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل