; تاريخ الصراع العلماني الإسلامي في تركيا.. قراءة في الأزمة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان تاريخ الصراع العلماني الإسلامي في تركيا.. قراءة في الأزمة الأخيرة

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 58

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 28

السبت 12-مايو-2007

إسطنبول: 

لا يمكن فهم الصراع الدائر بين العلمانيين وحزب العدالة إلا بفهم ما جرى في التاريخ الحديث في تركيا، لاسيما في أعقاب الحرب العالمية الأولى وعند تأسيس الجمهورية التركية.

في تلك الفترة كانت الطبقة المثقفة قد وصلت إلى قناعة تامة بأن تقليد الغرب والسير في مساره هو الحل الوحيد لوقف تدهور الأمة، وطريق النهضة الشاملة- بعدما شاهدوا الهوة الواسعة بين الغرب وبلدان العالم الإسلامي، على كافة الأصعدة العلمية والأدبية والفنية، وأن اختيار العلمانية هو طريق النهضة.

انفراجة عدنان مندريس: واستمر حكم الحزب الواحد- الذي اتخذ كل تلك القرارات من تأسيس الجمهورية حتى تشكل الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس وجلال بايار ثم مجيئه إلى الحكم عام ١٩٥٠م. وأزال هذا الحزب بعض القيود السابقة وفتح بعض المدارس الدينية وسمح ببعض الحرية الدينية.

ولم يتدخل الجيش في السياسة لا في عهد مصطفى كمال ولا في عهد خلفه عصمت إينونو، وكان أول تدخل للجيش في عام ١٩٦٠م عندما قام بانقلاب عسكري أطاح بحكم عدنان مندريس، ثم أعدمه مع اثنين من وزرائه.

ثم تعاقبت الانقلابات العسكرية بمعدل انقلاب كل عشر سنوات تقريبًا «في ١٩٦٠. في ۱۹۷۱، في ۱۹۸۰» وفي عام ١٩٩٧م حدث نصف انقلاب عسكري عندما اضطرت الحكومة الائتلافية لحكومة نجم الدين أربكان إلى الاستقالة نتيجة الضغط الواقع عليه من الجيش.

وعلى الرغم من كل هذه الظروف الصعبة لمع بعض المفكرين والشعراء والأدباء المسلمين بدءًا من أربعينيات القرن الماضي، وظهرت حركات إسلامية وعلى رأسها حركة «طلاب النور» التي أسسها العلامة سعيد النورسي.

 إلا أن الحكومات المتتالية ضيقت على نشاطهم، فظهرت مرحلة المحن والسجن وإغلاق مجلاتهم ومصادرة كتبهم «مثلًا: سجن سعيد النورسي ٢٦ سنة، والحكم على الآلاف من طلاب النور بالسجن أيضًا».

بدايات الصحوة الإسلامية

ولكن الوضع بدأ يتغير منذ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حيث بدأت الحركات الإسلامية تملك وسائل الإعلام ووسائل الاتصال بالجماهير الواسعة، كما تسارعت الترجمة لكتب كبار العلماء المسلمين من أمثال المودودي وأبي الحسن الندوي وسيد قطب ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وغيرهم إلى اللغة التركية.

وأسس نجم الدين أربكان أول حزب إسلامي في تركيا، إلا أن الحكومة سرعان ما أغلقته، وكذا أغلقت حزبين آخرين كان قد شكلهما بعد الحزب الأول.

أما حزبه الرابع «حزب السعادة» فهو موجود، ولكنه ضعف بعد تشكيل حزب العدالة والتنمية في عام ۲۰۰۱م بقيادة رجب طيب أردوغان الذي يراعي ظروف تركيا وموازين القوى الموجودة فيها، وعلى رأسها وضع الجيش.

نجاحات «العدالة والتنمية»

جاء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم حائزًا على ٣٤,٨٪ من الأصوات محرزًا ٣٥٨ مقعدًا في المجلس النيابي من مجموع ٥٥٤ من مقاعد المجلس النيابي. 

وطوال أربع سنوات ونصف السنة الأخيرة أنجز عدة إصلاحات دعمت الاقتصاد التركي منها:

تراجع نسبة التضخم من ٦٥-٧٠% إلى ٩.٥%، وانخفاض نسبة الفائدة التي تجاوزت أحيانًا 105% إلى ۱۹% وزيادة قيمة الليرة التركية واستقرارها، وحذف ستة أصفار منها.

كما ارتفع حجم التصدير السنوي من ٣٦ مليار دولار إلى أكثر من 95 مليار دولار «مقابل هذا زاد الاستيراد أيضًا ولكنه استيراد للمكائن وللمصانع» والشيء الذي يرهق الاقتصاد التركي أنه يضطر- بعد ارتفاع أسعار النفط- إلى دفع حوالي ٣٠ مليار دولار سنويًا لشراء البترول والغاز الطبيعي.

 كما أنجز الحزب مشاريع إنشائية جبارة وهناك مئات المشاريع في طور الإنجاز منها آلاف الكيلومترات من الطرق المعبدة زادت على مجموع ما انجر طوال عمر الجمهورية بجانب مشروع النفق تحت مياه مضيق البسفور «في إسطنبول»، الذي يربط آسيا بأوروبا عن طريق سكة حديد وعن طريق السيارات، وأنجز ما يقارب مائة سد ما بين كبير ومتوسط وصغير، وأوصل الماء إلى آلاف القرى المحرومة منه. 

كما تقوم حكومة العدالة بتوزيع الفحم الحجري دون مقابل كل عام لـ4 ملايين من الفقراء، جلهم من ساكني المناطق الباردة في شرقي وشمالي تركيا، وكذلك يستفيد نحو 8 ملايين طالب من الدفاتر والكتب المدرسية والأقلام المجانية.

وتم بناء مئات الآلاف من الشقق السكنية التي أعطيت للعوائل الفقيرة والمتوسطة بأسعار زهيدة.

وكان الغاز الطبيعي يصل إلى 14 محافظة فقط، فزاد عدد المحافظات التي يصلها الغاز ٦٠ محافظة تقريبًا «وهذا أحد الحلول لمقاومة التلوث في تركيا»، بجانب الضمان الصحي وخفض أسعار الدواء والسلع.

محاربة الفساد

وتمت تلك الإنجازات بوسيلتين:

الأولى: قطع أوجه النهب والسلب التي كانت متفشية في كل المرافق، ووضع اليد على أموال ومصانع الذين ثبتت ضدهم أدلة النهب من العائلات الغنية التي نهيت البنوك الحكومية، وبيع هذه المصانع أمام الشعب ووضع مبالغها في خزينة الدولة، كما بدأ الحزب يتعقب المتهربين والمتحايلين من تسديد الضرائب.

الثانية: جاء الحزب بكادر ممتاز من الخبراء في الاقتصاد والتعليم والإدارة.

وفي المجال السياسي سعى الحزب بكل قوة لإدخال تركيا في الاتحاد الأوروبي الذي كان حلم تركيا منذ أكثر من ٤٥ عامًا.

وغير العديد من الأنظمة والقوانين في ميادين الزراعة والصناعة والصحة والغذاء ومعايير النظافة لكي تساير المعايير الأوروبية.

كما سن العديد من القوانين في صالح الفرد مثل تجريم التعذيب في السجون ومخافر الشرطة، وسن قوانين تزيد من الحرية الفردية في التعبير والكتابة وفي استعمال الحقوق القانونية وفي تنظيم المظاهرات. إلخ.

التخفيف من قبضة العسكر

كما سعى الحزب لتقليل هيمنة المؤسسة العسكرية، بتبديل قانون «اللجنة العليا للأمن الوطني»، إذ كانت هذه اللجنة المشكلة من المدنيين والعسكريين، والتي سيطر العسكر عليها. 

فجاء التغيير واعتبر قرارات اللجنة استشارية وليست ملزمة للحكومة، كما استبدل أردوغان السكرتير العام لهذه اللجنة من جنرال إلى مدني. 

خلفيات الأزمة الأخيرة: جاء الحزب إلى السلطة في أواخر عام ٢٠٠٢ م ولمدة خمس سنوات حسب القانون الانتخابي الموضوع سابقًا. وكان هذا يعني إجراء انتخابات جديدة في نوفمبر ٢٠٠٧م. ولما كانت مدة رئاسة رئيس الجمهورية الحالي أحمد نجدت سيزار تنتهي في مايو الجاري. فإن هذا العام كان عام إجراء انتخابين.

وحسب الدستور التركي يقوم المجلس بانتخاب رئيس الجمهورية من بين الذين يرشحون أنفسهم لهذا المنصب من داخل المجلس النيابي.

 وكان معنى هذا أن رئيس الجمهورية سينتخب من قبل هذا البرلمان الذي يشكل حزب العدالة الأكثرية فيه، ما أثار مخاوف العلمانيين، ولم يكن في الإمكان قبولهم لهذا الأمر.

وسعى العلمانيون الذين يسيطرون على العسكر ومحكمة الدستور ومعظم وسائل الإعلام، لمواجهة الأمر من خلال:

  • خلق أجواء مضطربة في تركيا وخلق المشاكل والأزمات أمام حكومة أردوغان مستعينة بوسائل الإعلام الموجودة في أيديها لكي تضطر الحكومة إلى إجراء انتخابات مبكرة، آملين ألا يملك حزب العدالة هذه الأكثرية الساحقة التي يملكها حاليًا، وبذلك لا يتسنى له انتخاب رئيس الجمهورية وحده.

  • عندما اقترب موعد الانتخاب طلع حاكم متقاعد من أنصار العلمانية المتطرفة بادعاء غريب، وهو أن النصاب الواجب توافره في انتخاب رئيس الجمهورية هو ٣٦٧ برلمانيًا وليس ١٨٤ برلمانيًا، كما كان معمولًا في السابق والذي تم بموجبه انتخاب رؤساء الجمهورية السابقين أمثال تورجوت أوزال وسليمان ديمبريل وأحمد نجدت سيزر.

  •  وقد استند إلى الفقرة رقم ٩٦ والفقرة رقم ۱۰۲ بالدستور التي تقول: إن نصاب افتتاح الجلسة عند انتخاب رئيس الجمهورية يجب ألا يقل عن ١٨٤ برلمانيا. وتقول الفقرة ۱۰۲ بوجوب حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على ٣٦٧ صوتًا في الجولة الأولى أو في الجولة الثانية، أما في الجولة الثالثة فيجب أن يكون عدد الأصوات «نصف الأصوات + واحد». وفي الجولة الرابعة يفوز بالمنصب أكثر المرشحين نيلًا للأصوات.

 أي أن الفقرة ٩٦ تتناول النصاب اللازم لافتتاح الجلسة بينما تتناول الفقرة ۱۰۲ موضوع الأصوات اللازمة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهما موضوعان مختلفان تمامًا، بينما دافع الاقتراح الجديد بأن نصاب افتتاح الجلسة هو ٣٦٧.

شكل هذا التفسير الجديد لفقرتي الدستور فرصة ذهبية للحزب المعارض فقرر مقاطعة الجلسة، وبذلك لا يمكن للحزب توفير النصاب اللازم، وهدد بأنه سيراجع محكمة الدستور حول هذا الأمر، وكان التيار العلماني متأكدًا من موقف محكمة الدستور المؤلفة من ۱۱ عضوًا «منهم 9 أعضاء من العلمانيين المتطرفين»، وأن القرار سيصدر في صالحهم، وهذا ما حدث فعلًا.

هكذا شهدت تركيا لعبة سياسية مفضوحة وظلمًا صارخًا ضد حزب العدالة، لكونه حزبًا محافظًا يحترم عقيدة الأمة وماضيها وهويتها وتاريخها، ولم تشفع له جميع الإصلاحات التي قام بها.

وإزاء تلك التطورات تقرر إجراء انتخابات عامة مبكرة ورئاسية في ٢٢ يوليو القادم وأن يتم انتخاب رئيس الجمهورية في التاريخ نفسه من قبل الشعب.

الرابط المختصر :