; تاريخ ما بعد الانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان تاريخ ما بعد الانتفاضة

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

مشاهدات 79

نشر في العدد 1427

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

هل يصبح تاريخ الانتفاضة الجديدة علامة فاصلة في تاريخنا الحديث، فيقول المؤرخون فيما يقولون -حدث هذا قبلانتفاضة الأقصى أو بعدها؟

ليس هناك من شك في أن انتفاضة الأقصى استطاعت أن تحفر لها مكانًا في سجل التاريخ ولئن كان سجلنا في مجال المعارك خصوصًا ضد اليهود لا يشرف اللهم إلا ما ندر، إلا أن الانتفاضة التي خرجت من فلسطين هذه المرة ليست كغيرها من الأحداث التي مرت بنا.

فالانتفاضة –التي مازالت مستمرة– قد تخطت نظيرتها السابقة في عام ۱۹۸۷م في طريقة أدائها وإدارتها على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فهي المرة الأولى التي يضطر فيها بعض الحكام العرب رغم القيود التي تقيد حركتهم السياسية -كما أعلنوا هم بأنفسهم- إلى الاستجابة ولو جزئياً لمطالب الشارع، وهي المرة الأولى التي تسبق فيها الجماهير العربية الحكومات وتضع هذه الجماهير شروطها التي لا تريد التنازل عنها، وهي المرة الأولى التي يلعب الإعلام العربي فيها دورًا إيجابيًا ويتجاوب مع الشارع، ورغم ما قيل وما سوف يقال عن انحراف إعلامي أو تجاوز أو حتى محاولة تأليب الجماهير ضد الحكام، إلا أن الثابت في ذهن العامة والخاصة أنها المرة الأولى التي يشاهد المواطنون على الهواء مسيرات ومظاهرات، كما يشاهدون رصاصات اليهود، وهي تقتل الأطفال وتنال من كبار السن والعجائز في فلسطين، وهي المرة الأولى التي تنجح فيها الفضائيات في جذب صناع القرار إلى حيزها بعدما كانوا يمتنعون استعلاء ورفضًا، فرأينا بعضهم يميل إلى هذه القناة والبعض الآخر يفضل أن يطل عبر قناة أخرى لكنهم جميعًا وجدوا في الفضائيات (المستقلة) سبيلًا لمغازلة مشاعرنا وهذا ما دفع بالقمة العربية أن تكون على الهواء للمرة الأولى.

وهنا يثور سؤال: لماذا تأخر التحرك الشعبي تجاه فلسطين حتى قامت الانتفاضة أو بطريقة أخرى هل الانتفاضة هي التي حركت الشارع فعلًا، أم أنها جاءت في التوقيت المناسب بالتزامن مع عوامل أخرى أدت إلى ردة الفعل بالشكل الذي شاهدناه؟

يصعب في الحقيقة فصل التفاعلات السياسية والاجتماعية خلال العقد الأخير وما تبعها من مؤتمرات استهدفت احتواء النظم السياسية العربية «المواجهة سابقًا» في عملية تسوية تتبعها معاهدات تضمن بقاء الكيان الصهيوني كجزء من المنطقة ورغم الضعف العربي الواضح خلال هذه الحقبة إلا أن الضمير الشعبي كان دائماً يأبى أن يوافق على استغلال ضعفه في التفريط بالثوابت التي تربى عليها جيلًا بعد جيل، ورغم الإغراءات التي حاول الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة تقديمها في بعض البلاد العربية نظير التطبيع، إلا أن الجميع اكتشف أن كل ما تقدم به الغرب هو مجرد وعود لا تسمن ولا تغني من جوع، وعليه فقد بلع الجمهور الكلمات والوعود مؤقتًا، لكنه ظل واعيًا أن الغرب وبعض الحكومات يمارسون نوعاً من النصب السياسي وحين جاءت المناسبة وهي انتفاضة الأقصى كان الشارع العربي يتحرك بدافعين:

الأول: نصرة للمظلومين في فلسطين خصوصاً بعد نشر صورة محمد الدرة، ومدى الهوان الذي أصاب كل عربي ومسلم من جراء رؤية المشهد مع عدم القدرة على فعل أي شيء. 

الثاني: رفض الواقع الذي أراد البعض تمريره رغماً عن الجماهير العربية والمسلمة، ويلاحظ في هذا المقام أن المظاهرات كانت أكثر قوة وحشداً وتكراراً في البلدان التي لها علاقة بالكيان الصهيوني بغض النظر عن حجم هذه العلاقة ونوعها.

هذا يعني أن الوضع في عالمنا العربي لم يكن في لحظة من اللحظات التاريخية في القرن الحالي - ساخناً بمثل السخونة الراهنة، وهذا نتج عنه أمران:

الأول: استمرارية الانتفاضة بعدما شعر – المنتفضون في فلسطين بأن ثمة متغيرًا طرا يشجعهم في الاستمرار والتضحية ولم لا والشعبالعربي المسلم بأسره يدعمهم ويقف إلى جوارهم. 

الثاني: أثبت الشارع العربي بخروجه وتعاطفه مع الحدث أنه يستطيع أن يبرز إلى القمة وأن يصبح لكلمته معنى وجدوى، ودليل ذلك أن القمة العربية ومن بعدها القمة الإسلامية وضعت في حسابها مطالب الشارع العربي والإسلامي وإن - بدت الأولى متفهمة ولكنها غير قادرة كما يبدو أن الثانية ستكون متفهمة ومتحمسة معًا.

ماذا يعني ذلك؟

ذلك يعني أن التأثير موجود ولا يمكن التنكر له أو التعامل معه بالطريقة السابقة نفسها «التحايل - الإخفاء – الالتفاف» كما أن هناك تغيرات مقبلة ولكن . هل تحمل التغيرات المقبلة احتمال قيام حرب بين المسلمين واليهود؟

في ضميرنا ووعينا الإسلامي وضمن مفردات - عقيدتنا فإن الصراع قائم وسيظل حتى ساعة الحسم وهي المواجهة الحتمية التي لا مناص منها . ولابد من وقوعها، وحتى وإن غاب البعد الديني أو حاول البعض تغييبه ولو مرحلياً، إلا أن هناك أبعاداً أخرى تجعل من المواجهة احتمالاً قائماً، فالغطرسة اليهودية والتسلط الأمريكي يدفعان في اتجاه المواجهة.

اليهود في حالة حرب منذ الإعلان عن كيانهم في عام ١٩٤٨م فقد شاركوا في حرب ١٩٥٦م ومن بعدها ١٩٦٧م ودخلوا جنوب لبنان في ۱۹۸۲م واستمروا في حرب استنزافية حتى خرجوا من الجنوب واليوم هم يمارسون الحرب ضد الفلسطينيين بكل ما تعني كلمة الحرب من معنى. 

وعلى هذا فالحرب المفروضة من جانب اليهود لا يقابلها حرب أو استعداد للحرب في العالم العربي، إذ إن العالم العربي قد اتخذ قراراً في قمة القاهرة ١٩٩٦م ينص على «أن السلام هو خيارنا الاستراتيجي».

ومن هذه النقطة انقسم العالم العربي هل نحارب أم لا؟ ففريق يرى أن السؤال يجب أن يكون هل يمكننا أن نحارب أم لا؟ وهذا يعني أن فريقاً لا يضع الحرب ضمن حساباته والبعض الآخر لا يستبعدها ولكنه لا يستعجلها. 

وحين صدمت الجماهير بما يحدث أمام أعينها من إبادة وقتل للمسلمين في فلسطين يقابله صمت أو إصرار على عدم التورط في مواجهة اليهود أدرك البعض أن الحرب لن تكون في الوقت الراهن ما لم تحدث تغييرات جوهرية في العالم العربي والإسلامي، هذه التغيرات تتمثل في إحداث نقلة نوعية في الطريقة القائمة حاليًا على استبعاد الشعوب بحجة عدم نضوجها أو عدم وعيها، وأزعم أن العالم العربي والإسلامي بات على بعد مسافة غير بعيدة من تحقيق المشاركة الشعبية بشكل أو بآخر في صنع القرار، وستكون للشعوب في القريب العاجل كلمة مسموعة، واستشهد هنا بما حدث في الداخل العربي والإسلامي وبما يحدث خارجه أيضًا، فالانتفاضة أثبتت أن المواطنين العرب والمسلمين قادرون على التفاعل والمشاركة حتى إن الشرطة في بعض البلدان اضطرت لتنظيم مسيراتهم والتعاطف مع شعاراتهم على عكس مرات سابقة، فالضغط كان أكبر من أن يواجه أما على مستوى العالم الخارجي، فالتغيرات الحاصلة في صربيا تدلنا على أنه رغم أن الصرب قد خسروا كوسوفا وربما إلى الأبد لكنهم فضلوا أن يتحرروا من القيد الدكتاتوري أولاً قبل استعادة كوسوفا رغم ما يزعمون من أنها مهد حضارتهم. والحال نفسه في ساحل العاج ومن قبل في زيمبابوي . فالجماهير أصبحت لها كلمة وعند أول فرصة ستعبر عنها، ولعل الحكومات تدرس الآن مشروعًا جديدًا للشراكة مع الشعوب، بين المواطن العادي وصانع القرار، حتى لا يحمل السياسي وحده تبعة القرارات وحتى يسمح للمواطن بالتعبير عن رأيه.

لقد خرجت انتفاضة الأقصى من الأرض المباركة لكن نورها سيمتد ليسطر تاريخًا جديدًا في عالمنا العربي والإسلامي، هذه حقيقة وليست مجرد أمنية.

الرابط المختصر :