; المجتمع التربوي (1734) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1734)

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007

مشاهدات 58

نشر في العدد 1734

نشر في الصفحة 52

السبت 13-يناير-2007

  • تأملات في قصة الفداء (۸)  - وجهي لوجهك الوقاء.. ونفسي لنفسك الفداء!
  • لا بد أن يسمع العالم صدى دفاعنا عن النبي بالكلمة الصادقة والقدوة المؤثرة ودفع الحجة بالحجة.
  • الصحابة أحبوا الرسول ﷺ حباً لا مثيل له على وجه الأرض.

إيمان مغازي الشرقاوي

حين يتجول المرء بعقله وقلبه في صفحات تاريخ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ويقلب فيها يرى مواقف حبهم لرسول الله ﷺ، فيملأ العجب نفسه، ويعظم هؤلاء الصحاب البررة لتعظيمهم إياه، ويعرف سر اختيار الله تعالي واصطفائه لهم من دون الناس لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، فلقد أحبوه حبا لم يحبوه أحدا من قبله، ولا من بعده. فلم ولن يوجد حب إنساني على وجه الأرض يعادل ذلك الحب الكبير، مهما قيل، لأن حبهم كان ولا يزال غاية في الإعجاز وعلامة قوية على صدق صاحب الرسالة العظيم رسولنا محمد ﷺ...

ولقد تمثل هذا الحب وشوهد في أعلى درجاته، عندما ترجم إلى أعمال حية وأفعال مجسدة، كان منها التفاني في فدائه ﷺ، والدفاع عنه، وتفضيله على النفس والمال. والولد والأهل بل والدنيا جميعاً، ولم يحدث في تاريخ أمة من الأمم أو أحد من البشر- مهما كانت درجته ومهما علت رتبته- مثل ما حدث مع الرسول ﷺ من الوصول لتلك المنزلة الرفيعة بذلك الحب الراقي المتمثل في أعلى درجاته والذي هو في الحقيقة جزء لا يتجزأ من حب الله عز وجل.

من مواقف الحب والفداء 

ومن تصفح- ولو للحظات قليلة- سيرة النبي ﷺ وما كان يدور بينه وبين أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لا يملك إلا أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.. ويوقن بتلك الحقيقة الخالدة التي كل ما دونها فهو سراب ومن تلك المواقف الرائدة التي سجلت بمداد من نور وخلدت بخلود الرسالة العظيمة:

موقف سعد بن معاذ

كلنا يعرف موقف سعد بن معاذ رضى الله عنه، في غزوة بدر عندما قال ﷺ للأنصار: أشيروا علي أيها الناس، قام رضى الله عنه فقال للنبي ﷺ: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله به، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله..

كلهم يفدي رسول الله بنفسه

وفي غزوة أحد عندما حدث ما حدث من انكشاف ظهر المسلمين- مما أدى لوجود ثغرة نفذ منها المشركون حتى وصلوا إلى نبي الله ﷺ- في تلك اللحظات الحرجة من وقت المعركة والتي مرت كدهر طويل وسال الدم على وجهه الكريم. ضرب لنا نفر من صحابته الكرام المثل الكبير في الفداء، فقد أحاطوا بالرسول ﷺ وأقاموا حوله سياجاً من أجسادهم وسلاحهم يقونه به ويحمونه، كلهم يجيء إليه ويقول له «وجهي لوجهك الوقاء، ونفسي لنفسك الفداء».. حتى وصل الأمر بالصحابي الجليل أبي دجانة أن ترس علي النبي ﷺ بظهره، فكان النبل يقع فيه ولا يتحرك كلهم يفدي رسول الله ﷺ.

وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أفرد يوم «أُحد»، في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة»؟، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضاً فقال: «من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة»؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة (رواه مسلم). 

إلى غير ذلك من المواقف التي يتسابقون فيها جميعاً ليموتوا دونه، ولا تدري عندما تقرأ ذلك ممن تعجب؟ أمن طلحة رضى الله عنه حين صمد ودافع عن رسول الله حتى استشهد وبه بضع وسبعون ما بين طعنة ورمية وضربة، مما جعل أبا بكررضي الله عنه إذا ذُكر يوم أُحد يقول: «ذاك يوم كله لطلحة»! أم تعجب من أبي عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، حين جرح رسول الله ﷺ ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته الشريفة، فقام رضى الله عنه لينزعها من وجه حبيبنا عليه الصلاة والسلام، وكره أن يتناولها بيده فيؤذيه، فأزم عليها بفيه فاستخرج إحداهما فوقعت معها ثنيته، ثم وقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة الثانية، فكان أبو عبيدة بعدها من أحسن الناس هتماً.. رضى الله عنه وأرضاه. 

ويزداد عجبك حين تعلم ما فعله الصحابي الجليل مالك بن سنان «والد أبي سعيد الخدري» رضي الله عنهما، عندما رأى رسول الله ﷺ وقد جرح في ذلك اليوم العصيب فقام رضي الله عنه فمص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه فقال: لا والله لا أمجه أبداً، ثم أدبر يقاتل، فقال  النبي ﷺ: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا»، فاستشهد رضى الله عنه، وها هو سعد بن الربيع رضى الله عنه وهو جريح في القتلى وبه رمق - كما روى ابن هشام يقول لرجل من الأنصار: «أنا في الأموات فأبلغ رسول الله عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ﷺ وفيكم عين تطرف».. قال الأنصاري فلم أبرح حتى مات.

وأنت أخي المسلم، أختي المسلمة أين نصيبك من حب الله تعالى ورسوله ﷺ؟

 أرأيت معي كيف أن حب رسول الله ﷺ قد ملأ القلوب حتى فاض خيراً وعملاً وتضحية وفداء لدين الله تعالى؟ وهكذا يفعل الحب الصادق، فلقد عرف الصحابة رضي الله عنهم كيف يحبون، ومن الذي يستحق الحب والفداء. وأنت أين مكان رسول الله ﷺ من قلبك ومن عملك ومن تضحيتك؟ ها هو يستهدف هو ودينه ودعوته على مرأى ومسمع منا جميعاً، ربما تشجع القوم على ذلك، حين تركنا نحن للأسف من سنته الكثير أو غفلنا عن بعضها، وحين تقاعس بعضنا عن نشر سنته وإبلاغ دعوته والتعريف بشخصه الكريم ﷺ.

إن الناس بحاجة لأن نخرجهم بهديه من ظلمات الجهل به إلى نور معرفته ومن ثم إلى الهداية واليقين، فمن أهان رسول الله ﷺ فقد جهله، ومن جهله فقد أهان نفسه أما من عرفه حق المعرفة عدواً  كان أم صديقاً فلن يملك إلا أن يحني جبهته احتراماً وتقديراً ومهابة وإجلالاً لشخصه العظيم ﷺ، بالتأكيد سيفعل ذلك إذا كان منصفاً ولو لم يؤمن به كما عده صاحب كتاب الخالدون مائة أعظمهم محمد.. أول عظيم على رأس هؤلاء المائة جميعاً في كتابه ذاك.

إن الحملات المغرضة التي أبت إلا أن تصور شخص رسولنا الكريم ﷺ بما لا يلیق به کمسلم فضلاً عنه كرسول وتحاول جاهدة المساس بحرمته وحرمة زوجاته الطاهرات وتشويه السيرة العطرة، قد آن لهذه الأصوات أن تنقطع حبالها لتكف عن لغطها ويذهب زبدها.. نعم.. لا بد أن تسمع صدى دفاعنا عن رسول الله ﷺ بالكلمة الصادقة الحكيمة والقدوة المؤثرة، ودفع الحجة بالحجة وفتح باب الحوار الراقي والمجادلة بالتي هي أحسن يشارك الجميع في ذلك كل بحسب طاقته، وعلى رأس ذلك أهل العلم ذوو الاختصاص.

ولا نغفل رسالة وسائل الإعلام وأهميتها في ذلك، ومع كل هذه الوسائل لا بد من تقديم الصورة الصحيحة لدين الإسلام بحسن الاقتداء وتمام الائتمام به عليه الصلاة والسلام.


للتسامح وجه آخر

التسامح من السماحة وهي البساطة والسهولة واليسر، مما يعني أن التسامح هو التساهل وعدم التشدد والتطرف والعنف وإنما أخذ الأمور برفق ويسر، حيث نجد التبسط في التعامل لكافة الشؤون في الحياة، ويتضح أن صيغة كلمة التسامح هي التفاعل والتشارك بين طرفين، أما الصورة البارزة لتطبيق هذا المعنى هو أن التنازل يكون من طرف سواء أكان فرداً أو جماعة لطرف آخر، بحيث تتم المعاملة برفق ولطف وسماحة، ومن محاسن الأخلاق كون الإنسان سمحاً وسطاً لينا هيئاً، فمن الأقوال السائدة: لا تكن صلباً فتكسر، ولا لينا فتعصر.. وقد أثنى سيدنا رسول الله ﷺ على الشخص المتسامح وعلى خلق السماحة، فقال ﷺ: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اأشترى سمحاً إذا أقتضى (الحديث)، وفي الحديث كذلك: «السماح رباح».

إن خُلق السماحة والتسامح بين الناس لهو خُلق رفيع يعيش الإنسان في ظله سليماً من الأذى بمداراة الناس والبعد عن جدلهم ومطالبهم وعنفوانهم، فيكف نفسه عن الآخرين متبعاً ومطبقاً لمعالم الأخلاق التي حث عليها سيدنا رسول الله ﷺ المتمثلة في معنى قوله: «أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من منعك وتكون بشوشاً لمن تلقاه»، وتلك الكلمات الناصحة جاءت بروايات مختلفة في الحديث، وبالنظر لها نجد أنها تحمل سلوكاً رفيعاً يجعل من صاحبها محبوباً عند الناس، تنطبق عليه صفة المؤمن الذي قال عنه رسول الله عليه افضل السلام وأتم التسليم: «المؤمن يألف ويؤلف» (الحديث). 

هناك أيضاً وجه آخر للتسامح، فما هو؟

أن يرضى المرء بما قسم الله له، وهنا يكون الوجه الآخر للتسامح هو القناعة والرضا والإنابة إلى الله بتصحيح المسار، ويكون التسامح المعهود مع الناس بالتواضع وعدم الأنانية وفي كل الأحوال وعلى سائر الأصعدة.

سندس صالح الراشد

كلية الآداب إعلام - جامعة الكويت



  • الراية -  تقر عيني برؤياها.. تكاد لا ترى سواها
  • إحساس كل فرد بأنه هو الممثل الوحيد للدين.. جعلنا نعيش في بحر ليس له قرار.
  • ما أشد حاجتنا إلى راية نلتف حولها ونهتدي بها.
  • كم تكون الحياة رائعة لو فتح كل منا قلبه للآخر وكانت الثقة هي أساس تعاملاتنا.

سمية رمضان أحمد

تفضل الله علينا ودعانا إلى أحب بقاع الأرض إليه، وأذن لنا بزيارة البيت الحرام وقد زاده سبحانه تشريفاً وتعظيماً وذهبنا برحمته لأداء مناسك الحج.

وكالعادة التحقنا بحملة، وكنا نخرج بين الفينة والأخرى من السكن لأداء بعض المناسك، وأثناء ذلك كان الزحام شديداً. فاتفق الجميع على راية يتبعونها حتى لا يضل أحد الطريق، وخرجنا يومها، وهالنا شدة الزحام أجناس مختلفة، وبشر لا حصر لهم، متعددو اللهجات والألوان والأعمار، نقطة في بحر، اتجهنا إلى هذا الجمع الهائل كنقطة في بحر محدد الهدف والاتجاه، واختلطت أصواتنا تكبيراً وتهليلاً كأنه صوت واحد بلهجة واحدة، وتدفقنا جميعاً إلى حيث أراد الله، تلاشت الفواصل وأصبحنا كجسد واحد يمثل بشرية المسلم في طاعة المولى. وبعد الانتهاء من المنسك تطاولت الأعناق، تدير الوجه يميناً ويساراً تبحث عن رفقائها، وهنا رفع إخوة الحملة الراية، للتعارف ونجتمع حتى نعود للسكن سالمين.

تجميع الشتات

وسبحان الله تكاثرنا وسط الجموع وتشتتنا وراية محمولة على الأعناق كانت كفيلة بتجميع هذا الشتات، وقد كنا في الحملة من جنسيات مختلفة بلغات مختلفة ولكن الراية واحدة كل منا ينادي الآخر بحب كبير وكأنه منه، لا يشعر أبدأ بغربة معه فرايتنا واحدة، وعندها لم ننظر أبداً لاختلاف أشكالنا أو ألسنتنا، فقلوبنا أصبحت واحدة معلقة براية تتألف حولها ونتبعها بثقة وطمأنينة. 

وفجأة جاء طوفان كبير من البشر حال بيننا وبين الراية فلم نرها فشعرنا وكأن قلوبنا سقطت بأرجلنا، وقد حارت العيون تبحث عن أي رفيق قد رأته في الحملة من قبل أو تعرفه. وفي هذه الفترة من الحيرة والشعور بالضياع تذكرت مصعب بن عمير، رضي الله عنه، عندما فقد ساعده الأيمن وهو يحمل راية المسلمين فنقلها لليد اليسرى، وعندما فقد ساعده الأيسر حمل الراية بعضديه، ولم أشعر بأهمية أن يكون للجمع المشرذم المشتت راية توحدهم إلا حينها، لقد أبي مصعب إلا أن يحمل الراية رحمة بالمسلمين، وهي بالفعل رحمة وأي رحمة!

تصحيح المسار

شعرنا حينما غابت عنا الراية للحظات وكأننا قد فقدنا كل شيء، نعم كل شيء كدنا ننصهر مع حشد هائل من البشر لا ندري إلى أين يذهب، وعندما ظهرت الراية توجهنا إلى حيث نراها. وقد صححنا المسير، وبدأنا نجتمع حولها رويداً رويداً.

فأصبحنا جماعة واضحة المعالم، فيسر ذلك على الجميع المسير، فشعرنا بعزة ما أجملها وما أروعها ونحن نسير معاً جنباً إلى جنب.

قيمة عظيمة

شعرت بالقيمة العظيمة للراية، فهي من أسمى معاني الوحدة والائتلاف واشتاقت نفسي إلى راية واحدة للمسلمين في عصرنا الحالي، وسألت نفسي: أين رايتنا التي تورثنا العز وتجمع شتاتنا؟! وأخذت أتتبع رايتنا في التاريخ السحيق فقد كانت الراية

مع إبراهيم عليه السلام بل كان هو الراية. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120)

وكانت ثقتنا برايتنا عظيمة ﴿واَتخَذ الِّلَّهِ إِبْرَاهِيمَ خَليلا﴾ (النساء:120)

وحدد له رب العزة الطريق وأراه له وأعانه عليه: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل:12).

وكل الأنبياء والمرسلين اتبعوا الراية ولم يحيدوا عنها، بالرغم من تعددهم وتعدد عصورهم، ولكن الأمة واحدة والرب واحد .. ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92)

وتأكدت الراية ببعثة الرسول ﷺ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (النحل:123(

وسمانا أبونا بالمسلمين ﴿مِلَّةَ أبيكم إِبْرَاهِيم هو سمَاكُم المُسلمُين﴾) الحج:87)

فاستجاب  لأمر ربه وأتبع الراية ﴿ودينا قيما مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: 161)

فحمل ﷺ الراية وكانت لنا راية ونادانا: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (طه: 90).

وكان تأييد الله له:

﴿‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ‏ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال:64)

وكانت وصية الله وأمره للرسول: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (آل عمران: 20)

فألتزم ﷺ بالطريق وسار مسيرة الأنبياء المرسلين وأعلنها ﷺ:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (يوسف:108)

وأثار لنا سبحانه الطريق وجعل دليل حب قلوبنا لله اتباع الرسول ﷺ: ﴿قٌلَ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران:31).

وقد هدانا سبحانه برحمته إلى رايته التي حملها الأنبياء والمرسلون لتيسير الأمر علينا لتقف خلف رايته الصفوف وتميل إليها الأعناق:

﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (الأنعام: ١٥٣).

تعدد الرايات

فراية المسلمين واحدة منذ إبراهيم عليه السلام، فإن تعددت الرايات واختلفت الآراء تعصبت الجماعات ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (القصص: 50) 

وقد حذرنا سبحانه من اتباع الهوى ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص:٢٦).

فإن رايتنا أكبر من كل الجماعات ومن الدول ومن الأرض بأسرها، فهي تشمل الجميع. إن رايتنا هي كل أقوال وأفعال الرسول ﷺ التي هي قرآن يتحرك على الأرض، فالإسلام شرف والمسلم أياً ما كان فهو جزء مني لا ينقصم عني، فهو أمتي ووجودي، فماذا فهمنا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (الأنبياء: 92)

ما هي تلك الأمة؟ هل هي أسرتي؟! هل هي عائلتي؟! هل هي جنسيتي أم هي ديني؟! عزي وشرفي، كل من ينتمي له فهو ينتمي لي، فقد شبهنا ﷺ بالجسد الواحد وهو كذلك بحق، فالمسلم ليس حروفاً تكون كلمة ولكنه مصير يكون عمراً وحياة؟ هو عزي وشرفي.

 نفتقد الراية الآن، فما حالنا؟! ذل وانكسار واحتلال وضعف وضياع، فقلوبنا مقسمة وليست دولنا وأرضنا فقط، وكل منا ينظر إلى أخيه باختلاف وليس بائتلاف فتفرقت الأهواء والسبل، هل نحن سعداء هيهات هيهات!

اختبار حقیقی

وبدأ الاختبار الحقيقي لأقوالي ذهبت إلى مسجد للصلاة، وكان اعتيادي عدم الجهر بالبسملة فجهر بها الإمام وكأني سمعت عجباً، فقلت في نفسي: ألم يسر بها ﷺ ويجهر بها، وإسراره أكثر من جهره. فليكن هذا من الجهر؟! هدأت نفسي وتلقيت القرآن بصفاء وهدوء، وبعد فراغي ومجرد سلامي تلقتني إحدى الأخوات تعنيفاً وتوبيخاً على سفور وجهي وعدم نقابي كدت أرد عليها بآراء العلماء واختلافهم في هذا الأمر بعنف وتوبيخ مماثل لما تلقيت، فتذكرت وصية الرسول ﷺ للمهاجرين على الأنصار: «فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم».

فتلقيت التعنيف بلين والتوبيخ بإبتسامة فهي تقصد بذلك خيراً، ولعل الأسلوب خانها، أو لعل الشيطان قد نفخ فيما تقول لأراه كما رأيته فشكرتها على غيرتها على الإسلام وحبها لأن يطبق شرع الله، وكذلك هناك من القرآن ما اختلف في تفسيره العلماء، وكل عالم منهم يعلم أن أخاه على خير يحترمه ويحترم رأيه ولا يسفهه ولا يحقره، ويعمل غيره بما استراحت له نفسه وتواطأت على الطاعة الدائمة ظروفه ولكن هذا أبداً لم يقلل المحبة بينهم، فالراية واحدة وعليهم اتباعها، وكان اختلافهم في التأويل من الرحمة الكبيرة من الله بنا لاختلاف ظروفنا وأحوالنا وبيئاتنا، فلعل ما تستطيعين فعله في بلدك لا أستطيع أن أفعله في بلدي، فأزال الله عني الحرج بتعدد آراء العلماء حتى لا أشعر بالضيق والنقصان فكل أختاه، على خير وعلينا أن نتمسك ونتواصى بما اتفق عليه علماؤنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما أختلفوا فيه. 

فلا تحرميني من رحمة الله وفضله فهو أعلم بما لا تعلمي. وشددت على يديها مهنئة بفوزها بطاعة الله فيما تقتنع وتعمل.. وخرجت وكل منا تبتسم للأخرى وكان النصر للراية الواحدة.

ثقة متبادلة

فكم تكون الحياة رائعة لو فتح كل منا قلبه للآخر، وكانت الثقة في بعضنا بعضاً هي أساس تعاملاتنا.

إن ما يؤخرنا إحساس كل فرد فينا أنه هو الدين، وإن كل منا على خير في جزئية معينة من أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ. يسلط عليها الضوء وتأخذ جل اهتمامه وتنقضي الأيام والسنوات، وقد حصر نفسه بها، فعليه حتى تتوحد رايتنا مرة أخرى أن يأخذ بنفسه من أسر الجزئية الواحدة إلى رحابة الإسلام وطلاقة الإيمان، وليت كل جماعة تحترم رأي الجماعة الأخرى، فإن رأيها مهما قل فيه بصيص من نور رأي عالم من العلماء، وليت كل جماعة تبتعد عن التعصب والتقوقع وتوزيع الاتهامات على كل من لا يجاريهم في أفكارهم وآرائهم، فإن السؤال بين يدي الله عسير، وكل منا مسؤول عن مساهمته مهما قلت في تضييع الراية الواحدة. اللهم سلم.

الرابط المختصر :