العنوان تبسيط الفقه الغش في البيع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
مشاهدات 56
نشر في العدد 119
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
والإسلام يحرِّم الغشَّ والخداع بكلِّ صورة من الصور، في كلِّ بيع وشراء وفي سائر أنواع المعاملات الإنسانيَّة.
والمسلم مطالبٌ بالتزام الصدق في كلِّ شؤونه، والنصيحة في الدين أغلى من كلِّ كسب دنيويٍّ.
قال عليه السلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقَت بركة بيعهما» رواه البخاريّ.
وقال: «لا يحلُّ لأحد يبيع بيعًا إلَّا بيَّن ما فيه، ولا يحلُّ لمن يعلم ذلك إلَّا بيّنه» رواه الحاكم والبيهقي.
ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يبيع طعامًا «حبوبًا» فأعجبه، فأدخل يده فيه فرأى بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء «أي المطر»، فقال صلى الله عليه وسلم: فهلَّا جعلته فوق الطعام حتَّى يراه الناس؟
من غشَّنا فليس منَّا. رواه مسلم.
وفي رواية أنَّه مرَّ بطعام وقد حسَّنه صاحبه، فوضع يده فيه فإذا طعام رديء، فقال: «بِع هذا على حدة، وهذا على حدة، من غشَّنا ليس منَّا» رواه أحمد.
وكذلك كان سلف المسلمين يفعلون: يبيِّنون ما في البيع من عيب ولا يكتمون، ويصدقون ولا يكذبون، وينصحون ولا يغشُّون.
باع ابن سیرین شاه فقال للمشتري: أبرأ إليك من عيب فيها، إنَّها تقلِّب العلف برجلها.
كثرة الحلف في البيع
وتشتدُّ الحرمة إذا أيَّد غُشَّه بيمين كاذبة، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم التجار عن كثرة الحلف بعامَّة وعن الحلف الكاذب بخاصَّة. وقال: «الحلف منفقةٌ للسلعة ممحقةٌ للبركة» رواه البخاريُّ.
وإنَّما كره إكثار الحلف في البيع، لأنَّه مظنَّة لتغرير المتعاملين أولًا، وسبب لزوال تعظيم اسم الله من القلب ثانيًا.
تطفيف الكيل والميزان:
ومن ألوان الغشِّ تطفيف المكيال والميزان.
وقد اهتمَّ القرآن بهذا الجانب من المعاملة، وجعل من وصاياه العشر في آخر سورة الأنعام: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ ﴾ (الأنعام: 152) . وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: 35). وقال تعالى في أوَّل سورة المطفِّفين: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (المطفِّفين: 1-2-3-4-5-6).
وعلى المسلم أن يتحرَّى العدل في ذلك ما استطاع، فإنَّ العدل الحقيقيَّ قلَّما يتصوَّر، ومن هنا قال القرآن عقب الأمر بالإيفاء: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (المؤمنون: 62).
وقد قصَّ علينا القرآن نبأ قوم جاروا في معاملاتهـم، وانحرفوا عن القسط في الكيل والوزن، وبخسوا الناس أشياءهم، فأرسل الله إليهم رسولًا يردُّهم إلى صراط العدل والإصلاح كما يردُّهم إلـي التوحيد.
أولئك هم قوم شعيب الذين صاح فيهم داعيًا ومنذرًا ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء: 181-182-183).
وهذه المعاملة مثال لما يجب أن يكون عليه المسلم في حياته و علاقاته ومعاملاته كلِّها، فلا يجوز له أن يكيل بكيلين أو يزن بميزانين: ميزان شخصيّ، وميزان عام، میزان له ولمن يحبُّ، وميزان للناس عامَّة، ففي حقِّ نفسه ومن يتَّبعه يستوفى ويتزيَّد، وفي الآخرين يُخسر وينتقص.
شراء المنهوب والمسروق مشاركة للناهب والسارق:
ومن الصور التي حرَّمها الإسلام ليحارب بها الجريمة، ويحاصر المجرم في أضيق دائرة أنَّه لم يُحلّ للمسلم أن يشتري شيئًا يعلم أنَّه مغصوب أو مسروق أو مأخوذ من صاحبه بغير حقّ، لأنَّه إذا فعل يعين الغاصب أو السارق أو المعتدي، على غصبه وسرقته وعدوانه. قال رسول الله صلَّى الله عليه: «من اشترى سرقة (أی مسروقًا) وهو يعلم أنَّه سرقة، فقد اشترك في إثمها وعارها» البيهقي.
ولا يدفع الإثم عنه طول أمد المسروق ، فإنَّ طول الزمن في شريعة الإسلام لا يجعل الحرام حلالًا، ولا يسقط حقّ الملك الأصلى بالتقادم، كما تقرَّر ذلك بعض القوانين الوضعيَّة.
تحريم الربا:
أباح الإسلام استثمار المال عن طريق التجارة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ.﴾ (النساء: 29).
وأثنى على الضاربين في الأرض للتجارة فقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: 20).
ولكنَّ الإسلام سدَّ الطريق على كلِّ من يحاول استثمار ماله عن طريق الربا، فحرَّم قليله وكثيره، وشنع على اليهود إذ أخذوا الربا وقد نُهوا عنه.
وكان من أواخر ما نزل من القرآن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278- 279).
وأعلن الرسول صلَّى اللـه عليه وسلَّم حربه على الربا والمرابين، وبين خطره على المجتمع فقال: «وإذا ظهر الربا والزنا في قرية فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله» رواه الحاكم، وروى نحوه أبو يعلی بإسناد جيد.
ولم يكن الإسلام في ذلك بدعًا في الأديان السماويًّة، ففي الديانة اليهوديَّة جاء في العهد القديم: «إذا افتقر أخوك فاحمله، لا تطلب ربحًا ولا منفعة» آية ٢٤ فصل ٢٢ سفر الخروج.
وفي النصرانيَّة جاء في إنجيل لوقا: «افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائدتها وإذا يكون ثوابكم جزيلًا»
وإن كان الذي يؤسف له أنَّ يد التحريف قد وصلت إلى العهد القديم فجعلت مفهوم كلمة «أخوك» السالفة، خاصًّا باليهود وجاء في سفر تثنية الاشتراع «للأجنبيِّ تقرض برِبًا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا» ۲۳ – ۱۹.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل