; تثبيت أطروحات التسوية في المؤتمر الخامس الفتح | مجلة المجتمع

العنوان تثبيت أطروحات التسوية في المؤتمر الخامس الفتح

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989

مشاهدات 59

نشر في العدد 928

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 15-أغسطس-1989

أمريكا تريد الاطمئنان بأن لهجة الخطاب الفلسطيني هي هي لا تتغير في مخاطبة الغرب و«إسرائيل» وكذا في مخاطبة الفلسطينيين والتعبئة الداخلية في المنظمات.

  • العديد من أبناء فتح أصبح يرى أن حماس أكثر قربًا إليه من حركة فتح، وهذا يفسر حالات الهجرة المعاكسة من فتح إلى حماس
  • انعقد مؤتمر فتح بعد أن غاب تسعة أعوام عن التفاعل مع الأحداث الخطيرة التي مرت بها القضية الفلسطينية

المؤتمر الخامس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» انعقد أخيرًا في العاصمة التونسية بعد أن غاب طويلًا عن الساحة الفلسطينية العامة وحتى عن الساحة التنظيمية الفتحاوية الخاصة حيث كان المؤتمر السابق «الرابع» قد عقد قبل حوالي تسعة أعوام وتحديدًا في العام ۱۹۸۰... وهذا يعني أن كل الأحداث المهمة والخطيرة التي مرت بها القضية الفلسطينية خلال ما يقارب التسعة أعوام الماضية لم يتح لمؤتمر فتح المجال كي يحدد طبيعة التفاعل والتعاطي معها... والحقيقة أنه يمكن القول أن الوجود الفتحاوي على الساحة الفلسطينية كان يجد لنفسه أطرًا مختلفة ليعبر عن نفسه من خلالها... حيث كان التواجد الواسع في أطر ومؤسسات المنظمة والإمساك بكل المواقع الحساسة وغير الحساسة أحد أشكال هذا التواجد... ولعل ذلك أثر بشكل أو بآخر على بِنية حركة فتح وأوضاعها التنظيمية وحقيقة تماسكها الداخلي.

وبعد جهود كبيرة لتذليل العقبات التي واجهها انعقاد المؤتمر سواء لتحديد المكان والبلد الذي يقبل استضافة المؤتمر إلى توفير الحماية لهذا العدد الكبير من كوادر الحركة إلى تحديد العضوية والمشاركين إلى الاستعدادات اللازمة لاستيعاب أية مفاجآت يمكن أن تظهر في المؤتمر.. بعد كل ذلك انعقد المؤتمر وسط تواتر الأنباء عن وجود حماية أمنية مشددة شاركت فيها إضافة إلى قوات الأمن والجيش التونسية كل من فرنسا والولايات المتحدة لضمان عدم قيام «إسرائيل» بأي عمل يهدد المؤتمرين.

ويحسن بنا أن نشير إلى ظروف انعقاد هذا المؤتمر...

ليس الانتفاضة:

أستطيع القول إن الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة والمستمرة منذ أكثر من (۲۱) شهرًا ليست هي الدافع الأول لانعقاد هذا المؤتمر... رغم أهمية الانتفاضة وجدارتها واستحقاقها لأن تأتمر كل المنظمات الفلسطينية الوطنية والإسلامية أمثال هذه المؤتمرات من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية على صعيد دعمها وتطويرها وتصعيدها... ولقد لوحظ أن دعوات التنادي لهذا المؤتمر لم تبرز إلا مؤخرًا وبعد أن مضى على الانتفاضة أكثر من سنة ونصف السنة، الأمر الذي يدعم ما ذهبنا إليه من أن الانتفاضة لم تكن هي العامل الحاسم الذي دفع باتجاه عقد مؤتمر فتح.

 وليس الأوضاع الداخلية:

كما أستطيع القول: إن الأوضاع الداخلية في حركة فتح وازدياد الأصوات الفتحاوية المطالبة بحملة إصلاحات تنظيمية، لم تكن هي كذلك العامل الحاسم أو الأهم الذي لأجله عقد المؤتمر باعتبار أن هذه الأوضاع وهذه المطالبات بإصلاحها ليست وليدة اليوم... وإنما هي تراكمات السنوات المتعاقبة.. فالأمر كان يحتاج إلى مثل هذا المؤتمر بعد حصار بيروت وبعد الخروج من بيروت من أجل تقييم الموقف والقرار الفلسطيني في حينه.... والأمر كان يحتاج إلى مثل هذا المؤتمر كذلك بعد حركة الانشقاق الواسعة في حركة فتح والتي أفرزت «فتح الانتفاضة» بقيادة العقيد أبي موسى... وكذا الحال بعد حالة الاقتتال في البداوى ونهر البارد..

تأكيد «هجوم السلام»:

ولعل الحدث الأوضح في مستجدات الشأن الفلسطيني هو ما يسمى بهجوم السلام الفلسطيني والذي كرسته الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في ١٥ نوفمبر ۱۹۸۹ وما نتج عنها من إعلان الاستقلال والبيان السياسي للمنظمة.. والاستناد في إعلان الاستقلال إلى قرار التقسيم رقم ١٨١ لسنة ١٩٤٧ وما يعنيه ذلك من قبول الطرف الفلسطيني بدولة «إسرائيل» ووجودها على الأرض المحتلة عام ١٩٤٨... وما تلا هذا الحدث إلهام والحاسم من تطورات في موقف الطرف الفلسطيني من خطاب جنيف إلى قبول الشروط الأمريكية الثلاثة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والموافقة على قراري ۲٤٢ و ۳۳۸ ونبذ الإرهاب كل هذه التطورات قوبلت بارتياح الأوساط «الرسمية» العربية والغربية ومن جانبها فقد فتحت الولايات المتحدة الحوار مع المنظمة مقابل هذا التحول في الموقف الفلسطيني.

والمؤتمر الخامس لحركة فتح يأتي – كما يشير إلى ذلك العديد من المراقبين وكما ذكرت ذلك إحدى الصحف المحلية نقلًا عن مصادر خاصة يأتي في سياق ما يسَّمى بعملية السلام... وهو بشكل أو بآخر إحدى متطلبات الاستمرار بهذا الطريق... ففي إحدى جولات الحوار الفلسطيني – الأمريكي كما تقول هذه المصادر كان هناك طلب أمريكي واضح بأن يتم تَبَنِّي القرارات التي اتخذت في الدورة الـ ۱۹ للمجلس الوطني من جانب المؤتمر العام لحركة فتح ... للاطمئنان بأن هذه السياسة وهذا التحول وهذه الأطروحات هي بالفعل إستراتيجية جديدة للطرف الفلسطيني وليست تكتيكًا... فهم يخشون أن يكون الطرف الفلسطيني يخدعهم، فيقول للغربيين والأمريكان ما يشاءون أن يسمعوه، ثم هو داخل أطره وكوادره يقول غير هذا.... هم يريدون التأكد بأن لهجة الخطاب الفلسطيني هي هي واحدة لا تتغير في مجال مخاطبة العالم الغربي و«إسرائيل» وكذا في مجال مخاطبة الشعب الفلسطيني وعناصر المنظمات وحتى في عملية التعبئة الداخلية.

ويأتي الآن السؤال: لماذا هذا الطلب؟! ولماذا حركة فتح بالذات؟!

يعود هذا الطلب لسببين رئيسيين كما تشير هذه المصادر، وكما ذكرت صحيفة السياسة: الأول: أنه جرى أحيانًا أن تقوم إحدى المنظمات الفلسطينية الأعضاء في المنظمة بممارسة سياسات مغايرة لما يتم الاتفاق عليه داخل المجلس الوطني.

 الثاني: أنه لوحظ للإدارة الأمريكية أن عددًا من عناصر فتح قد عارض قرارات المجلس الأخير وهؤلاء رغم قلتهم إلا أنهم يشكلون لأمريكا قلقًا خشية أن يكونوا نواة رفض حقيقية يمكن أن تتسع يومًا ما... إذن هذا الطلب هو بمثابة ضمانة أو تعهد وتأكيد من أكبر فصيل في المنظمة بأن المواقف الفلسطينية الأخيرة هي فعلًا استراتيجية وليست تكتيكية.. وهذا الطلب من فتح بالذات باعتبار أن فتح كما قلنا هي أكبر فصيل في المنظمة وهي التي تمسك بمقاليد الأمور فيها وهي التي توجه العملية السياسية للمنظمة باعتبار أن الخطاب الفلسطيني الأخير هو خطاب فتحاوي أولًا وأخيرًا.

مؤتمر عرفات:

وعن المؤتمر ومداولاته وقراراته يمكن القول إنه بالرغم من كل ما قيل عن الحوارات الساخنة والجريئة داخل المؤتمر إلا أنها تبقى من نوع المداخلات الاعتيادية قياسًا على خطورة الأوضاع التي مرت بها القضية منذ المؤتمر الرابع... وقد لوحظ أنه ما من أحد من المتحدثين في جلسات المؤتمر اعترض على قرارات الدورة الأخيرة للمجلس الوطني وكان هناك إجماع على تثبيت تلك القرارات، وقد أكد مسؤولون في المؤتمر أن غالبية المندوبين رفضوا تحديات المتشددين لعرفات وصرح المستشار السياسي لعرفات، نبيل شعث أن المؤتمر «يشهد مناقشات ساخنة ومتوترة حول المسائل السياسية» وقال: «في الحقيقة إنه مؤتمر عرفات».

وفي إحدى جلسات المؤتمر خاطب عرفات منتقدي القيادة الفلسطينية من الذين تكلموا قبله واتهمهم بأنهم يحاولون المزايدة، لكنه أكد عدم الخضوع لما وصفه بالابتزاز، وكذلك عدم مجاملة من وصفهم بالمتطرفين... ولاحظ عرفات أن بعض المتداخلين يغمزون من قناة اللجنة المركزية للحركة وقال أن الأجواء الديمقراطية في الحركة والمؤتمر لا تعني استغلال هذه الأجواء في تقريع القيادة... وفي نفس هذا السياق تحدث أبو إياد حول التمسك بثوابت الحركة وعدم الخروج عنها، لكنه استدرك بأن التحرك السياسي في المرحلة الحالية يتطلب مرونة دون توجيه اتهامات لأحد بالخيانة.

 وحسب ما ذكرته مصادر المؤتمر فقد تم الاتفاق على البرنامج السياسي للحركة والذي تحددت من خلاله «الثوابت» بالنسبة للمرحلة القادمة ومنها العمل على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحق تقرير المصير وحق العودة... وأما عن وسائل تحقيق هذه الأهداف فقد أكدت المصادر أنه تم الاتفاق على تنشيط الكفاح بمختلف أشكاله السياسية والعسكرية وتصعيد الكفاح المسلح واستمرار الانتفاضة ودعمها والعمل على عقد المؤتمر الدولي، فيما عدا ذلك فقد أخذت مواضيع الانتخابات والهياكل التنظيمية (اللجنة المركزية –المجلس الثوري– اقتراح تشكيل أمانة عامة) أخذت شوطًا كبيرًا من أعمال المؤتمر.

فتح... بين مرحلتين:

وإذا كانت حركة فتح قد حازت على تأييد وشعبية واسعة في السنوات الأولى لإنشائها فإن الأمر الواضح والثابت على طول الخط أن هذه الشعبية والتأييد أخذ بالضعف والضمور النسبِي في الأعوام التالية، وقد لوحظ أن الخط البياني لشعبية فتح كان دائمًا متعاكًسا في صعوده أو هبوطه مع حالة الانتصار للكفاح المسلح أو التحركات السياسية... ففي البدايات الأولى والتي كان التركيز فيها على الكفاح المسلح كطريق وحيد للتحرير ورفض الاحتلال بكل صُوَرِه وأشكاله ورفض الاعتراف بالوجود اليهودي ورفع شعار التحرير لكل فلسطين... في هذه المرحلة كانت شعبية فتح في أوجها ... بل إنه وبعد الرصاصة الأولى لحركة فتح والتي أطلقت في العام ١٩٦٥ احتشدت أعداد كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني للانضمام للحركة باعتبارها –في تلك المرحلة– كانت تعبر عن تطلعات الجماهير... حيث جمعت فتح في بداياتها الأولى إضافة إلى «البندقية المقاتلة» الفكر المعبر عن إسلامية القضية وإسلامية الشعب والأرض، الأمر الذي عبر عنه البيان الأول  للعاصفة «بسم الله الرحمن الرحيم»، اتكالًا منَّا على الله...... لقد نشأت فتح ليس بعيدًا عن عين الحركة الإسلامية الأمر الذي أعطى لفتح ذلك الزخم وحرك معها الشعب الفلسطيني وأفئدة الشعوب العربية والإسلامية... وتراجعت هذه الشعبية بعد ذلك واستمرت بالتراجع مع تصاعد أطروحات التكتكة السياسية والبرنامج السياسي المرحلي «النقاط العشر» وتهميش الكفاح المسلح إلى آخر هذا السيناريو.

 وقد بدأت شعبية الحركة الإسلامية بالتصاعد خلال السنوات الماضية بعد أن كانت الأحزاب والفصائل العلمانية والشيوعية قد استفردت بالشعب الفلسطيني، وبعد أن حاولت هذه الأحزاب –عبثًا– تشويه صورة الحركة الإسلامية وإثارة الشبهات حولها... تصاعدت شعبية الحركة الإسلامية وتعاظمت وبدأت تستقطب قطاعات أوسع من أبناء الشعب الفلسطيني الذي صدَّق شعارات الفصائل والأحزاب الأخرى ثم اكتشفت أخيرًا أنها قفزت على كل ثوابت الحق الفلسطيني والأمل الفلسطيني في الأرض والوطن والمقدسات... وغدت الحركة الإسلامية الفصيل والاتجاه الفلسطيني الأكبر والأوسع في فلسطين المحتلة، وغدت أطروحاتها المبدئية والثابتة هي الأطروحات الأقدر على تحريك جموع الشعب الفلسطيني والصمود أمام أطروحات العدو المحتل

ولقد كان الإسلاميون في السنوات الماضية وقبل أن يصل حال فتح إلى ما وصل إليه ينادون بمعاودة المزاوجة واللحمة بين الحركة الإسلامية وفتح... ويدعون هذه الأخيرة باستمرار العودة إلى روح البيان الأول للعاصفة وتبنِّي الفكرة الإسلامية والتعبئة الجهادية... لتلتقي الحركة الإسلامية بشعبيتها الواسعة وبفكرتها وأصالتها مع حركة فتح المقاتلة –في حينه– ليشكلا معًا طريق النصر... لكن هذه الآمال كانت تتبخر يومًا بعد يوم... لأنه ويوما عن يوم كانت تتبخر نقاط الالتقاء ونقاط التوافق بين الطرفين.

إننا إذ نقول ذلك نقوله بحزن وأسف وإشفاق على إخواننا وأبناء جلدتنا؛ لأننا كنا ولا زلنا نطمع أن نكون وإياهم في خندق واحد في مواجهة العدو المحتل..

  • الأمل الفلسطيني... الحركة الإسلامية:

وفي خضم الانتفاضة المباركة وردت أنباء عديدة نشرنا بعضًا منها في المجتمع تفيد بحدوث حالات هجرة معاكسة من فتح إلى حركة حماس حيث أصبح العديد من أبناء فتح يرى أنه في الظرف الراهن أصبحت حماس أكثر تعبيرًا عن تطلعاته وأكثر قربًا منه من حركة فتح.... ولعل السبب في هذا واضح ... وهو عمق الخير في نفوس هؤلاء واستمرار أثر «التربية الأولى» لحركة فتح المرتكزة على انتقاء العنصر الفلسطيني المسلم والمجاهد، قبل أن تتحول فتح إلى وعاء لكل الأفكار والمذاهب وقبل أن يرفع شعار «البندقية هي المضمون الفكري للمقاتل» فالتقى البعثي والشيوعي والعلماني والمصلحي على هذا الشعار.... الذي أثبتت الأيام فشله وعجزه عن توحيد حركة فتح عوضًا عن توحيد الشعب الفلسطيني .... وكانت من نتائجه المحزنة أن وجهت البندقية الفلسطينية إلى الصدر الفلسطيني أكثر من مرة ... ولا زلنا نعتقد أن العقيدة الإسلامية والفكرة الإسلامية هي التي يجب أن يلتقي عليها أبناء شعبنا.. ولا زلنا نعتقد أن المستقبل للحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة، وهذا يقتضي من الحركة الإسلامية أن تضاعف جهودها وفعاليتها لتكون على مستوى المرحلة المقبلة وعلى استعداد لاستيعاب الساحة الفلسطينية وقيادتها.

 

الرابط المختصر :