العنوان تجديد « قاعدة» سد الذرائع وفتحها
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 2008
نشر في الصفحة 66
السبت 23-يونيو-2012
قاعدة «سد الذرائع وفتحها» هي واحدة من القواعد الأصولية الراسخة في تراث الفقه الإسلامي وأصوله، هي من القواعد العملاقة التي أحسن المسلمون فهمها وتطبيقها حينا، وأسوؤها أحياناً، وقد راعني التاريخ المعرفي لهذه القاعدة أن أمثلتها الشارحة لا تزال تتردد هي منذ أكثر من ألف عام دون أن تمتد إليها يد التجديد وخطر لي أن في استمرار تكرار الأمثلة الشارحة لأي نظرية أو قاعدة يكمن سر من أسرار الجمود، ويقبع سبب من أسباب تدهور الفاعلية العملية لهذه القاعدة أو لتلك النظرية. وهنا أحاول أن أختير صحة هذا الخاطر، وأن استحت همة الباحث والناظر فيما آلت إليه قاعدة الذرائع سدا وفتحاً في الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر.
أن« الأمثال » الشارحة التي تصادفها في كتب الفقه وأصوله أحد المفاتيح الذهبية التي تساعدنا على فتح مغلقات العلاقة بين نظريات الفقه وقواعده في مستواها التجريدي من ناحية، وتطبيقاتها في مستواها العملي والممارسات المجتمعية لها من ناحية أخرى ينطبق هذا على نظرية المصلحة ونظرية الاحتياط مثلا، كما ينطبق على قاعدة« الذرائع سداً وفتحها» وقاعدة «درء المفسدة» ، وعلى غيرهما من القواعد في ب«المثال يتضح المقال»، أو «الحال»، ليس فقط كما قالوا قديماً وإنما يكشف« المثال»، جوانب من الواقع وقد يُؤَشِّر على الهدف العام في الممارسات الاجتماعية التي هي منتهى إرادات واضعي تلك القواعد والنظريات، وإلا لما كان لها من فائدة، ولما كان من معنى لقولهم: «لا خير في علم لا ينبني عليه عمل».
وإذا نظرنا مليا في المثل الذي يستخدمه المجتهد الأصولي أو الفقيه، سنجد أنه بمثابة المرأة التي ترتسم فيها ملامح العملية الاجتهادية وبقدر براعته في ضرب المثل والإتيان به في محله، بقدر نجاحه في إنجاز مهمته الاجتهادية والتعليمية في آن واحد.
أن «الأمثال»، هي خير تعبير عن عمل التجربة الاجتهادية والاجتماعية، الفردية والجماعية معا، وهذا يعنى ما نستشفه من عناية القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بضرب الأمثال. الغايات منهجية وتعليمية وتربوية وسلوكية وتغييرية متعددة، منها البيان، والإقناع والتذكير والتحذير والارشاد، والاعتبار والإصلاح. الخ، وغالبا ما تكون مادة «المثال»، مقتبسة من معطيات الواقع ومنتمية إلى مجال «الحس الاجتماعي المشترك».. وتعبر عن قناعات سائدة. أو ماثلة في مدركات السواد الأعظم من الناس. ولكن «الأمثال» قد تكون «افتراضية»، في بعض الأحيان بغرض التدرب على التفكير في المستقبل، أو لتوسيع الأفق ولو بالرياضة العقلية دون الوصول إلى حد مبالغة« الأرايتيين» وأيضا قد يكون هدفها هو توقع مآلات الأفعال في قابل الأيام، وفي جميع الأحوال يكون توظيف الأمثال «الواقعية» و«الافتراضية» من أجل استثمار سلطتها في تحصيل الاقتناع بصحة ما يقول هذا المجتهد أو ذاك.
وتكتسب الأمثال الشارحة لقاعدة الذرائع سَدًّا وفتحًا أهمية مضاعفة في معرض أقوال العلماء ودروسهم العلمية، ذلك لأن عدم توفيق العالم في اختيار «المثال» الشارح المناسب قد يؤدي إلى هدم جهده كله ويطرحه سُدًى، فالعالم الفقيه أو الأصولي عليه أن يدرك أن ارتباط «المثال» بسياقه المجتمعي مسألة تبدو ضرورية، حتى ولو كان المثال من النوع الافتراضي...الا يستحيل مثلا أن يطرأ على ذهن عالم من أبناء القرن الثاني الهجري أن يشرح لطلابه قاعدة سد الذرائع في مسألة من مسائل البيوع تختلط فيها المصالح مع المقاصد: بأن يضرب مثالاً شارحاً لهم بصفقة طائرات« إف ١٦»أو صفقة سيارات دفع رباعي.. ولكن الأرجح هو أن ذلك المجتهد كان عليه أن يلتقط واحدة من المعاملات السائدة في بيئته التي يعرفها ويعرفها طلابه وأبناء مجتمعه، وهو ما حدث فعلا وورد مثلا في موطأ« ابن وهب» (١٥ – ١٩٧هـ / ١٩٥م)، ففيه مثال «حمار ربيعة»، الشهير الذي ولد السادة المالكية منه أربعاً وعشرين مسألة في باب« سد الذرائع»، في بيوع الآجال وبمعايير زمنهم ومعطيات مجتمعهم الذي عاشوه وعايشوه، فإن مثالهم الشارح، حمار ربيعة، قد أدى وظيفته وأنهى مهمته ولا تتريب عليهم فيما قالوه أو فعلوه.. أما غير المقبول وغير المعقول أيضا أن يظل «حمار ربيعة»، يتردد كمثال مرجعي شارح بعد ألف ومائتي سنة لأبناء القرن الخامس عشر الهجري على لسان أحد أشهر علمائه وهو يقول قبل بضع سنين:« مسألة« حمار ربيعة ذكرها بن وهب عنه في موطنه. قال حدثني الليث بن سعد قال كتب إلى ربيعة يقول في رجل باع حماراً بعشرة دنانير سنة، ثم استقالة فأقاله بريج دينار عجله له. وآخر باع حمار .. الخ».
واللافت للنظر هو أنه نادرا ما يخطر على بال أحد من معاصرينا أن يضرب مثالاً جديداً يكون أكثر ملاءمة لتوليد مئات المسائل في سد الذرائع التي تجلب المفاسد وتضيع المصالح بكفاءة منقطعة النظير في زمننا هذا، لم تعرف فقيها أو أصوليا معاصراً ضرب مثالاً على المعاملات البيوع بصفقة « إف» ١٦ .. أو« سيارات دفع رباعي»، رغم أهمية مثل هذه الصفقات في دفع العقل الاجتهادي إلى النظر في صميم المصالح والمقاعد العامة التي تشمل مجتمعنا المعاصر كله، ولم تسمع أحدهم يشرب مثلا – على الأقل – بـ صفقة قمح، مستوردة من روسيا، أو أمريكا، أو حتى صفقة ملابس جاهزة واردة من الصين أو الهند ويتخذها مثالاً شارحا، أو حالة تدريبية على كيفية إعمال قاعدة الذرائع فتحًا وسَدًّا بحساب المصالح والمفاسد في باب المعاملات والبيوع التي تؤثر على قطاعات واسعة من أبناء المجتمع ترى أو أن ربيعة حيا بين أظهرنا اليوم كان يسأل عن حمار ثمنه عشرة دنانير، أو أن يولد السادة المالكية منه أربعا وعشرين مسألة؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل