العنوان تجربة مثيرة.. في مواعيد العمل!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
مشاهدات 74
نشر في العدد 79
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
تجربة مثيرة.. في.. مواعيد العمل!
إطالة العطلة الأسبوعية مع الاحتفاظ... بنفس ساعات العمل!
في شهر يونيو الماضي نشرت إحدى المجلات الأمريكية خبرًا صغيرًا في الباب المخصص للأعمال والاقتصاد ومفاده: إن بعض الشركات تجري تجربة جديدة تحاول بها تغییر نظام العمل، والراحة الأسبوعية المعمول به؛ بحيث يكون أسبوع العمل أربعة أيام بدلًا من خمسة، وتكون العطلة الأسبوعية ثلاثة أيام بدلًا من اثنين.. ولكن بدون أن يؤثر ذلك على عدد ساعات العمل الأسبوعي الأربعين.. وبذلك بدلًا من أن يعمل المواطن ثماني ساعات في اليوم لمدة خمسة أيام، نجده في النظام الجديد يعمل عشر ساعات يوميًا لمدة أربعة أيام؛ فيبقى عدد ساعات العمل الأسبوعي كما هو أي أربعين ساعة...
وفي الأسبوع الماضي نشرت مجلة النيوزويك تحقيقًا خاصًا ولیس مجرد خبر صغير من هذه التجربة تعرضت فيه لكل جوانبها.. من ناحية موقف أرباب الأعمال الحريصين على كمية إنتاج أسبوعية معينة؟ من ناحية العمال وهل يرهقهم عشر ساعات يوميًا من العمل؟ تأثیر ساعات الفراغ الطويلة على الروح المعنوية والكفاءة الإنتاجية للعاملين؟.. إلخ..
وقد انتشرت هذه التجربة في أنحاء الولايات المتحدة؛ حتى وصلت إلى دوائر الحكومات الإقليمية، بما في ذلك رجال الأمن والبوليس في حكومات الولايات المختلفة.
ولا شك أن نجاح التجربة في القطاع العام؛ سيشجع القطاع الخاص والشركات لتبنيها وتقبلها، فعند بدء انتشار الفكرة نفذتها خمسمائة شركة فقط في أمريكا فقط زاد هذا الرقم بصورة هائلة؛ حتى وصل عدد الشركات التي تدخل في نظام أربعة أيام عمل في الأسبوع ستين شركة كل يوم.. وقد جربت بعض المؤسسات هذه الفكرة لبعض الوقت ثم تركتها بسبب أن موظفيها -وبالذات من النساء- لم يستطيعوا أن يتحملوا مجهود عشر ساعات عمل متواصلة في اليوم.. ولكن المسئولين في هذه الشركات التي تخلت عن الفكرة لاحظوا ارتفاع الروح المعنوية بين العاملين أثناء تطبيق هذا النظام الجديد.. كما لاحظوا أن نسبة التغيب وادعاء المرض قد انخفضت إلى حد كبير، وفي بعض الحالات لوحظ أن الإنتاجية الجدية للعامل قد زادت عما كان عليه الحال من قبل، بالرغم من أن عدد ساعات العمل بقي كما هو، ولم تطرأ عليه أي زيادة.. وعلى الرغم من أن غالبية الشركات التي طبقت هذا النظام في البداية كانت من الشركات الصغيرة؛ إلا أن المؤسسات الكبرى بدأت تتخذ الاستعدادات لتنفيذ هذه الخطة مثل شركة تأمين جون هانكوك العملاقة، والتي يوجد في مركزها الرئيسي فقط ستة آلاف موظف، غير موظفي الفروع المنتشرين في ولايات أمريكا الخمسين، بالإضافة إلى ما يقرب من ۱۸٫۰۰۰ بائع.
وكبداية اختير ۲۹۰ موظفًا من الفروع للمساهمة في برنامج تجريبي لهذه الخطة الجديدة من ٧ سبتمبر حتى ٣ ديسمبر؛ وذلك حتى تتمكن الإدارة من دراسة تأثير العطلة الطويلة وزيادة ساعات العمل على الإنتاج ونفسية العاملين.
أما الصناعات الكبرى في الولايات المتحدة مثل صناعات السيارات وصناعة الصلب فتنظر شرزًا لفكرة أسبوع عمل من أربعة أيام فقط.. ولكن ضغط اتحادات العمال أجبر شركة كرايزلر، وشركة السيارات المتحدة على توقيع عقد جديد يتضمن القيام بدراسة تجريبية للفكرة، واحتمال تطبيق أسبوع عمل أقصر كعلاج للمشكلة المزمنة التي يعانون منها وهي تغيب العمال... ويقول نائب رئيس اتحاد عمال السيارات: إن إدارة هذه الشركات تنتظر تقرير خبراء التصنيع والإنتاج، وأردف قائلًا: «إنني أعتقد أن فكرة عمل أربعة أيام في الأسبوع فقط سوف تفرض على الصناعة فرضًا إذا أرادت أن تحصل على الإنتاجية والكفاءة من عمالها»..
والغريب في الأمر أن الزعامات العمالية الكبرى في الولايات المتحدة مثل جورج ميني رئيس اتحادات العمال الأمريكيين يعارض الفكرة، ويتخذ منها موقف الشك الذي يتبناه أصحاب الشركات والرأسماليون... أما إبراهام آبل رئیس اتحاد عمال الصلب فقد أعلن مؤخرًا: «بأن فكرة العمل أربعة أيام في الأسبوع فقط إنما هي خطوة إلى الوراء، وأن هدفنا هو تقصير أسبوع العمل، وليس العودة مرة أخرى إلى العمل عشر ساعات في اليوم، كما كان يفعل العمال إبان الثورة الصناعية»...
وفي الأسبوع الماضي نوقش الموضوع في الاتحاد العام للعمال الأمريكيين، ولكن لم يصدر قرار بشأنه وقد علق نات جولدفينجر الخبير الاقتصادي لاتحاد العمال بعد الاجتماع: «على أي الأحوال، إن العمل ثماني ساعات في اليوم يعتبر كسبًا عماليًا تحقق بعد مجهودات وتضحيات كبيرة من نقابات العمال».. والنظرية التي تتحكم في تفكير النقابات هي أن العمل أكثر من ثماني ساعات يوميًا يجب أن يدفع نظيره أجرًا إضافيًا يساوي الأجر العادي مرة ونصفًا.. وذلك بالطبع سيضع تکالیف اقتصادية باهظة على رأس المال في حالة تطبيق النظام الجديد، حيث تزيد ساعات العمل ساعتين..
وفي مقابل هذه المواقف والآراء المثبطة والمتشككة من جانب النقابات أو من جانب إدارة الشركات يبدو أن الفكرة تطبق بطريقة ناجحة وفعالة في مجال إدارات الأمن والبوليس المحلية التابعة للولايات والمجالس البلدية، وهو مجال يغيب فيه عاملان أولًا: فكرة الربح والإنتاجية، وثانيًا فكرة المساومة الجماعية، حيث لا يتصور أن يضرب رجال البوليس للمساومة وفرض مطالبهم...
والسبب الرئيسي الذي جعل إدارات البوليس تطبق هذا النظام: هو أن يوم العمل الطويل يعني تداخل ورديات العمل مع بعضها، وبذلك يستفيد البوليس من وجود قوة أكبر من المعتاد في الأوقات التي تكثر بها الجرائم..
ويقول موريس ویشن رئیس البوليس في لونج بيتش بولاية كاليفورنيا وهي أول إدارة للبوليس تطبق الفكرة الجديدة «إن الميزة الكبرى هي أننا نحصل على ثلاث ساعة عمل من رجال البوليس في خلال ساعات اليوم البالغة ٢٤ ساعة» ومنذ تطبيق النظام الجديد زادت كمية الجرائم والمخالفات التي يكتشفها البوليس في المنطقة، كما أن الروح المعنوية والإقبال على العمل سجل درجة عالية جدًا، والأهم من ذلك أن الإقبال على عمل البوليس والتطوع قد زاد زيادة كبيرة، وهي مشكلة يعاني منها البوليس في أمريكا؛ ولذلك انتشرت الفكرة في إدارات البوليس من تكساس وسان فرنسيسكو.
وككل ظاهرة جديدة في أمریکا بدأت الأوساط الأكاديمية تجري أبحاثًا ودراسات حولها.. ويدرس أحد أساتذة جامعة جورجيا تأثير زيادة العطلة الأسبوعية من يومين إلى ثلاثة على عادات شغل أوقات الفراغ وأثرها على الصناعات المنتجة لأدوات التسلية والترفيه..
وأصدرت إحدى السيدات الخاملات في نشر الكتب كتابًا أسمته: «أربعة أيام = ٤٠ ساعة» تتبعت فيه كل التطورات صغيرها وكبيرها بالنسبة لهذه التجربة الجديدة... ولاقى الكتاب إقبالًا واسعًا، وطُبع منه في الشهور الأولى ما يزيد على ٤٥ ألف نسخة.. ورغم أن الكتاب صدر من دار النشر التي تملكها السيدة ريفابور وهو اسم المؤلفة في الوقت نفسه، إلا أنها لا تطبق هذا النظام في شركتها، حيث يعاني الموظفون العاملون لديها من الارتباك وعدم انتظام ساعات العمل، وتقول السيدة ريفا: «إن الخدعة تكمن في أنه لا بد أن تعيد تنظيم العمل الأسبوعي للشركة، وبذلك يسير النظام وفقًا لمصلحة الشركة وليس ضدها»... وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل قادة نقابات العمال متشككين جدًا من خطة العمل أربعة أيام في الأسبوع بدلًا من خمسة... ولكن شكوك النقابات ليس العقدة الكبرى أمام تطبيق هذه التجربة على مستوى قومي، ولكن هناك مصاعب وعقبات أكبر من ذلك.. فمثلًا أكبر عقبة أمام هذه الخطة الرائدة: هو قانون العقود العامة الذي يطالب الشركات المتعاقدة مع الحكومة لتنفيذ مشاريع عامة أن تدفع أجرًا إضافيًا لأي عامل أو موظف لديها يعمل أكثر من ثماني ساعات.. وعلى أي الأحوال فقد وافقت مصلحة العمل في واشنطن على عقد اجتماعات وجلسات تسمع فيها آراء كل من ممثلي الشركات، وممثلي العمال حول الموضوع؛ لترى إن كان من الواجب عليها أن توصي الحكومة بإيقاف العمل بهذا القانون.. والعقبة الثالثة تتمثل في أن معظم الولايات الأمريكية لديها قوانين تحرم اشتغال المرأة أكثر من ثماني ساعات في اليوم.. ولكن هذه القوانين النابعة من عصر استغلال النساء والأطفال في المصانع في القرن الماضي أصبح من المستحيل العمل بها.. وبالفعل ألغت بعض الولايات العمل بهذه القوانين مثل: كاليفورنيا و ماساشوستس..
وفي ولاية ويسكونسن عادت شركتان للعمل بنظام أربعة أيام وأربعين ساعة في الأسبوع بعد أن كانتا قد أمرتا بواسطة المحكمة بإيقاف هذا النظام المخالف للوائح وقوانين الولاية التي تحرم العمل أكثر من ثماني ساعات يوميًا...
وأساسًا تأتي المعارضة القوية لهذا النظام الجديد من القادة والزعماء الكبار، سواء في صف رجال الأعمال والرأسماليين، أو في جانب الزعامات العمالية الكبيرة في الولايات المتحدة..
ويقول البروفسور كوين میلز خبير شئون العمل والعمال بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا «إذا طالت مدة الركود الاقتصادي؛ فهي الشيء الوحيد الذي سيجعل العمال يتخلون عن تفصيلهم لزيادة الأجور، أو التأمين الأفضل بدلًا من العمل أربع ساعات أسبوعيًا.. ولذلك أعتقد أن فكرة العمل أيام أقل في الأسبوع لن تنتشر في الاقتصاد الأمريكي»...
ولكن عمدة مدينة أتلانتا التي طبقت النظام في كل مناحي العمل الحكومي المحلي حتى دوائر البوليس فإنه يقول: «سوف يأتي اليوم الذي يطبق فيه الجميع فكرة أربعة أيام عمل في الأسبوع»...
ويعلق مدير أحد المؤسسات الكبرى قائلًا: «إن هذا النظام سيكون إحدى العلامات الرئيسية في مستقبل الشركة، ولكننا لا نعرف متى بالضبط سيعمم لدينا.. ولكن عزمنا قد عقد على ذلك».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل