العنوان تجربتي في التحرك بالقرآن (العدد 1623)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1623
نشر في الصفحة 60
السبت 16-أكتوبر-2004
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى دعوة لنعيش جنة الدنيا دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا تكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعا للقلب وذهابا للهم وجلاء للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًّا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
الطلاق
الطلاق من المشكلات الخطيرة التي تعصف بالأسر المستقرة الآمنة كالريح الحاصبة، ويترك في المجتمع بصمات سودًا من زوجة أسيرة لهواجس وتعقيد، فمشكلتها السابقة حاضرة في فكرها دومًا ، وأطفال حيارى، وإن كانوا مع أي من الوالدين فقد فقداهما معًا، وزوج متألم متخبط لا يدري من أمره شيئًا، يسأل نفسه دومًا: هل يسرع. بالزواج أم يتريث قليلًا؟ وكثير منهم ينسى الأولاد وكأنهم لم يكونوا، وتبدأ دوامة من المشكلات التي لا حصر لها، وهذه المشكلات لا تكون وليدة لحظة وتنتهي، ولكنها تبقى السنوات وسنوات، ولا يكاد المجتمع يفيق من مشكلة حتى تلحق بها أختها وتزداد البيوت التعيسة وتمتلئ المحاكم برجال أفاضل ونساء فضليات قد يسر الله لهم من قبل بيت السترة فكشفوا الحجاب لكل من يريد أن يسمع ويرى، والأطفال ليس لهم إلا الله يشكون له حالهم، فهذا أبوهم لا يطيقون عليه كلمة فكيف والمتكلمة أمهم؟ وهذه أمهم يريدون أن يفدوها بأرواحهم، فكيف والجارح لها أبوهم؟، أمر لابد وأن يكون الله سبحانه وتعالى قد أوجد له حلًا في كتابه الكريم، وبدأت كل منا في المسجد تهيئ نفسها للتحرك بآيات الخلاص والنجاة من هذا المنحدر الذي كلما انحدرنا فيه زاد انحدارًا حتى تأتي نقطة لا تستطيع منها فكاكًا.
وجاء وقت اللقاء للتخطيط للمرحلة المقبلة من حياتنا فقد تعاهدنا على التحرك بآية من القرآن، وألا نخضع في سبيل ذلك لأهوائنا أو أهواء من حولنا وكان الاختيار قول الله الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).
وبعد تفسير الآية لمعرفة كيفية التحرك بها وتنفيذ أمر الله الواضح من خلال الآية هتفت إحدى الأخوات: انتظرن قليلًا، ما هذا الذي تتكلمون عنه؟ هل المرأة التي يطلقها زوجها لابد لها أن تمكث في بيت الزوجية مدة العدة؟ أكدنا لها ذلك حيث إن هذا أمر من الرحمن الرحيم لعل الذي يحدث بعد ذلك أمرًا ولعل وجود كلا الزوجين معًا في منزل الزوجية - بعيدًا عن تدخل الأهل- يجمع بينهما بالخير، حيث إن خروج الزوجة من منزل الزوجية يؤدي إلى اشتعال فتيل يتسبب في حرق قلوب الجميع. فالشيطان في أجواء الغضب والشكوى والخلاف يتربع في النفوس ويصبح هو المسيطر الآمر الناهي. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى الفراق فنتسبب في فرحة شيطانية كبرى يحتفل من أجلها أعداؤنا الشياطين.
الجهل بالدين
قالت الأخت المستفسرة: يا ويلي فقد تسبب جهلي بديني في خراب بيتي وحرماني من أولادي، لقد وقع خلاف بسيط لا يستحق تسبب في غضب زوجي فأثرته بكلمات لا داعي لها فوصل به الغضب إلى إعصار شديد اقتلع معه حكمة زوجي فنطق بكلمة الطلاق فحزمت متاعي سريعًا وخرجت وعيني وقلبي يدمعان وبالفعل في بيت أهلي عند سماعهم بحكايتي أراد كل منهم أن يقتص لكرامته من زوجي من خلالي، وأراد زوجي أن أمكث بمنزلي فنظرت له باستنكار شديد كيف يريدني أن أمكث في بيتي وقد نطق بطلاقي! فهذا زوج لا يصلح على الإطلاق! هكذا سولت لي نفسي، فقد قرأت هذه الآية الكريمة كثيرًا ولم أفهمها أبدًا ولم أحاول أيضًا أن أفهمها. وهكذا تم فراقي الزوجي بعد انتهاء العدة مع ارتكاب إثم الخروج من المنزل في فترة العدة، نعم إثم مخالفة أمر الله.. يا ويلي وأخذت تنتحب وتقول من خلال دموعها.. أرجوكم استمرا على ما تعاهدتن عليه من تحرك عملي بكتاب الله.
أفقنا من حسرتنا وقد تسببت قصة اختنا في عقدنا العزم بإصرار على السير في طريق التحرك بالآية الكريمة. وبعد فترة من الزمن لا تزيد على عدة أشهر أردنا أن تسمع تجارب الأخوات في تطبيق هذا القول الكريم.
قالت إحداهن: منذ أن تعاهدت مع المولى جل وعلا أن تكون الآية الكريمة في أقوالي وأفعالي وأنا أسأله دومًا أن يعينني على التحرك بها عند الاصطدام بواقع فعلي حقيقي ليترتب على ذلك تحرك عملي، ولم يتأخر هذا الواقع كثيرًا حيث إن زوجي كثيرًا ما يفتعل المشاحنات افتعالًا. وقد كنت من قبل تحركي بالآية الكريمة لا أطيق منه ذلك وأنفعل أنا أيضًا وينظر ولدنا الصغير إلى كل منا وقد كساه الصمت الحزين وهو أبلغ من كل كلام وحديث، وكنت أنا وزوجي في هذه الحالة لا يرى أحدنا إلا نفسه ولا يكاد يسمع أصلًا ما يقوله كل منا إلى الآخر.
وتكرر نفس المشهد بجميع ملابساته ولم يتغير فيه إلا قلب أصبح معلقًا بالله تريد كل أعضائه أن تترجم القرآن الكريم ترجمة عملية. ففي هذا اليوم كنت حريصة تمامًا على عدم إثارته، حيث إني كنت في ضيق شديد وأريد أن أخرج من بيتي إلى المسجد القريب حيث ملاذي وراحتي، أو أذهب إلى أي من الأخوات لعلها تكشف عني ما أشعر به من كرب بكلماتها الطيبة وعباراتها العذبة التي تنساب من بين شفتيها فتنزل بردًا وسلامًا على القلوب، فلم أرد عليه في هذا اليوم، وقد كان زوجي في أقصى حالات انفعاله ووصل به الأمر إلى التلميح بتفكيره في طلاقي.
كظم الغيظ
تمهلت كثيرًا في أن أرد عليه وسيطرت على نفسي سيطرة تامة بذكر الله وتسبيحه وتقديسه، فمعنى أن ينطق زوجي بكلمة الطلاق حبسي في بيتي عدة أشهر وأنا لا أطيق ذلك. ولا أطيق البعد عن الرحاب الطاهرة في بيوت الله حيث تناولنا للآيات ومحاولة تحركنا بها فقد أضاءت هذه الأفعال كل حياتي بنور رائع لم أكن أشعر به من قبل وأنا التي أتلو كثيرًا آيات الله، ولكنها لا تتعدى حنجرتي ولساني وعندما صمت انتبهت إلى ولدي وقد ركز بصره على والده وكأنه يتوسل إليه أن يصمت كصمتي.. أخذت ولدي في أحضاني وأخذت أتوسل إلى الله في نفسي أن ينزل الهدوء على زوجي.. ورويدًا رويدًا بدأ ينقشع غمام الغضب من نفس زوجي وبدأت أفعاله بالهدوء ثم جلس مستغفرًا وأنا في مكاني لم أبرحه مسبحة ذاكرة متوسلة إلى المولى. وبعد أن هدأ كلانا وفي لحظة ود ورحمة اعتذر لي قائلًا: كم كنت أخشى أن تردي عليّ كعادتك فقد كانت كلمة الطلاق على لساني فلماذا لم تطلبيها كعادتك؟ قلت له: لقد أدبني ربي بكتابه وأحكامه، فقد كنت أتصور من قبل أن في طلاقي انطلاقي، ولكنه تصور خاطئ يصطدم تمامًا مع التطبيق العملي لكتاب الله، ثم قالت لنا: ومنذ هذا اليوم وانا وزجي نعيش سويًا في سلام وتألف وحب لم تعهده من قبل، حيث إن لساني كف عن قول طلقني، فطلاقي يعني حبسي وليس انطلاقي كما كان يصور لي ذلك شيطاني، وزوجي أيضًا تراجع كثيرًا عن انفعالاته ومشاحناته، حتى لا يضطر إلى الكثير من الاعتذار والأسف أمام ردود أفعالي الهادئة له. وكم أنا شاكرة لله أن يسر لنا أمر فهم القرآن، وكان معينًا لنا في التحرك به شكرًا يليق بقدرته وعظمته سبحانه.
أطلت أخت برأسها من الخلف تريد أن تتحدث ثم تراجعت على استحياء وترددت قليلًا ثم استجمعت شجاعتها وطلبت الإذن بالتحدث وبعد الإذن قالت: زوجي رجل طيب القلب، ولكنه شديد الانفعال، عجول في قراراته وتصرفاته، ولا أنكر أني كنت عنيدة معه بعض الشيء.. لا يكاد يتفوه بكلمة إلا وكان ردي عليه بكلمات، ولا يتصرف تصرفًا إلا ويجد مني النقد الشديد، ولا يأمرني بأمر إلا ويجد نفسه أمام صخرة كؤود، وفي مرة من هذه المرات وبعد انتهاء زوبعة من زوابعنا العديدة المتكررة ناداني فاستجبت لندائه بكل براءة متصورة أنه بريد مصالحتي فقال لي: يا فلانة أنت طالق!! صرخت في وجهه وقلت له: ماذا تقول؟ وأولادي؟ أولادي الخمسة، ماذا سيكون مصيرهم، كيف هان عليك أن تتفوه بها؟ فوجدته كجلمود صخر وكأني لا أصرخ وكأني لا أولول، هرعت إلى حجرتي وأحضرت الشنطة، ووضعت فيها ثيابي بعصبية شديدة لا أحمد عليها وسط صرخات أطفالي وصياحهم الذي يذيب أقسى القلوب كالشمعة المحترقة، وبعد أن أغلقت شنطتي، أغلقت قلبي تجاه هذا الرجل القاسي الذي هانت عليه كل هذه السنوات الطوال، وهممت بالخروج وإذ بقوله سبحانه يمنعني ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ (الطلاق: ١).
أغلقت الباب ورجعت إلى غرفتي، وجلست أفكر يا الله.. ماذا أفعل الآن؟ وانتابتني نوبة من البكاء المتواصل وبجانبي أطفالي يحاولون تهدئة خاطري ومسح دموعي وبعد أن هدأت قليلًا إذ بزوجي على باب الحجرة يقول لي: لماذا لم تذهبي، ألم أطلقك!! قلت له بانكسار يمنعني شيء عظيم. قال باستهزاء وما هو هذا الشيء العظيم؟ قلت له: الله.. فقد منعتني آية في كتاب الله قال لي: تتمسحين الآن بالقرآن وأين كان وأنت تعصين أو أمري ولا تقومين بحقوقي تجاهك؟ أنت الآن امرأة مطلقة ولا يحل لك البقاء هنا قلت له: هذا قولك، ولكن مالك هذا البيت يقول غير ذلك ورددت الآية الكريمة: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (الطلاق: ١).
فأمره نافذ علي وعليك ولن أعصيه بعد ذلك، وكفاني ما لاقيت من عدم تحركي بالقرآن، وعندما وجد إصراري على البقاء لم يجد أي بد من التسليم والإذعان لأمر الرحمن.
كنت يا أخواتي فرحة في داخلي وأشعر بسعادة وانشراح لبقائي في بيتي ومع أولادي ولا أظهر هذا الفرح بالطبع أبدًا، ومرت الأيام ثقيلة متعاقبة، وأنا أحاول أن أتودد إلى زوجي لعمل كل ما يسهم في راحته طعامه ومنزله ملابسه كل شيء. وسبحان الله دومًا أتذكر ما كنت أفعل مع زوجي من قبل وأعض أصابع القدم، وأصلي وأستغفر الله وأسأله أن يمنحني فرصة أخرى مع زوجي حتى أستطيع أن أفوز بقلبه، فهو بالفعل رجل طيب القلب، وكان يجب عليّ أن أفهمه وألا أترجم حلمه عليّ بأنه ضعيف المهم حتى لا أطيل عليكم بعد مرور شهر كامل بدأ زوجي يتكلم معي، ورويدًا رويدًا بدأ كل منا يقترب من الآخر ويحاول جاهدًا أن يرضيه ولم ينقض هذا الشهر إلا وقد منحني الله الفرصة التي طالما دعوته بها وردني زوجي فانفتح قلبي له وأشرقت نفس بعودتي له وقلت صدق ربي وهو الصادق الحكيم.
﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).
عودة العلاقة
فقد حدث هذا الأمر لي وعادت علاقتي بزوجي بأحسن ما تكون، بل أحسن مما كانت عليه من قبل فسبحانه خالق النفوس العالم بأحوالها، فأمر وجود المطلقة في منزل الزوجية لحين انتهاء العدة أمر رائع وحل حكيم، وفي نفس الوقت تنفذه الزوجة بلا حرج، لأنه أمر من الله فلا يؤثر على كرامتها وما إلى ذلك مما تحتج به النساء لخراب بيوتهن.
ثم سجدت لله شاكرة معظمه آياته. هذه تجارب رأيناها وسمعناها وكلها تشهد للحكيم بالحكمة وللعليم بالعلم.. فسبحانه هو القادر الوحيد على تغيير كل ما ورثناه من جهل وعدم دراية بكثير من الأمور، فحبل الله المتين الموصول إليه لينجينا من الظلمات إلى النور هو تحركنا بآيات الله وأن تكون ردود أفعالنا تبعًا لأوامر الرحمن سبحانه.
هذا غيض من فيض فقد توالت بعد ذلك التجارب وسمعنا شهادات حركية تطبيقية لكتاب الله كان فيها سعادة البيوت وتنزل السكينة والطمأنينة على أهلها لمن أراد فهم الإصلاح بالقرآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل