العنوان تجربتي في التحرك بالقرآن.. بِر الوالدين
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004
مشاهدات 54
نشر في العدد 1625
نشر في الصفحة 42
السبت 30-أكتوبر-2004
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاًء للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
من السهل واليسير أن نتكلم عن بر الوالدين، وتعقد من أجل ذلك الدروس والدورات، ولكن تنفيذ ذلك بشكل عملي حركي ليس له نفس السهولة ولا نفس اليسر فهو أمر يحتاج إلى إيمان عميق بالله يتبعه صبر وعذوبة لسان المرأة، وإن التعامل الدائم البار مع الوالدين كما أمر الله الذي لا يطلع أحد على أسراره هو من الأعمال الصالحة التي تفوح منها رائحة الإخلاص وهو دليل على إصرار العبد على طاعة الله ودوام هذه الطاعة، لذا فقد وجدنا أن من الركائز المهمة والأساسية التي تدرب الإنسان على صدق النوايا وحسن العمل بر الوالدين برهما كما أمر سبحانه وتعالى وكما أرشدنا إلى كيفية تنفيذ هذا الأمر رسولنا ﷺ وقد حاولنا أن نتدرج في أمر الله خطوة خطوة لذا فقد اتفقنا سويًا أن يكون تحركنا بداية بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ ( الإسراء: 23).
بعد أن تم شرح الآية والحديث عنها كالمعتاد، كان الاتفاق المبدئي ألا نؤذي الوالدين بكلمة أو فعل مهما قالا أو فعلا، وبدأنا في خوض التجربة ، ثم التقينا بعد فترة لتسرد أخت تجربتها العملية في التحرك بهذا الشق الكريم من الآية الكريمة.
بدأت الأولى حكايتها فقد جاءت والدتها لزيارتها وكان يبدو عليها الوجوم والحزن وعندما سألتها مستفسرة قالت لها: إن أختك قد تأخر - زواجها كثيرًا، وقد قالوا لي إنها أكيد مسحورة أو أن عليها جانًا يمنع زواجها، وعليه فلا بد وأن تساعديني وتذهبي معي لرجل دلوني عليه لكىّ يساعدني في زواج أختك تسمرت عيناها وانساب من بين شفتيها قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ ( الأنعام: 17).
احتدت الأم في حديثها وقالت لها إني سأرفع مكروهًا عن ابنتي وماذا في ذلك؟ فإني لن أؤذي أحدًا بما أفعل؟ ولكنك لا تريدين مساعدة أختك احتد بينهما النقاش وصور نقاش وصور الشيطان لأختنا صاحبة القصة أنها على حق وبالفعل هي على حق، ولكن زين لها أن تدافع عن هذا الحق بباطل فبدأ صوتها تحت إلحاح هذه الحجة يعلو على صوت أمها، ولكنها تذكرت الاتفاق وتذكرت الآية فغشيها الهدوء، وبدأت فورًا تغير من أسلوب معالجتها لهذا الموقف، فانكبت على يد والدتها تقبلها وتعتذر لها وتحاول أن تستجلب رضاها عنها، وبعد أن هدأت الأم قالت لها: متى تأتين معي إذن؟ فهذا الرجل قد ذاع صيته في كل مكان ولابد وأنه سيساعدني على زواج ابنتي فإني سأجزل له العطاء.
قالت لها ابنتها بعطف ورجاء، ولكن هناك من يقدر على مساعدتك ولا يأخذ منك مالًا، ونتائجه مضمونة، بل إنه سيساعدك أنت شخصيًا على الطمأنينة وراحة النفس إلى أن نجتاز هذه المحنة.
قالت لها الأم: سبحان الله ولكن لم تخبرني صديقاتي به، ولكن ليس هناك أية مشكلة فلنذهب إليه ما دمت تعلمين قدرته.
قالت الابنة: نعم إن قدرته تفوق الحدود فقط إن أراد الشيء يأمره أن يكون فيكون فورًا، كما أنه لا يأخذ منك مالًا فهو الغني ما عليك يا أماه إلا أن تقابليه وتسأليه.
استراحت الأم لحديث ابنتها كثيرًا وقالت: والله إني قد استرحت له من حديثك عنه فليتك تسرعين بأخذ موعد عاجل معه قالت الابنة سنقابله الآن فهو معنا التفتت الأم يمنة ويسرة بارتباك شديد وقد التفتت الابنة ناحية القبلة وبدأت تناديه وتناجيه ربي إلهي يا من بيدك كل شيء يا من قدرتك تفوق كل قدرة بل ليس لأحد قدرة إلا بك يا من تجيب دعوة المضطر إذا دعاك وتكشف السوء أتيتك وأمي ووقفنا ببابك وليس لنا سواك ربًا قادرًا مالكًا مسيطرًا وأنت الواحد الأحد لن تبرح بابك فعندك سبحانك سؤلنا، ووحدك تستطيع فك كربنا، واسترسلت في تضرع وذلة واستعانة به سبحانه.
أجهشت والدتها بالبكاء وسجدت لله مستغفرة تائبة متوسلة سائلة وانسابت دموع الأخت الفاضلة تأثرًا بمناداة والدتها لله، فلأول مرة تراها بهذا التسليم المطلق وهذا الخضوع المزلزل للقلوب، انتهت من سرد تجربتها وقد انسالت دموعنا، وقد بدأت كل منا تسأل الله سبحانه ما ترجو وما تتمنى فهو بالفعل الوحيد القادر على إجابة الدعاء وتلبية الرجاء.
هل يمكن أن أشارك معكم وتسمعوا تجربتي مع قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ ( الإسراء: 23),
اتجهت أنظارنا إليها فهى فتاة لم تتعد العشرين قالت: « إني وحيدة أمي وأبي ولذا فهما يقومان برعايتي على أفضل ما يكون ويلبيان لي كل ما أطلب وكانت الأمور تسير على ما يرام ونحن نعيش الدنيا بكل ما فيها حرامها وحلالها حتى أكرمني الله بلقائكن، فكان الدنيا أرادت أن تطلعني على أحلى ما فيها وهو القرآن، وبمعنى آخر أصبحت هناك متعة كبيرة أن أستسلم للآية فتتحرك من خلالي ويتعرف الناس عليها من تصرفاتي وأفعالي وبدأت المشكلات الكبيرة بيني وبين والدي، فهما يريدانني أن آخذ من الدنيا ما يتصوران أن فيه سعادتي، فلابد من مصاحبتهما إلى النادي وليس هناك مانع من مصادقة الفتيان ويطلبان مني ممارسة الألعاب الرياضية وارتداء الثياب غير اللائقة لأحوز إعجاب الجميع ولابد من مشاركتي في الألعاب الرياضية وكأنني أؤدي هذه الألعاب وهذه الحركات ليراني الفتيان بكل أوضاعي وقد ظهر من جسمي بسبب تلك الملابس أكثر مما خفي لا بد لي من مصاحبتهما إلى المسرحيات مهما كانت مبتذلة وهابطة، بالطبع بعض ما ذكرت لكم يتنافى تمامًا مع ما تدعونا إليه هذه الآيات الكريمة في بداية الأمر صرخت في وجههما، وكنت أدخل حجرتي وقد أغلقت بابي دونهما، وألقاهما بوجه متجهم عابس، وكنت متصورة أن ما أفعله هو قمة الطاعة لله فهو جهاد كما كنت أتصور ولكني عندما أردت أن أتحرك بقول الرحمن: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ ( الإسراء: 23) تغير الوضع تمامًا فقد حلت الابتسامة بدلًا من العبوس وفتحت بابي وجلست معهما أتكلم بلطف وود ظاهر لهما، بل وأحاول تقديم العون لهما برحمة بل بدأت أشكرهما على ما بذلا من أجلي طوال هذه السنوات وأحاول أن أعرض عن اندهاشهما وكأني لا أرى إلا تطبيق الآية الكريمة، ورويدًا رويدًا بدأت أطلعهما على صديقاتي وأصدقائي الجدد فهذا الفعل يرضي الله في قوله تعالى كذا، وهذا التحرك يرضي الله في قوله تعالى كذا.
وجدت أمي وقد تأثرت كثيرًا بقولي، بل وطلبت مني المزيد، وقد لاحظت على قسمات وجهها مدى التأثر والندم على ما فاتها، وهذه هي أمي معنا الآن وقامت الفتاة وقد ضمتها أمها إلىٰ حضنها وأغرقت وجهها بالقبلات وقد تأثرنا كثيرًا بقدرة الله سبحانه علىٰ تحويل القلوب وإسباغ النعم على عباده.
تحركت أخت من مكانها ونظرت إلى الفتاة ووالدتها وقالت: سبحان الله كيف حدث ذلك؟ فإن والدتي لم تتقبل مني أي شيء، وحاولت طوال هذه الفترة السابقة أن أرضيها بلا جدوى، قلنا لها وأين الصبر يا حبيبتي؟ فعلينا بالعمل الذي يرضي الله وعليك بتحقيق الآيات الكريمة في أفعالك وتصرفاتك مع الدعاء لله سبحانه، فالقلوب بيده وحده يتصرف فيها كيفما شاء وكيفما أراد المهم أن تستمري في تطبيق القول الكريم في نفسك ولا تيأسي أبدًا من روح الله وتعاهدنا جميعًا أن ندعو لها في جوف الليل إلهًا قديرًا مقتدرًا سبحانه وتعاهدنا في نهاية اللقاء على الاستمرار في التحرك بقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ (الإسراء: 23)
ونزيد عليها: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ ( الإسراء: 23).
نتعايش مع الآية ترددها حتى تسكن في قلوبنا ثم نتحرك بها جوارحنا وحواسنا ولنا لقاء لنشهد هذه التجارب العملية ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ (الإسراء: 23).
يبدو الأمر كما لو كان سهلًا، ولكن لكل إنسان عادات يتربى عليها ويصبح من الصعب تغييرها فطريقة التحدث مع الوالدين تختلف من شخص لآخر، فبينما نجد شخصًا دائم العبوس في وجه والديه وبالكاد يرد على حديثهما، نجد آخر يتكلم معهما بشكل تقليدي عادي، ونجد آخر جافًا في تعامله معهما بدون أن يشعر هو بذلك، ونجد أخرىٰ لا تتذكر أنها في مرة قد قامت بتقبيل والدها أو والدتها ولنعرض التجارب الشخصية فسيكون فيها التوضيح الكافي.
فها هي أخت تسرد لنا التجربة الخاصة بها قالت:
حينما كنت أردد قوله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ ( الإسراء: 23) قلت: إن الأمر لا يتعدى بضع كلمات منمقة مختارة وكفى وبدأت بعيدًا عن التصورات بشكل جدي في تطبيق هذا القول الكريم بشكل عملي، وكانت المفاجأة: دخلت علىٰ والدتي ورتبت الكلام في ذاكرتي وأردت أن أجهر به ولكن عقد لساني، فقد انتابني الحرج الشديد حيث إني لم أتعود على مثل هذه الأقوال مع أمي وفشلت في المحاولة الأولى ثم استجمعت شجاعتي في مرة أخرى وأردت أن أبث لأبي مدى احترامي وحبي له وتعلقي به وبأمي ولكن للمرة الثانية تخونني العبارات قلت في نفسي: لن أهزم بمشيئة الله فالأمر هين فماذا بي؟ قلت: لابد وأن والدي عندما يسمعانني سيندهشان وسأضحك وسأكون محط استهزاء إخواني وأخواتي، سألت الله سبحانه أن يعينني أن يكون لي شرف تحرك الآية الكريمة وتطبيقها من خلالي ثم هداني التفكير أن أذهب إلى محل الورود، وبالفعل أحضرت وردة لأمي وأخرى لأبي وقلت لأمي وأنا أعطيها إياها لك يا أحلى أم ابتسمت حبيبتي ابتسامة لن أنساها ما حييت وكأنها تقول هل أنا عندك كذلك بالفعل؟ وكأنها قالت ذلك، حيث كان ردي، بل أنت أغلى عندي من كل الدنيا حيث إن الدنيا بأسرها تكون سرابًا من دونها، قلت ذلك ولم أنتظر رد فعلها، بل خطوت خطوات واثقة من والدي وقلت له: مني وردة في الدنيا ومن الله سبحانه لك الجزاء الأكبر، فإني كثيرة الدعاء له داعبني والدي قائلًا: خير لعله خير سعيدة اليوم أنت؟ قلت له: نعم سعيدة بكما واتجهت سريعًا إلى حجرتي وقد زاد خفقان قلبي وقلت لنفسي هل رأيت؟ لقد كان الأمر سهلًا وكم أنا سعيدة الآن فقد زادت كلمات الامتنان مني لوالدي وزاد تقبلهما لما أقول بل إني أقبل قبل خروجي رأسي أبي وأمي، وكم أصبح لحياتي معنى وطعم للسعادة لم أتذوقه من قبل وأنا أدعوكن جميعًا إلى تطبيق هذا القول الكريم والتحرك به.
وقالت أخرى: أنت أحسن حظًا مني فإني قد بخلت على والدي بكلمات الحب والتكريم وبدلًا من أن أفعل أنا ذلك فعلها أخي الشاب فإنه ينتظر وصولي إلى المنزل بعد اللقاء ممكن لأحكي له أي آيات الله سنتحرك بها بعد شرحها له وتفسير معانيها ومناسبة نزولها كما نفعل وقد أخذ مني قول الله سبحانه: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ﴾ (الإسراء: 23).
وكأن الآية وقد أصبحت كساء للسانه وأفعاله فقد سمعته على غير عادته وهو يكرم والدي أيما إكرام في أقواله ومداعباته الرحيمة بهما ودغدغة مشاعرهما بكلماته الطيبة حتى كأني تصورت أنه يقوم بحفظها قبل أن يحيط والدي حنانًا بسماع هذه الكلمات منه، حتى إني في دخولي وخروجي أسمع والدي وهما يدعوان له بل إني سمعت والدتي تقول لعل الله يكرمني بدخول الجنة بسبب إنجاب هذا الولد تقصد أخي لا أدري ماذا أفعل الآن وقد سبقني أخي إلى هذا الخير الوفير؟
قالت لها ثالثة: حاولي مرة ومرات حبيبتي، فنحن نتنافس جميعًا من أجل التحرك بالقرآن - التحرك الأمثل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل