; تحت ضوء الإسلام.. كيف نفهم الإسلام في مواجهة مؤامرة تفريغه من أصالته؟ | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام.. كيف نفهم الإسلام في مواجهة مؤامرة تفريغه من أصالته؟

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987

مشاهدات 68

نشر في العدد 810

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-مارس-1987

لكي تواجه أي بحث عن الإسلام مما يكتبه المستشرقون أو دعاة التعريب اتباعهم، يجب أن يكون لنا «أرضية» أساسية تصور لنا الضوء الكاشف الذي يمكننا على نوره أن تعرف الحق من الباطل:

أولًا: قطع الإسلام الامتداد الفكري والثقافي بين ما قبل الإسلام وما بعده عن العرب أولًا ثم عن كل مكان ذهب إليه، وقد ذهب إلى كل مكان وترك آثاره في جميع النحل والملل والأقطار.

1- لقد قطع الإسلام امتداد الوثنية في العالم كله، وألغى امتداد العبودية للبشر في العالم كله.

2- قدم الإسلام لأول مرة منهجًا جامعًا يربط بين علاقة الإنسان بالله تبارك وتعالى وبالمجتمع قوامه مسؤولية الإنسان والتزامه الأخلاقي.

3- قدم الإسلام منهج التجريب الإسلامي الذي قامت عليه الحضارة المعاصرة، وبالإسلام دخلت البشرية ساحة التجريب بعد أن كانت تعيش في عصر التأمل الفلسفي، وقد قام هذا المنهج على أساس قاعدة أساسية في القرآن، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: 101)، وقال أيضًا: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).

4- قدم الإسلام منهج المعرفة ذي الجناحين، حيث ربط المعرفة بالعقل والقلب معًا وجعل خير ما في المعرفة ما يصل من العقل إلى القلب.

5- قدم الإسلام عن طريق القرآن الكريم قانون قيام الأمم والحضارات وسقوطها حين تتخلف عن منهج الله ويسيطر عليها الاستبداد والترف والانحلال، فإذا عادت إلى منهج الله عاد إليها النصر.

ووضع الإسلام قوانين للمسلمين، في الحرب والسلم، وقرر أن في الإسلام قوة دافعة تبرز في قوة عندما ينحرف المسلمون ليعيدهم مرة أخرى إلى الطريق المستقيم، وفي أوقات الأزمات يستطيع أن يجدد نفسه من الداخل ويعيد صياغة فكره على أساس المصادر الأولى كلما أصابت هذا الفكر دخائل تحوله عن جوهره، وأن الله تبارك وتعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، ولا تمر فترة دون أن يظهر من يعارض التيار المنحرف ويقاوم الفساد الوافد ويقضي على الفتن والبدع.

وقد قام منهج الإسلام في بناء المجتمعات والحضارات على شريعة الله الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، لا على تصورات بشرية ولا على فروض قد تخطئ وتصيب، ولذلك فإن منهج الإسلام لا يقبل دعاوى الأديان البشرية التي تتحدث عن تطور الشريعة أو غيرها من دعوات تتحدث عنها الأيدولوجيات الفردية البشرية التي تجد نفسها عاجزة على مسايرة متغيرات الزمن والبيئات وتحتاج إلى الإضافة والحذف.

ومن هنا فإننا نسقط تمامًا كل ما يجري من محاولات للقول بأن هناك فكرًا بشريًا عالميًا، وأنه ليس هناك فارق بين الشرق والغرب أو بين الشعوب والأمم أو بين الأديان والعقائد، وتلك كلها محاولات ترمي إلى صهر ذاتية الإسلام الخاصة المتميزة في بوتقة الأممية؛ فإن لكل أمة خصائص ذاتية من دينها وفكرها تختلف عن المعاني البشرية العامة.

أما الوحدة البشرية فإنها تقوم في الأغلب على العقائد والقيم والتقاليد التي تختلف في كل أمة عن الأخرى.

وقد وضع الإسلام أصوله في صيغ كلية وأصول عامة وأطر مرنة، ثم أطلق للمسلمين الحركة في داخلها على أساس حرية اختيار الوسائل والأساليب المناسبة للبيئات والأزمنة، شريطة أن تظل القيم الأساسية ثابتة لا تتغير، وإنما يجري التغيير في الفروع.

وأبرز ما يتميز به الإسلام عن العقائد التكامل والتصور الجامع، فقد جمع بين الأرض والسماء (الكون)، وبين الدنيا والآخرة (العقيدة)، وبين الروح والجسد (الإنسان)، وبين العبادة والعمل (الحياة)، فهو يسلكها جميعها في نظام موحد هو الطريق إلى الله تبارك وتعالى.

وتكامل الإسلام الجامع هذا، هو الذي مكنه من القضاء على المتناقضات وإقامة روح التوازن والموائمة بين القيم المختلفة، وهناك فرق بين تكامل الإسلام وبين «الثنائية» التي تحاول أن تشطر الوجود إلى شطرين، والتي تتمثل في مادة صارخة أو روحية مفردة.

***

ولا يقر الإسلام السقوط في مهاوي الشهوات والرذائل ولا الانقطاع عن الدنيا، ولكن يطالب المسلم بأن يأخذ بكل ما أحله الله له على الطريق السوي والمنهج المعتدل الذي رسمه حفاظًا على شخصية الإنسان نفسه ووقاية له من الانهيار، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32).

ولم يحرم الإسلام سوى الانغماس في الشهوات التي تشغل القلب عن ذكر الله، ولا يقر الإسلام تحقير الدنيا أو اعتزال الناس أو تعذيب البدن، كذلك فهو يطالب المسلمين بالتوسط والتخوشن «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم»، والمرابطة في الثغور والاستعداد والأهبة والقدرة على مواجهة العدو في كل لحظة، فيكونون على تعبئة دائمة، ويكونوا قادرين على الردع آخذين حذرهم «وأعدوا» لأنهم في رباط إلى يوم القيامة، وقد وقف العلماء مواقف مجيدة في النصح وإبلاغ كلمة الله للأمراء، وقالوا كلمة الحق، ونصحوا ووجهوا، وقد حفظ لنا تاريخ الإسلام نماذج حية في هذا المجال من أمثال الحسن البصري والأوزاعي وسفيان الثوري، ويقرر الإسلام أن كل معطيات العلم والتقدم من عند الله تبارك وتعالى واهب العقل ومعلم الإنسان أصول منهج المعرفة والتجربة، ولا يقر صلف الفكر الغربي الذي ينسب كل شيء إلى الطبيعة وإلى القوانين العلمية، فإن الله تبارك وتعالى هو خالق الطبيعة وخالق هذه القوانين، وهو وحده الذي يملك إيقافها وخرقها.

ويجمع الإسلام بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية ويربط بينهما برباط التكامل والتوازن، ويحصل دائمًا الفرد في خدمة المجتمع والمجتمع في خدمة الفرد، ويجمع بين الحرية والعدل أيضًا.

ولا يقر الإسلام أي مفهوم فلسفي يعارض مفهوم التوحيد الخالص، ويرفض فكرة العقول العشرة ونظرية القبض، وفطريات وحدة الوجود والحلول والاتحاد، ويرى أنها مفاهيم خارجة عن حقيقة الدين الحق ونطاق المسؤولية الفردية الذي يقرره الإسلام، وإنها محاولة لغرض مفهوم الجبرية على تصرفات الإنسان وتحريره من التكاليف والضوابط والحدود التي شرعها الدين الحق، وإن فكرة وحدة الوجود دخيلة على الفكر الإسلامي وهي ترمي للقضاء على حرية الإرادة والمسؤولية الفردية والالتزام الأخلاقي، أما فكرة الحلول فهي تنقض مفهوم الإسلام المتكامل الشامل في وحدة الله وتنزيهه.

ومن المقرر أن منهج القرآن الذي يقوم عليه الفكر الإسلام يختلف تمامًا عن منهج الفلسفة ومنهج العلم العربي ومنهج التصوف الفلسفي، وهذه كلها مناهج مرتبطة بعصور وبيئات وتيارات مضت وانقضت، أما منهج القرآن فهو المنهج الخالد الجامع بين الثوابت والمتغيرات، والذي يستجيب لتكوين الإنسان في فطرته التي خلق عليها.

ولا يقر الإسلام تطبيق مناهج العلوم الطبيعية والمادية على الإنسان والمجتمع الإنساني، لأنها وضعت وفق مواصفات المادة، وأن مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية يعومون على الفلسفة المادية فلا يجمعون بين الروح والمادة أو العقل والقلب.

وقد اكتملت مفاهيم الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تجر أية إضافة إليها من بعد، وقد رفض الإسلام انحراف دعاة العقل «المعتزلة» ودعاة الوجدان «التصوف الفلسفي» فرفض استعلاء العقل أو جبرية التصوف، وحطم قيد الإغريقية والهلينية، وعجزت الفلسفة اليونانية عن استيعاب الإسلام كما استوعبت الأديان الأخرى.

ومنذ ظهر الإسلام وكل حدث في العالم مرتبط به على نحو من الأنحاء، فما يزال الإسلام عاملًا مؤثرًا في جميع أحداث التاريخ؛ ذلك لأنه قدم للبشرية مفهومًا جديدًا، هو مفهوم التوحيد الخالص الذي بدأه إبراهيم عليه السلام بالحنيفية السمحاء، وأقام عالمًا خاصًا مستقلًا متميزًا بنظرته إلى الحياة وأسلوبه في العيش وحضارته وفكره، ولقد حمل الإسلام إلى البشرية منهج العدل والإخاء البشري والتقدم، كما أكد المساواة وهدم التفرقة العنصرية، وقدم منهجًا كاملًا تلتقي فيه حلول النفس الفردية ومشاكل الحياة الاجتماعية على السواء، فالإسلام ليس دينًا فحسب، ولكنه نظام اجتماعي كامل وحضارة، وقد أعطى مفهوم التوحيد الخالص الجماعة الإسلامية شحنة من القوة والإيمان والتضحية والفداء دفعت المسلمين إلى السيطرة على قارتين في أقل من مائة عام، وعندما واجه الإسلام أكبر خطرين وهما الصليبية والتتار، كان يفتح أرضًا جديدة في جنوب شرق آسيا وفي شرق إفريقيا، ويقتحم قلوبًا جديدة، فأضاف إلى معتنقيه سلمًا أضعاف أصحابه الأصليين.

ولقد كان الإسلام مصدر جميع حركات التحرير والمقاومة للنفوذ الاستعماري القوي في العصر الحديث، وإن كل النضالات الوطنية انطلقت من تحت راية الجهاد في سبيل الله وإن كانت قد تلقفتها من بعد أيدي أخرى.

ولقد كشف الإسلام عن قدرته الكاملة على الحركة والتطور والنماء والتوليد والأخذ والعطاء مع احتفاظه بذاتيته الخاصة، ودون أن ينصهر في بوتقة الأممية أو الحضارة العالمية.

ولقد جاء الإسلام حاكمًا على الأمم وعلى المدنيات، ولم يجئ محكومًا، فهو ليس مطية ذلولًا للحضارة الحديثة وليس خادمًا للمجتمعات أو الدعوات والمذاهب، بل هو حاكم له مقوماته المستقلة التي لا تخضع ولا تستسلم.

ويرى المسلمون أن كل وسائل الأمم وأدواتها في الرقي والحضارة هي عبارة عن «مواد خام» تنصهر في بوتقة الإسلام فلا تصهره وتتحول في إطاره ولا تتحول به، والمسلم -كما يقول «إقبال»: لم يخلق ليندفع في التيار أو يساير الركب حيث سار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية.

ولقد عني الإسلام بإفراغ مفاهيمه وتعاليمه ومقاصده في صيغ كلية وأصول عامة، وأقر أمر الخلاف في الفرعيات ووجد فيها سعة ورحمة.

ولقد أثبت مفهوم الإسلام الجامع المتكامل صلابته واستقلاليته وقدرته على البقاء، فإنه في أكثر من أزمة لم يسقط ولم ينهار، ولكنه كان يجدد نفسه ويستعيد مفاهيمه الأصيلة المستجدة من القرآن، ولقد كان كفاح المسلمين على مدى العصور قائمًا على أساس الحيلولة دون هيمنة أي فكر أو ثقافة أو عقيدة على مفاهيم الإسلام الأساسية الربانية، ولقد جرت المحاولات عن طريق الباطنية والقومية على تحريض مفهوم الإسلام والسيطرة عليه، وكانت مفاهيم الإغريقية والوثنية والمجوسية تصارع في سبيل احتواء الإسلام، ولكنها عجزت جميعها. وتكررت في العصر الحديث هذه المحاولة عن طریق بروتوكولات صهيون والفكر الغربي والماركسي والمادية، وقد أثبت الإسلام مقدرته على المقاومة والاحتفاظ بذاتيته نقية من كل محاولة لاحتوائها.

ولقد تميز الإسلام بقدرته على تصحيح طريقه وعرف بانتفاضاته فترة من بعد فترة، لتجديد نفسه، ولإسقاط كل ما اتصل بجوهره من ركام الزيف، فهو قادر على رفض الدخيل كقدرة الأجسام الحية على رفض أي جسم غريب عنها.

الرابط المختصر :