العنوان تحت ضوء الإسلام - الإسلام هو الذي أعطى البشرية : القانون & الحضارة
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
مشاهدات 88
نشر في العدد 838
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-أكتوبر-1987
جاء الاعتراف بفضل الإسلام على الحضارة العالمية متأخرًا أكثر من قرنين من الزمان لأن الذين كانوا يكتبون عن الإسلام هم المستشرقون المبشرون الذين شكلتهم الكنائس أو وزارات الاستعمار، ولكن لم يعدم العطاء الإسلامي أن يجد من ينتصف له ويعرف به.
- في مجال التشريع الدولي يتحدث البروفيسور «مارسيل بواشا» أستاذ القانون الدولي عن فضل الإسلام في هذا المجال فيقول:
يمكن اعتبار القانون الإسلامي المنظم لأعمال التجارة البحرية الذي اقتبسه الغرب في القرن الرابع عشر «الميلادي» أول القوانين الدولية التي طبقتها أوروبا ، فهو ينظم أحكام الملاحة البحرية والجمارك وواجبات وحقوق أصحاب السفن والتجارة وقباطنة البواخر ووضع حلول الخلافات الناشئة بين التجار بغض النظر عن قوميتهم الأصيلة أو دينهم، إن حقيقة ظهور هذا القانون في دائرة منطقة المتاجرة مع المسلمين في حوض البحر الأبيض المتوسط هي الدليل القاطع على أن الإسلام كان الهادي لأوروبا والباعث المحرك لنهضتها «إن الشريعة الإسلامية المثلى في سماحتها قد سهلت عبور الأجانب ورحلاتهم التجارية عبر العالم الإسلامي عن طريق صقلية وسالرنو فضلًا عن البندقية وجنوة وتيرا».
فالإسلام هو الذي أقر وشجع انتشار مبدأ حرية الحركة البحرية والحق العام في الملاحة البرية لسائر الناس، وقد أصبحت حماية المسافرين الأجانب والتجار هي التزام قديم على الجماعة الإسلامية مكفول بنص الشريعة، يقول العلامة مارسيل بواشا: إنه منذ سقوط غرناطة ١٤٩٢ يجري العمل لمحو أثار الإسلام والتستر على فضل المسلمين، ولم يكن ذلك ممكنًا على الإطلاق بعد أن قام المسلمون حوالي ثمانية قرون هناك، كذلك فإن الروح الرهيبة التي واكبت محاكم التفتيش وكل ما فجر براكين الحقد على المسلمين لم تحل أبدًا دون استمرار وضوح التأثير الحضاري الإسلامي إلى مدى بضعة قرون تلت خروج المسلمين من الأندلس.
وإذا كانت الحضارة العالمية اليوم مدينة للحضارة الإسلامية بكل شيء، فإن الحضارة الإسلامية مدينة للإسلام بكل شيء، إذ لولا العقيدة الإسلامية لما كان للعرب أي شأن وأن الحركة العلمية عند المسلمين كانت حركة أصيلة بدأت قبل بدء حركة الترجمة وكانت تستهدف فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالأصل كتاب وسنة وما تفرع عنهما من أصول فقه، وما احتاجوا إليه للدفاع عن عقائدهم وهو أصول الدين، وقد احتاج فهم كتاب الله إلى علوم اللغة والأدب فنشأت هذه أصلًا لخدمة علوم الدين ولذلك ألحقت بهم وعلم التاريخ نشأ فرعًا للعلم الحديث، إذ بدأت نشأته بالسيرة النبوية وهي حديث، كما أن منهج علماء الحديث قد ساد العلوم الأخرى من تفسير وقراءات وتاريخ .
وقد تميز التصنيف الإسلامي واختلف تمامًا عن الأساليب الأخرى، فالتصنيف قضية أساسية تعبر عن تميز الفكر الإسلامي عن الفكر الغربي وأنه يختلف عن التصنيف اليوناني ومن خصائص التصنيف الإسلامي أن يقدم العلوم العربية الأصيلة وبهذا ترتبط خطة التصنيف العربية بالفكر الإسلامي الأصيل فنبدأ بعلوم الدين الإسلامي ويربط العلوم اللغوية بالعلوم الدينية، ولذلك فمن الضروري أن ترتب علوم اللسان بعد علوم الدين.
وهناك الحقيقة الأساسية التي تنكشف اليوم بكل وضوح:
وهي أن نهضة الغرب لم تبدأ من ايطاليا مع إحياء الثقافة اليونانية والرومانية بل بدأت في إسبانيا «الأندلس» مع اتساع العلوم والثقافة العربية الإسلامية ولكن النهضة الأوروبية لم تأخذ من المسلمين سوى المنهج التجريبي والقوانين العلمية وتركت الإيمان الذي كان يوجهها نحو الله ويسخرها لخدمة البشرية، ومن هذا اتجه الغرب إلى استعباد الدول وسلب ثرواتها بينما اتجه الإسلام إلى تحرير الدول والإنسان ولم يكن الزحف الإسلامي استعمارًا ولا استغلالًا بل كان عدالة مطلقة وقد تحررت البلدان الشرقية بالزحف الإسلامي من الاستعباد الروماني، وقد امتد هذا التحرر من سوريا إلى إسبانيا وشمال أفريقيا وقد كانت تلك البلدان تحت الحكم الإغريقي نحو ألف من السنين منذ زحف الإسكندر المقدوني حتى حررها الإسلام.
تكشفت هذه الحقيقة الهامة وحقيقة أأخرى أشد أهمية هي أن الإسلام هو أول علامات العصر الحديث والذي أخرج البشرية كلها من الوثنية وعبودية الإنسان، بل أن الإسلام هو الذي أنقذ الكنيسة من الضياع ولولا الإسلام لما جاءت الحملات الصليبية وما احتك الصليبيون بالمسلمين ولما أخذوا عنهم كل ما أخذوه ابتداءً من العلوم إلى الفنون إلى السلع التي لم تكن معروفة في الغرب.
وإن هذه المعارف كلها التي يتداولها العالم اليوم، جاء بها القرآن أساسًا وفضلها النبي وجاء الأئمة فوضعوا مناهج القياس والاجتهاد، ومناهج التحقيق العلمي، والعلم التجريبي، امتدادًا من تحقيق الحديث النبوي إلى التاريخ والفقه، والأدب العربي هو الذي أنشأ في الغرب الفنون القائمة على الأخلاق واحترام العرض.
فالمسلمون وليس اليونان هم أساتذة أوروبا في النهضة العلمية والرياضية فأوروبا عرفت تراث العالم القديم عن طريق العرب والمسلمين، وهم بإعدادهم وآلاتهم وحسابهم وجبرهم ونظرياتهم حول المثلثات الكروية وعلوم البصريات وغيرها نهضوا بأوروبا ودفعوها إلى الحركة العلمية دفعًا ومن ثم اشتغلت واكتشفت واخترعت وتسلمت زمام العلوم الطبيعية والمسلمون هم مخترعو العلوم الطبيعية والوسائل التجريبية بكل ما تدل عليه هذه العبارة وهم المخترعون الحقيقيون للأبحاث التجريبية فقد سبقوا الأوروبيين بهذا الرأي ثمانية قرون قبل روجر بيكون وليونارد وديفتشي «شمس الله تشرق على الأرض».
ولا ريب أن الحسن بن الهيثم هو الذي صحح نظرية الضوء فقد كان الناس يعتقدون أنهم عندما يرون الأشياء أن هناك أشعة تصدر من العين فتقع الأشياء فيرونها، وهذا تصور إغريقي، غير أن الحسن بن الهيثم قال بأن هناك أشعة تصدر من الأشياء فتقع على شبكة العين فيرى بها الإنسان.
وقد تصححت حقائق كثيرة أهمها أن انتصار المسلمين المذهل ليس مرده ضعف الدولة البيزنطية بعد أن استنزفت الحروب الفارسية مواردها، ذلك لأن الإمبراطور هرقل «كما يقول سايم الياقي في كتابه الحضارة الإنسانية» قد أنهى حرب الفرس بالنصر الباهر عام ٨ هـ ٦٢٦م ثم تمتع نحو خمس سنوات من السلم الشامل قبل أن يفاجئ بالفتح العربي، وقد أعد العدة بنفسه وعين أخاه تيودور لقيادة الجيش الذي دحره العرب في «أجنادين».
وتتردد اليوم كلمات تدعي أن المسلمين ولدوا حين عرفوا أوروبا، وهذا خطأ بين فإن أوروبا لم تكتشفنا ولم تولد حين عرفناها وقد ولدنا قبل أوروبا بكثير جدًا، ففي القرون الوسطى التي تسمى قرون الظلام في أوروبا، كانت قرون النهضة في عالم الإسلام كله.
واليوم تجد في الغرب ما يسمى مجموعة الشيباني التي تدرس مصنفات هذا العالم المسلم الشقة، خاصة في مجال العلاقات الدولية «في باريس وبرلين» حيث كرس ما يزيد عن خمسة وعشرين عالمًا من الشباب جهودهم لدراسة مختلف فكر ابن الهيثم العلمي الثقافي فكيف يقال بعد ذلك أن المسلمين لم تكن لهم حضارة لها معالم من الأصالة والتي برزت وعرفت في تقدير الواقع الخارجي الذي كان أساس النهضة العلمية في العالم أجمع، وما كان قول أمثال مراد وهب وغيره بأن الإسلام ليس له حضارة إلا صادرًا عن أحقاد قديمة.