; رؤية نهضة مصر «أم الدنيا» تحرير قوة الدين الإطلاق المشروع المدني للنهضة (٤) | مجلة المجتمع

العنوان رؤية نهضة مصر «أم الدنيا» تحرير قوة الدين الإطلاق المشروع المدني للنهضة (٤)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011

مشاهدات 56

نشر في العدد 1960

نشر في الصفحة 8

السبت 09-يوليو-2011

آفاق في الثورات العربية الجديدة.

تحرير قوة الدين الإطلاق المشروع المدني للنهضة (٤)

استكمالا لما سبق من حلقات، فإنا نتابع تأسيس الأولوية الثالثة «كيفية تحرير قوة الدين لإطلاق المشروع المدني للنهضة»، وشرحنا في ثلاث حلقات عن تحرير مفهوم «المرجعية الإسلامية للدستور»، وذلك أن تثبيت المادة الثانية في الدستور المصري كان إجماعا إسلاميا وطنيا وتاريخيا منذ دستور ۱۹۲۳م، كما أن هذا المطلب هو شعبي وبتوافق قبطي، كما أنه مطلب وطني وحضاري، وسعيا منا لاستكمال هذا المحور في تحرير قوة الدين لإطلاق المشروع المدني للنهضة، سنستمر في عرض الاتجاهات الهامة في ذلك.

فقد ناقشنا في العدد الماضي الاتجاه الثالث في تحرير قوة الدين، وهو نحو إلزامية تطبيقات الدين بين تغير المصالح والمفاسد والتدرج الملتزم، وفي هذا العدد نناقش الاتجاه الرابع وهو:

توظيف نظريات الاقتصاد الإسلامي المعالجة مشكلات المجتمع المصري وتنميته.

 ويمكن ذلك من خلال ثلاثة محاور 

الأول: معالجة حالة الاقتصاد المصري.

الثاني: معالجة الفقر والبطالة وتدني المستوى المعيشي.

الثالث: معالجة قضايا التنمية.

حيث يجتاح العالم اليوم رهاب الأزمة المالية الاقتصادية التي عصفت باقتصاد الولايات المتحدة عام ۲۰۰۸م، والتي مازالت إلى اليوم آثارها مستمرة، وحيث إن الولايات المتحدة هي مركز وعصب الاقتصاد العالمي لم تسلم أي دولة في مركزها ووضعها الاقتصادي حيث أفلست بنوك وشركات استثمارية عالمية بل أدى ذلك إلى انهيار دول غربية اقتصاديًا، ولم تكن أسواق المال العربية والاقتصاد فيها بعيدا عن آثار هذه الأزمة، كذلك لم يكن بعيدًا عنها الاقتصاد المصري بحال من الأحوال. 

لقد أدت قروض الرهن العقاري دون اعتبار للسيولة، أو كفاية رأس المال الأمريكي إلى تعثر المقترضين عن السداد، ونظرًا لعدم الالتزام غير المسؤول والمتعمد من قادة المصارف الأمريكية وشركات الرهن إعمالا لحرية العمل المصرفي الذي تنادي بها «الليبرالية الجديدة»، فإن ذلك قد أدى إلى انخفاض في أسعار العقارات، وغرق المقترضين بالديون، كما أفرغت البيوت من أصحابها، مما أدى إلى زيادة العرض في السوق وحينها انخفضت بحدة أسعار العقارات، مما أدى إلى إفلاس المؤسسات المالية والنقدية. 

هذا النظام المالي الليبرالي الرأسمالي هو المتحكم اليوم باقتصاد العالم، ولأن هذا النظام جشع وفاسد، فإن أي ضرر في مركزه يؤدي إلى انهيار ودمار للأطراف، وهذا النظام المستنسخ في عالم العرب والمسلمين، والذي أساس ركيزته «الربا الحرام»، قد أسس لنفسه قواعد تقوم على الغرر، والجشع والتطفيف، والفساد فمن ذلك:

  • اعتماده على المضاربات التي تشكل مقامرات منظمة ومغطاة شرعيا في أسواق المال العالمية، وعلى رأسها بورصة دول شرقية. وأسواق المال الأوروبية واليابانية، بدون ضوابط أو منطق. 
  • التركيز الاقتصادي غير الحقيقي «المالي الورقي» على حساب الاقتصاد العيني «الإنتاجي السلعي -الصناعة».
  • ابتكار أدوات مالية سميت «المشتقات» تؤصل النهم والجشع للبنوك الاستثمارية لتحقيق أقصى قدر من الأرباح من خلال الاستثمار المالي الورقي، دونما ارتباط بالاقتصاد العيني، فمن هذه المشتقات «المستقبليات-الخيارات- التحوطات» إمعانا في سعر الفائدة وفي الحقيقة إمعانا بالمتاجرة في المخاطر، حيث قامت البنوك الأمريكية ببيع القروض العقارية وغيرها من القروض المشكوك فيها، في شكل أوراق مالية، وباشتقاقات أوراق مالية أخرى من هذه الأوراق من خلال عملية «توريق» أو «تسنيد لديون عقارية رديئة أصلا، وفي الحقيقة هو بيع ما لا يملك، وبالدين من خلال فائدة ربوية قائمة على الغرر والجهالة، فكان التوقف والانحسار فانهارت العمليات كأحجار «الدومنو» الواحدة تلو الأخرى، وبشكل سريع وهائل أدى إلى الأزمة المالية والانهيار.
  •  أضف إلى ذلك فساد الإدارة العليا في كثير من المؤسسات المالية، بحيث إنها لم تراع شروط البنوك المركزية في الرقابة والتشدد بالشروط مع رواتب خيالية لهذه الإدارة المالية، وعلى سبيل المثال، فإن رئيس بنك «ليمان براذر »كان راتبه في عام ٢٠٠٧م يقدر ب «٤٨٦» مليون دولار.

وماذا كانت النتائج على الاقتصاد الأمريكي ثم العالمي؟

  •  إفلاس «۷۰» شركة رهن عقاري، و «٢٠» ، بنكا في الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٩م.
  •  قامت الحكومات بعمولة تأمينات وإفلاسات خصوصًا في الولايات المتحدة والدول الغربية.
  •  فقدان الثقة بمركز الاقتصاد العالمي في الولايات المتحدة.
  • استقرار حالة من التجميد الائتماني بين المقترضين والبنوك، أدى إلى شلل قطاع الأعمال.
  •  شلل تام للتيارات النقدية المحركة للنشاط الاقتصادي العيني كصناعة السيارات وغيره.
  •  انهيار في الصناعات الأساسية.
  • ازدیاد مشكلة البطالة «5 مليون عاطل في الولايات المتحدة» أما الصين ففيها «۳۰ مليون عاطل».
  • انعكس ذلك على المجتمع الأمريكي والغربي في شكل مشكلات اجتماعية وتحول الطبقة المتوسطة إلى طبقة فقيرة.

وفي الحقيقة أن الأزمة بالدرجة الأولى هي أزمة أخلاقية وانضباطية، حيث لم تقم الأجهزة المالية المصرفية والبنوك المركزية بدورها المسؤول في تقويم ورقابة عمل الوحدات المصرفية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الأزمة بما يخفف إدارة جيدة لمعادلة السيولة والربحية وإدارة مخاطر الائتمان والتمويل، وسياسة كفاية رأس المال بالإدارة الرشيدة للبنوك، بحيث تكون كافية لمقابلة المخاطر المحتملة للقروض والالتزامات الرديئة.

الاتجاه العالمي نحو الاقتصاد الإسلامي

قبل الأزمة، دعا مجموعة من عقلاء الغرب عن أهمية البديل الاقتصادي الإسلامي، ففي كتاب للباحثة الإيطالية «لوريتا نابليوني» بعنوان «اقتصاد ابن آوى» أشارت إلى أهمية التمويل الإسلامي لإنقاذ الاقتصاد الغربي. وأنه يمكن للتمويل الإسلامي أن يحدث التوازن في الأسواق المالية، وأنه هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني، وأن المصارف الإسلامية هي البديل المناسب للبنوك الغربية

 ودعت الخزانة الأمريكية إلى دراسة هذا النظام ومحاولة الاستفادة منه، وطالبت أمريكا واليابان ودول غربية دراسة هذا النظام.

وإلى جانب دعوة مجلس الشيوخ الفرنسي للأخذ بالنظام الإسلامي في إطار البحث عن حلول للأزمة، وقد أقر البرلمان الياباني بالسماح للبنوك بافتتاح فروع إسلامية، وتسهيل منح التراخيص اللازمة لها.

ركائز النظام الاقتصادي الإسلامي

فالدكتور عبد الحميد الغزالي-يرحمه الله في معالجته البحثية لأزمة الديون العالمية، أسس لقواعد الاقتصاد الإسلامي في هذه المسألة، حيث بين أن النظام الإسلامي المالي يدعو إلى معالجة جذور الأزمة وأسبابها وهي: 

  •  محاربة الربا والبعد تدريجيا عن الفائدة في مقابل نظام «المشاركة في الربح والخسارة»
  • الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد العيني «الإنتاجي» والتصنيع والتسويق والخدمات على حساب الاستثمار الورقي في الاقتصاد الرمزي المضاربات المقامرات البيوع الضارة «بيع الدين بال - الغرر - بيع الإنسان ما لا يملك».
  • يحرم الجهالة في العقود ويحارب كل صور الفساد والإفساد في النشاط الاقتصادي. 
  • إعادة «النقود» إلى طبيعتها «كأداة» لتسهيل التبادل الاقتصادي، وليس «سلعة» يتاجر فيها.
  • لذا فإن الاقتصاد الإسلامي ملتزم «بالقيم الإسلامية» التي تحرر الإنسان من قيم الجشع والطمع والأنانية لصالح أخية الإنسان لبناء مجتمع ذي بنيان اجتماعي واقتصادي قوي ومتضامن ومتعاون ومتكامل، فالإسلام في منهجه ضد الظلم الاقتصادي والاستنثار والاستغلال والجهالة والغرر والاحتكار والاكتناز والإسراف والتقتير والتطفيف والبخس والغش والتدليس والرشوة والمحسوبية، وهي أبواب لأكل أموال الناس بالباطل، وهي الممارسات اللاأخلاقية في النشاط الاقتصادي إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا. 

ولعل أبشعها هو الربا الفائدة، وهو أساس التمويل في الاقتصاد الليبرالي المعاصر، وهو الزيادة بغير عوض أي الزيادة في المال دون مخاطرة نتيجة دين وفق شروط وزمن محدد وهو محرم في كل الأديان، وهو ظلم للإنسان لنفسه وللآخرين.

 فقد قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾(سورة البقرة: أيه رقم276)، ولقوله سبحانه ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾(سورة النساء: أيه رقم161)

دور البنوك الإسلامية في التمويل الإسلامي

 يقوم البنك الإسلامي بكل أساسيات العمل المصرفي الحديث، كوسيط مالي يرتبط مباشرة بالاقتصاد الحقيقي العيني وذلك وفقا لأحدث الطرق والأساليب الفنية لتسهيل التبادل التجاري وتنشيط الاستثمار الحقيقي، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما لا يتنافى مع الأحكام الشرعية.

فالبنوك الإسلامية تقوم على ركيزتين الأولى: فنية وتتمثل في الوساطة بين المدخرين والمستثمرين.

والثانية شرعية وتتم هذه الوساطة وفقًا  للضوابط الشرعية. وتتحدد طبيعة عمل البنك الإسلامي وفقًا للمبادئ الرئيسة التالية:

  • لا ضرر ولا ضرار.
  •  النقود لا تلد في حد ذاتها نقودًا، ويتاجر بها كأداة في النشاط الاقتصادي لا يتاجر بها كسلعة.
  •  لا قرض بنفع مشروط عند التعاقد أو السداد.
  • الخراج بالضمان والغنم والغرم «العائد لا يحل إلا نتيجة تحمل المخاطرة واحتمال الخسارة».
  • الربح يأتي بالمشاركة لا المداينة.
  •  العمل مصدر أصيل للكسب، ومن ثم الأجر جزاء العمل بأجر والجزء الشائع من الربح مكافأة للعمل المخاطر.

البنوك الإسلامية تتقدم

لقد أدت تلك الأنشطة الاقتصادية الإسلامية للبنوك إلى نمو حجمها وأصولها حيث وصل عددها نحو ٥٠٠ بنك ومؤسسة منتشرة في أنحاء العالم، وفروع لا تقل عن ٥٠٠٠ فرع، تتعامل مع مئات الملايين من العملاء ووصل حجم عملياتها إلى ۱۰۲ تريليون دولار وشملت عملياتها كافة الأنشطة الاقتصادية الزراعية والصناعية والحديثة، ولذا بدأت تتجه البنوك الأوروبية إلى إنشاء فروع للمعاملات الإسلامية فيها أو شبابيك للتعامل الإسلامي مثل «سيتي بنك وتشيس» في البحرين، وفي الولايات المتحدة أكثر من ٤٠ بنكا ومؤسسة نقدية إسلامية وغيرها في بريطانيا والدنمارك وألمانيا والنمسا وفرنسا

الاقتصاد الإسلامي في خدمة مشكلات مصر الاقتصادية

لذا فإن الاستنارة بالحلول الإسلامية ضمن قواعد الاقتصاد الإسلامي ربما تكون متكا ضروريا لحل مشكلات الاقتصاد المصري بعد الثورة، فالدين العام لمصر بلغ ۱۰۳ تريليون جنيه، وهو يمثل %۸۱ من الناتج القومي الإجمالي وقد بلغت نسبة التضخم ١١٫٨% وتحاول الحكومة المصرية توفير قروض صندوق النقد الدولي بمقدار 3 مليارات والبنك الدولي ٢٫٢ مليار، مما سيزيد العبء على الدين العام للدولة، لذا فإن التوسع في فكرة البنوك الإسلامية سيؤدي حتما إلى توفير السيولة والنقدية وتحريك الاقتصاد العيني، الذي مازالت أصوله موجودة وتوفير الغطاء المالي الحقيقي للمشاريع الخاصة بالميزانية.

 لذا، فإن الإبدال التدريجي لنظام الفائدة الربوية، وتشجيع المدخرات وتوظيفها في البنوك الإسلامية وتوظيفها للمشاريع النموية سيؤدي إلى معالجة الركود والديون إذا أضفنا أنه يجب الامتناع كلية عن التمويل التضخمي ورفع كفاءة الجهاز المصرفي والارتفاع بمستوى خدماته.

 إن إنشاء حزم من المشاريع التنموية تقودها البنوك الإسلامية بإنشاء محافظ إسلامية مليئة ومقتدرة مضمونة بأصول ثابتة، سيؤدي إلى إيجاد طبقة اجتماعية جديدة قادرة على بناء حياة ناهضة وواعدة في مصر.

 إن البنوك الإسلامية على أساس تدوير الاقتصاد الإسلامي وأدواته في المجتمع المصري ستكون عصب المال وطاقة الشركات والأفراد والإدارة، والحياة الاقتصادية في مصر الثورة والنهضة بإذن الله.

يتبع العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل