; تحطيم التماثيل الأثرية في أفغانستان.. خطوة دينية أم مسرحية سياسية؟ | مجلة المجتمع

العنوان تحطيم التماثيل الأثرية في أفغانستان.. خطوة دينية أم مسرحية سياسية؟

الكاتب محمد ناصر

تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001

مشاهدات 53

نشر في العدد 1442

نشر في الصفحة 24

السبت 17-مارس-2001

 بعد أسبوع من انتصار طالبان في ولاية بامیان بوسط أفغانستان للمرة الرابعة في خلال عامين على «حزب وحدت الشيعي»، أصدر الملا محمد عمر - زعيم طالبان يوم الاثنين ۲6/٢/٢001م، مرسومًا مفاجئًا، به أمر «قطعي لا رجعة فيه» بتحطيم جميع التماثيل الخشبية والحجرية، والطينية الموجودة في متاحف الولايات الأفغانية، وعلى رأسها تمثالان عملاقان لبوذا. وخلال أسبوعين هدمت التماثيل، وبدأت تفسيرات متعددة بشأن الدوافع الحقيقية وراء هذه الخطوة.. طالبان تقول: إن الدوافع دينية بحتة، بينما تدعي المعارضة الأفغانية أن الدوافع وراء تحطيم التماثيل وبالذات التمثالان العملاقان في باميان هي سياسية، ويرى فريق ثالث أن المسرحية بأكملها من صنع باكستان. 

وردود الأفعال كانت غاضبة بشكل جلي، حيث توعدت الأمم المتحدة بعقوبات صارمة على طالبان، واقترح عضو برلمان إيطالي حملة عسكرية عاجلة لإنقاذ الأصنام، وعبر رئيس الوزراء الكوري عن استعداد بلاده المساهمة في جيش يهاجم أفغانستان، وقامت مظاهرات حاشدة بدلهي من طرف متطرفين بوذيين حرقوا نسخًا من القرآن الكريم، وتهدد اليابان - أكبر مانح للمساعدات للشعب الأفغاني حاليًّا - بقطع مساعداتها... 

وحاولت وفود من الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي إقناع طالبان بالتراجع عن عملها. وأبت طالبان قبول أي مقترح لإنقاذ التماثيل، كما رفضت صفقة من متحف أمريكي لشراء كل التماثيل، ورفضت أيضًا اقتراح السفير الياباني بقطع التماثيل البوذية إلى قطع مجزأة تكون قابلة للترميم خارج أفغانستان، كما لم يحظ أيضًا اقتراح مهندس أفغاني بوضع جدار إسمنتي أمام التماثيل، بحيث تتوارى عن الأنظار بقبول، وبرر «ملا عمر» قراره في كلمة بثت عبر إذاعة «صداي شريعت» التابعة لطالبان أنه يحتذي ويتأسى بسنة سيدنا إبراهيم - عليه وعلى نبينا السلام.، الذي سن تحطيم الأصنام. 

ولايزال المراقبون يختلفون في الدوافع الحقيقية لاتخاذ هذه الخطوة، هل هي دينية بحتة، أم هي جزء من المعترك السياسي لأهداف معينة؟ يؤكد قادة طالبان أن للأمر بعدًا دينيًّا وحسب، حيث إن المهمة خطوة في سبيل دحض المذكرات الذي هو فريضة دينية على كل مسلم. فمن وجهة نظر الملا عمر أن تحطيم الأصنام أمر لا يحتمل التنازل عنه دينيًّا، حيث إنه بمثابة التنازل عن أسس الشرع الحنيف. ومن هذا المنطلق نجده يقول: إن تحطيم التماثيل لأمر ديني ليس بيده التراجع أو التنازل عنه. ويستدلون على ذلك بفتوى صدرت عن علماء أفغانستان، ونجد فريقًا من علماء باكستان يثني على هذه الخطوة، ويدافع عن قرارات زعيم طالبان.

دوافع سياسية

على صعيد آخر، نجد معظم المحللين الدوليين يعتقدون أن للأمر أبعادًا سياسية أكثر منها دينية. فحكاية تحطيم التماثيل الأثرية ليست بجديدة؛ حيث تذرع بها قبل ذلك «حزب وحدت»، الموالي لإيران عام ۱۹۹۸م، وذلك عندما أوشكت مدينة باميان على السقوط بيد طالبان، فادعى يومئذ أن مليشيات طالبان سوف تحطم تماثيل بوذا في باميان، لو تمكنت من بسط السيطرة العسكرية على المدينة. وكان الحزب يقصد من وراء ذلك الضغط على طالبان كي تنصرف عن عزمها فتح باميان، وبذلك يكون حزب وحدت هو الذي ابتكر فكرة استغلال التماثيل كورقة مساومة لتحقيق مكاسب سياسية. ولا يستبعد أن تكون طالبان فكرت هذه المرة في استغلال الأمر لكسب ما لا يمكن نيله في غياب أية أداة ضغط فاعلة، ولاسيما أنها فشلت في كسب اعتراف دولي، وتواجه تحديات وأزمات داخلية، وأخرى خارجية لا حدود لها، ولا تجد بصيص أمل في وضع نهاية لهذه الحال. وقد أشار إلى ذلك الجنرال حميد جل رئيس الاستخبارات الباكستانية سابقًا.. حيث يرى أن طالبان تريد عبر اتخاذ هذه الخطوة جذب انتباه العالم إليها بعد ما أهملت وهمشت دوليًّا بصورة متكاملة فضلًا عن تساؤلات عديدة أخرى تثار في هذا المقام، ترجح كون الأمر سياسيًّا لا دينيًّا، أهمها:

 أولًا: لماذا قررت طالبان تحطيم التماثيل في هذا الوقت بالذات، مع أنهم أدركوا وجود هذه التماثيل منذ أن وصلوا إلى السلطة عام ١٩٩٦م؟.

 ثانيًّا: لم تقبل طالبان جميع الشفاعات الدولية، ولعله نوع من الغضب أبدته حكومة طالبان بعد أن باءت كل محاولاتها لكسب الاعتراف الدولي بالفشل، برغم سيطرتها على ٩٠٪ من التراب الأفغاني. وإن هذه الخطوة بمثابة إعلان منهم أنهم سوف يفعلون كل ما يحلون لهم، وأنه ليس في استطاعة أحد منعهم.

 ثالثًا: قررت طالبان تحطيم التماثيل بفتوى من علماء باكستان المنتمين إلى فريق «جمعية علماء إسلام» الذين لهم وجود ملموس في الشارع الباكستاني، كما لهم جيش مسلح باسم «لشكر جهنغوي» ولهم حزب سياسي باسم «سباه صحابه باكستان»، كما لهم مدارس دينية بالآلاف. وتنشط جمعية علماء إسلام الباكستانية في أفغانستان لدحض المنكرات!، رغم أن باكستان نفسها بحاجة ماسة إلى من يردع المنكر فيها. وحيث إن هؤلاء غير خبيرين بالسياسة، تستغلهم أطراف أخرى لتحقيق أهداف سياسية.

رابعًا: يرى محمد ظاهر شاه ملك أفغانستان سابقًا، وأحمد شاه مسعود زعيم المعارضة الأفغانية المسلحة، وصبغت الله مجددي، أن باكستان وراء هذه المسرحية، وأن رفض طالبان للاستجابة لنداءات باكستان بعد قيام «معين الدين حيدر» وزير داخلية باكستان بزيارة إلى قندهار، ليس أكثر من محاولة للادعاء أن طالبان غير موالية لباكستان، وأنها تتخذ قراراتها من نفسها. ويرون أن توجه الوفود الدولية إلى إسلام آباد، دليل واضح على أن باكستان متورطة في هذه المسرحية. ويعتقد المراقبون أن باكستان ستحصل في آخر المطاف على هدف واحد وهو تدمير أفغانستان اقتصاديًّا في المدى البعيد، وذلك بالرغم من أن وزارة الشؤون الخارجية الباكستانية صرحت أنها لا توافق على تحطيم الأصنام.

 خامسًا: كان لإيران دور في الضجة الإعلامية التي شنت ضد طالبان، مما حرض طالبان على الاستمرار في عملية تحطيم التماثيل، فما إن بنت وسائل الإعلام قرار زعيم طالبان بتدمير تماثيل بوذا، حتى بادرت إذاعة طهران إلى القول: إن طالبان قد حطمت بالفعل ثلثي التماثيل!.

وكانت لهذه الدعاية الإعلامية ضد طالبان انعكاساتها السلبية، بعبارة أخرى، لجأت طهران لاستجلاب الغضب الدولي على طالبان.

سادسًا: يقع هذان التمثالان العملاقان «٥٣ و٣٥ مترًا»، في ولاية باميان الجبلية بوسط أفغانستان، وهي منطقة تقطنها العرقية الهزاروية، وقد كانت المنطقة محل معارك بين حزب وحدت وطالبان أربع مرات خلال السنتين الماضتين، ويرى البعض أن طالبان بادرت باتخاذ هذه الخطوة لردع هذه العرقية التي تقاوم طالبان.

 يذكر أن الهزارة الذين ينتمي معظمهم إلى الشيعة الإمامية سكنوا المنطقة بعد أن طردوا من مناطق قرب كابول، في عهد الملك عبد الرحمن خان (۱۸۸۸م - ۱۹۰۱م) بسبب تمردهم المتكرر.

 قضية تحطيم التماثيل أحدثت ردود أفعال غاضبة من قبل الهندوس والبوذيين في الهند، كما زادت الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها المسلمون في بعض الدول التي فيها أقلية إسلامية كالهند وتايلاند، كما أدخلت أفغانستان طرفًا في الصراع السياسي – العقدي المستمر بين الهند وباكستان منذ أكثر من نصف قرن، وانتهاء بتعقيد القضية الأفغانية أكثر من ذي قبل. 

طالبان وبوذا

بوذا.. هو الاسم الديني لمؤسس الديانة البوذية، ولد في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد في مدينة «كابيلافاستو» من مدن الهند الوسطى، وكان من طائفة رجال الحرب، وهو ابن ملك، فلما بلغ سنه تسعًا وعشرين سنة هجر قصر والده، وذهب للعبادة والتبتل، واعتزل الناس منذ ذلك الحين في قرية «أورولفيفا» ولبث هناك ست سنين، ثم بدأ في بث ديانته بين الناس التي استخلصها من رؤى فلسفية صوفية عبر حياة زهد وتقشف صارمة.

 وتقول تلك العقيدة بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان الذي لم يتطهر من النقائص يعود إلى هذا العالم في جسد آخر، وقد اعتبر الألم من لوازم الوجود، ولابد من الخلاص من الشهوات كوسيلة وحيدة للنجاة من العودة إلى الحياة الأرضية بعد الموت.

 كان بوذا فيلسوفًا، أما البوذيون اليوم فقد عراهم ما عرى سائر الأمم من تبديل العقائد، وقد زعموا - كما زعم غيرهم غلوًا - أن الإله «فيشنو» وهو أحد أركان الثالوث الهندي قد تجسد مرارًا لتخليص البشرية من الخطايا ولوازمها، وأنه تجسد في جسد بوذا بقصد تخليص العالم. 

هذه المزاعم من أمثال تجسد الله أو روح الله أو ابن الله قضية مشتركة بين البوذية والصليبية، وهذا سر التعاطف الكنسي في الغرب مع البوذية التي يجد أتباعها عنده تسامحًا لا يجده المسلمون، وعليه يمكن للبوذيين إقامة معبد لهم في أية عاصمة غربية دون صعوبات من تلك التي يلقاها إقامة مسجد للمسلمين. 

وإذا جاز هدم التماثيل فإن ذلك مرتبط بالاستطاعة، وبشرط ألا يقود إزالة المنكر إلى منكر أشد منه، فهل تملك طالبان «الاستطاعة» وهي المحاصرة دوليًّا بالعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة وتديرها الولايات المتحدة، وجغرافيًّا ببحر يعج بمئات الملايين من أتباع بوذا في الصين والهند واليابان؟!

 سؤال كنا نود أن نسمع إجابته من طالبان قبل قرار هدم الأصنام.

عبد الحق حسن

نقاط

تجسيدًا للحضارة المادية.. الحجر أولى من البشر!

بقلم: أحمد عز الدين

فجأة.. نسي العالم جنون البقر، والحمى القلاعية، والإيدز، والسرطان، والأطفال المشردين، وحوادث العنف الاجتماعي، ونسي ضحايا فيضانات موزمبيق، وزلزال الهند.. ولم يكترث أصلًا بحالة أربعة ملايين فلسطيني يواجهون القتل السريع والبطيء بكل الأشكال التي اخترعتها العقلية اليهودية المعقدة والحاقدة، ولا بحالة مليون شخص أفغاني مهددين بالمجاعة، ووضعهم الإنساني يقارب مستوى الكارثة حسب تعبير منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، وقد مات منهم المئات في الشتاء المنصرم بسبب البرد وسوء التغذية.

كل ما سبق لا يهم لأنه يتعلق بالبشر.. والحضارة السائدة في عالم اليوم ليست حضارة بشرية، ولا تتألم لأوجاع البشر.. إنها حضارة مادية جامدة كالحجر، لذا وجدت نفسها أقرب إلى أصنام بوذا الحجرية منها إلى كل المآسي البشرية التي يعاني منها سكان المعمورة.

وحيث إن تلك الحضارة المادية يُراد لها أن تكتسب صفة العالمية كان من المهم أن يتم توجيه العالم

كله ليعيد ترتيب أولوياته، ويتعلم الاهتمام بالحجر الذي أضحى في عرفهم أولى من البشر. 

حتى علماء الدين جرى إقحامهم عنوة في الموضوع، وهم الذين يعانون التجاهل والتهميش باستمرار. «الخارجية المصرية اتصلت بالشيخ يوسف القرضاوي لحثه على التدخل في الموضوع، بينما تحتجزه الداخلية المصرية في كل مرة يصل فيها إلى مطار القاهرة ساعات عدة، قبل أن تأذن له بالدخول إلى بلده». وسارعت حكومات شعارها عدم توظيف الدين في السياسة، سارعت إلى توظيف بعض العلماء وآرائهم الفقهية لخدمة مواقفها السياسية... في التناقض.

كنت أود ألا يستجيب من نحب من العلماء لعملية الإقحام المفتعلة تلك، وألا يتولوا الدفاع، وكأن الإسلام متهم ينبغي الدفاع عنه، فقواعد اللعبة من أساسها خاطئة، وليس لأولئك العلماء الأفاضل دخل فيها.

لا أناقش هذا الموقف الشرعي من تحطيم التماثيل، فذلك أمر مرده إلى أهل الاختصاص من العلماء.. لكن ما يعرفه كل مسلم أن الكعبة بيت الله الحرام مبنية من الحجر، وهي أقدس بقعة على الأرض، ومع ذلك فقد روي عن رسول صلى الله عليه وسلم ما معناه: «أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة».. فماذا عن دماء المسلمين التي تسيل ليل نهار في أكثر من بلد؟ ولماذا لم تتحرك من أجلها الحكومات والمنظمات؟ بل لماذا لم يُترك المجال للعلماء لاستنصار المسلمين لنجدة إخوانهم وحثهم على التدخل لحقن دمائهم بدل أن توصد أمامهم الأبواب؟

حين حاول بعض الصادقين تذكير العالم بازدواجية المعايير في تلك القضية، وأن المسجد الأقصى تعرض للحرق، ويتعرض كل يوم للهدم بفعل المؤامرات الصهيونية والحفريات حول أساساته، وأن مسجد البابري في الهند قد هُدم من أساسه، وأن مساجد البوسنة الأثرية قد دمرها الصرب، وأن الغزو الشيوعي لأفغانستان دمر آثارًا إسلامية مهمة في غزنة وهراة وغيرهما، حين تساءل البعض لماذا لم تتحرك منظمة اليونسكو للدفاع عن آثار المسلمين، كما تتحرك اليوم «مديرها الحالي كوشيرو ماتسورا بوذي، وذلك سبب حرقته على تماثيل بوذا، فكم من مسؤول دولي عربي أو مسلم خدم قضايا أمته من موقعه» حتى هذا السؤال لم يجد قبولاً، و انبرى من يقول: إن الخطأ لا يبرره خطأ آخر هكذا... أي على المسلمين أن يدينوا طالبان أولًا، ثم يتسولوا العون الدولي لقضاياهم، إنه المنطق نفسه الذي يتعامل به الصهاينة مع السلطة الفلسطينية، وبعض الأنظمة العربية: الاعتراف بالكيان الصهيوني.... إدانة «العنف»... مكافحة الإرهاب... تجفيف منابع «المتطرفين» أولًا.. ثم نجلس لنتفاوض.. تأخذ أو لا تأخذ لا يهم.. المهم أن تصاغ ضمن القالب وتسير على الطريق «حذو القذة بالقذة».

وهو المنطق نفسه في بعض الأنظمة الاستبدادية حتى تتعامل مع المواطن بطريقة: ادفع ما ليس عليك ثم اشتكي لتأخذه.

لقد «بصقت» طالبان على العالم- حسب تعبير د. محمد عمارة - بلجوئها إلى هدم تلك التماثيل ورفضها كل نداءات الأمم المتحدة التي هرول أمينها العام للقاء وزير خارجية طالبان- رغم العقوبات المفروضة على بلاده- ورغم شجب واستنكار كل من له صلة بالموضوع، ومن ليس له صلة. 

وسواء كان قرار طالبان - هدم التماثيل - دينيًّا أم سياسيًّا، فإن عالمًا هذا حاله، تصرفت معه طالبان بهذه الطريقة لا يستحق مجرد نظرة رثاء. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

520

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

578

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8