; تحليل سياسي: السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1245

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 08-أبريل-1997

إعداد: المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث – واشنطن

  •  الولايات المتحدة مطالبة بالتعامل مع الإسلام من منطلق التقدير والاحترام وعدم الوقوف في وجهه وإلا فستكون الخاسر الوحيد.

فشلت إدارة الرئيس كلينتون كما فشلت قبلها إدارات كارتر وريجان وبوش في قراءة واقع العالم الإسلامي، وهذا الفشل يعزى لعدم وجود خبراء في أروقة المثقفين الأمريكيين في مجال الإسلام، فهناك خبراء برعوا في سبر غور النظيرة الماركسية وأنموذجها المتمثل في الاتحاد السوفييتي، كما أن هناك خبراء في شؤون الصين الشعبية، وخبراء في الشؤون العربية، أو الشرق الأوسط على المستوى العلماني، وخبراء في الشؤون النفطية، وغيرها، ولكن حتى الآن لم تنجب المرأة الأمريكية خبيرًا حقيقيًا في الشؤون الإسلامية، وإلى أن تنجب المرأة الأمريكية ذلك الخبير فسوف تتخبط سياسة الولايات المتحدة تجاه التعامل السياسي مع الإسلام.

لهذا السبب أحدث ظهور الإسلام على المستوى السياسي هزة عنيفة في أروقة صناع السياسة الخارجية للولايات المتحدة تشابه الهزة التي أعقبت ظهور الاتحاد السوفييتي بنظريته الماركسية كقوة ثانية في العالم، وذلك على عهد إدارة الرئيس الديمقراطي ترومان في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، فقد تخبطت الإدارات الأمريكية السابقة أنذاك في رسم سياسة واضحة تجاه الاتحاد السوفييتي مثل التخبط الذي نراه الآن تجاه رسم سياسة أمريكية واضحة المعالم تجاه الحركات الإسلامية.

ظاهرة التيارين وسط صناع القرار في الإدارة الأمريكية:

1- إدارة الرئيس كارتر

تدل ظاهرة التيارين- أي وجود تيارين داخل الإدارة الأمريكية تجاه التعامل مع الإسلام السياسي- على عدم المقدرة على تأسيس فهم مشترك لحركة الإسلام السياسي، والتي نجحت حتى الآن في عودة دولتين إلى حصن الإسلام هما إيران والسودان، ووصلت بالفعل في الجزائر إلى العودة بالبلاد إلى الإسلام، لولا أن التجربة أجهضت في الدقائق الأخيرة.

لقد طبعت هذه الظاهرة إدارة الرئيس كارتر سنة 1979م إبان الثورة الإسلامية في إيران، فقد كان تيار الصقور «Confronatationist» يقوده مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي أنذاك «برزنسكي»، والذي كان يقول بضرورة مواجهة الثورة الإسلامية في إيران عن طريق القوات الإيرانية المسلحة، وبمساعدة القوات الأمريكية المتمركزة في المحيط الهندي وغيرها، وكان يقود تيار الحمائم «Accomodationist» وزير الخارجية «سايروس فانس»، والذي كان ينادي بضرورة ترك الأمور ليقررها الشعب الإيراني نفسه.

وقد كان الرئيس مشتتًا في خياراته، فتارة يأخذ برأي الأول، ثم برأي الأخير تارة أخرى، ولقد عمل باستشارة سايروس فانس وزير خارجيته بعدم التدخل في شؤون الثورة بالقوة، ولكنه أخذ برأي الصقور الذين يمثلهم برزنسكي في الهجوم العسكري الجوي على السفارة الأمريكية في طهران لتخليص 77 أمريكيًا كانوا موجودين بها تحت حراسة حرس الثورة، وكان مصير تلك الحملة كارثة محققة، والقصة معروفة فقد انتهت بتحطيم طائرات الهجوم الأمريكي في إحدى صحاري إيران وهي في الجو.

2- إدارة الرئيس ريجان                                                     

أما على عهد إدارة الرئيس ريجان، فقد استمر الحال- حالة ضياع البوصلة- في سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه الإسلام، والذي تمثل في عهده بالتحدي الذي شكلته الثورة الإيرانية ونجاحاتها في الداخل والخارج؛ حيث أثبتت أن الإسلام دين حي نشط يمكنه تحريك الجماهير، ولكن رغم ذلك فلم يمثل الإسلام أنذاك التحدي الأول للولايات المتحدة، فقد نظرت تلك الإدارة تجاه الاتحاد السوفييتي وترسانته النووية على أنه هو الخطر الحقيقي.

إن هذه الإدارة الجمهورية خالفت النظرة الثنائية التي طبعت الإدارة الديمقراطية السابقة، وكان تعاملها مع الإسلام يتم وفق التعامل مع متطلبات الواقع، فالثورة الإسلامية في إيران تم التعامل معها على أساس المواجهة عن طريق الحرب عبر العملاء «Proxy War»؛ إذ زجَّ بالثورة الإسلامية في حرب مع العراق استمرت ثماني سنوات، نفس هذه الإدارة التي شنت الحرب على إيران عن طريق العملاء، تعاملت معها في صفقات للسلاح في قضية أموال منظمة الكونترا المشهورة!!

من هنا ندرك أن إدارة الرئيس ريجان تميزت بخط واضح تخلصت فيه من اختلاف صانعي القرار حول السياسة التي ينبغي أن تتخذ تجاه الإسلام، والتي تميزت بها إدارة الرئيس كارتر، ولكن استمرت الأحاديث والتصريحات العدائية تجاه الإسلام السياسي.

3- إدارة الرئيس بوش

استمرت إدارة الرئيس بوش على نفس النمط دون القدرة على رسم سياسة محددة تجاه الإسلام السياسي، وعندما كسبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر الانتخابات البرلمانية في سنة 1991م، وقبل أن تجري الدورة الثانية لهذه الانتخابات حدث انقلاب عسكري بإيعاز من فرنسا عطل الانتخابات واعتقل قادة الجبهة الإسلامية، وزج بهم في السجون، بل تجرأ الجيش على حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ نفسها.

وعندما واجهت إدارة الرئيس بوش هذا المأزق لم تستطع التصريح بإدانة الانقلاب الذي أطاح بالديمقراطية، والتي طالما صدعت بها أذان العالم، وعندما سئل جيمس بيكر عن سياسة الولايات المتحدة تجاه المسلمين قال: «أعتقد أنه يجب أن ننظر إلى كل حالة على حدة»!!

وهكذا استمرت إدارة الرئيس بوش في عدم الوضوح في سياستها تجاه الإسلام السياسي، وبذلك بدأت المصداقية الغربية تجاه الدعوة إلى الديمقراطية تهتز، بل إنها انهارت تمامًا عندما بدأت مجموعة السياسة الخارجية على عهد الرئيس بوش تبشر بمقولة إن الإسلاميين إذا وصلوا إلى السلطة عن طريق الانتخابات فسوف يمنعون غيرهم من الوصول إلى هذه السلطة «One Man – One Vote – One Time»!! وهنا استطاعت إدارة بوش وللمرة الأولى- أن تفرق بين الإسلام والمتطرفين، حيث قالت على لسان إدوارد ديجرجيان: «إن الولايات المتحدة لا تحدد سياستها الخارجية تجاه العالم الإسلامي على ضوء الإسلام، وهي في نفس الوقت تقف ضد المتطرفين الذين يتخذون من الدين وسيلة للوصول إلى السلطة... إذن فإدارة الرئيس بوش قد اتخذت موقفًا واضحًا ضد الإسلاميين والخط الذي يمثلونه، ولن تسمح لأي اتجاهات إسلامية، بالوصول إلى السلطة إذا كانت تشكل تهديدًا للهيمنة الأمريكية ومصالحها الحيوية في المنطقة الشرق أوسطية.

4- سياسة الإدارة الحالية «إدارة كلينتون» تجاه الإسلام السياسي

إن إحدى سمات إدارة كلينتون في سياستها الخارجية- أو محاولة تجسيد سياسة خارجية تجاه الإسلام- هي ظهور التيارين اللذين طبعًا إدارة الرئيس كارتر سابقًا، ويبدو أن هذه هي سعة الإدارات الديمقراطية بشكل عام.

إن هناك تيارًا يحمل رأيًا يقول باستيعاب وفهم الإسلاميين ومحاولة التعامل معهم، ويسمى بتيار التعامل «Accomodatitoest» يقوده روبرت بليترو، مساعد وزير الخارجية الحالي، ويساند هؤلاء عمل الجهة الأكاديمية، ومنهم د. جون أسبوزيتو- أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز التفاهم المسيحي- الإسلامي بجامعة جون تاون، ود. إيفون حداد وغيرهم، إن هذا الجناح لم يخل حديثهم من التعبير عن أنهم ليسوا ضد الإسلام كدين وكحضارة، ولكنهم ضد التطرف الإسلامي، وحتى الرئيس كلينتون يقول بمقولة هؤلاء الأكاديميين، فقد خاطب الرئيس كلينتون البرلمان الأردني في 24 أكتوبر 1994م معبرًا عن رأيه في أن الولايات المتحدة تقدر الإسلام كدين وتعتز به كحضارة.

وعلى الجانب الآخر يوجد جناح المواجهة «Confrontationist»، وهؤلاء كان يقودهم في الإدارة الأمريكية أنتوني ليك مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي السابق، ومارتن أنديك النائب السابق لمستشار الأمن القومي وهو الآن سفير أمريكا في إسرائيل، وهذا الجناح يتحدث بلغة شديدة ضد الإسلاميين، يساندهم من الأكاديميين اليهود د. دانيل بايبز محرر دورية الشرق الأوسط الفصلية (Middle East Quarterly)، وباتريك كلوسون، وينادي هؤلاء بالمواجهة، وقد كتب دانيل بايبز عن التجربة الجزائرية، وقال: بضرورة منع الإسلامين من الوصل إلى الحكم، وإلا فسوف تنطبق نظرية «الدومينو» فتسقط تونس ثم المغرب ثم مصر ثم غيرها من باقي دول المنطقة.

ويذهب الرئيس كلينتون أحيانًا في هذا الاتجاه في كلامه عن التطرف واحترام الإسلام، وهو هنا يرى واقفًا مع تيار المواجهة تارة، ومع تيار التعامل تارة أخرى!! ولمعرفة الرأي الحقيقي للإدارة فيجب النظر في الواقع العملي لهذه السياسة، وتطبيقها على بعض القضايا الإسلامية، وأبرز هذه السياسات هي «سياسة الاحتواء المزدوج».

لقد طُبقت هذه السياسة على كل من إيران وليبيا والسودان والعراق، فسياسة الاحتواء المزدوج تمثل الآن تأثير تيار المواجهة، ففي فترة غلبة هذا التيار نرى ضرب العراق وتقسيمه إلى ثلاث مناطق ومنعه من تحريك طائراته، والتحرش بإيران والسودان اقتصاديا ودبلوماسيًا.

أما في فلسطين، فتقف الإدارة مع السياسات المتطرفة لحزب الليكود، وعندما يذهب 60 فلسطينيًا ضحية العنف والحرب الإسرائيلية داخل المدن الفلسطينية بسبب حملة العنف التي تقوم بها تلك الحكومة، تقف الإدارة الأمريكية في الحكومة الإسرائيلية وتمنع خروج أي تصريح بالإدانة، بالرغم من استخدام إسرائيل لطائرات الكوبرا العسكرية لضرب المدنيين، ونقض اتفاقاتها الموقعة مع الولايات المتحدة بعدم استخدام هذه الطائرات في غير ميادين المواجهات العسكرية.

الخلاصة

لم تتمكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة حتى الآن من التوصل إلى ثوابت واضحة في رسم سياسة أمريكية محددة المعالم تجاه الإسلام السياسي، وفي تقديرنا أن العجز المذكور له أثار بالغة على مجمل الأوضاع في المنطقة، فالإسلام هو القوة الوحيدة المؤهلة لحكم العالم الإسلامي بعد سقوط الاشتراكية وعجز العلمانية، إذا لم يُتْرَكْ هذا الاتجاه ليعبر عن نفسه بالأسلوب السلمي، فسوف يعبر عن نفسه عن طريق العنف والثورة، كما حدث في إيران سنة 1979م، أو كما حدث في السودان عن طريق انحياز القوات المسلحة للإسلام وتسليم مقاليد السلطة السياسية.. فمقدم الإسلام أمر حتمي، وعلى الولايات المتحدة الاعتراف بذلك التعامل مع الإسلام من منطلق التقدير والاحترام، وعدم الوقوف في وجهه إزاء السلطة السياسية، وإلا فستكون هي الخاسر الوحيد. 

الرابط المختصر :