; تحليل سياسي فصول من مهزلة من المفاوضات في واشنطن | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي فصول من مهزلة من المفاوضات في واشنطن

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

مشاهدات 69

نشر في العدد 1020

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

مفاوضات واشنطن: فن إضاعة الوقت والدبلوماسية الهزلية

استراتيجية التباطؤ اللبنانية والأردنية

من الواضح أن الوفدين: اللبناني والأردني لمفاوضات السلام مع إسرائيل يعملان على إضاعة الوقت قدر الإمكان، فالوفد اللبناني ينتظر إشارة من سوريا ليبدأ مفاوضات جدية- وذلك طبعًا- إذا ما تقدمت المحادثات السورية الإسرائيلية. أما الوفد الأردني فإنه في حالة انتظار تقدم ملموس في المفاوضات السورية والفلسطينية مع الإسرائيليين.

قراءة النصوص والتحول إلى الغداء

ففي جولة المحادثات السادسة والتي عقدت في واشنطن، استدار سهيل شماس رئيس الوفد اللبناني في إحدى الجلسات إلى نائبه السفير جهاد مرتضى الذي كان يحمل الكثير من الملفات، واستخرج من بينها نص كلمة كان قد ألقاها «شماس» في جلسة سابقة من المفاوضات وأخذ يقرأ فقرات طويلة منها. وبين فترة وأخرى، يلقي شماس نظرة خاطفة على الساعة ثم يستمر في القراءة. ويبدو أن «أوري لوبراني» رئيس الوفد الإسرائيلي فهم سبب نظرات شماس المتكررة للساعة وأدرك أن هدفه من القراءة إضاعة الوقت، فتقدم بطلب إيقاف الجلسة والتوجه للغداء، فما كان من شماس إلا أن وافق على الاقتراح على الفور. لمعلومات أوسع عن الجولة السادسة من مفاوضات السلام، يمكن البحث في الأرشيفات.

المأكولات العراقية تسيطر على الأجواء

وفي موقف آخر، بينما كان الوفدان يتجادلان حول تشكيل لجنة عسكرية مشتركة لتناقش قضايا أمنية، كان أعضاء آخرون من كلا الوفدين وفي نفس الغرفة يتجاذبون الحديث حول المأكولات الشهية المحببة لكل واحد منهم، حيث تبين أن عددًا كبيرًا من الوفدين يجمعهم قاسم مشترك ألا وهو حب المأكولات العراقية. ولم يفوت عضو الوفد الإسرائيلي «أوود زاراي» الفرصة، حيث رفع سماعة الهاتف واتصل بمركز إقامة الوفد الإسرائيلي وطلب إحضار حلويات عراقية كان قد أحضرها معه من محل حلويات عراقية يقع في ضواحي مدينة «بتاح تكفا» بالقرب من تل أبيب. وعند وصول الحلويات، نهض الجميع وأعيد ترتيب الطاولات ثم جلسوا على المائدة في حالة نشوة، وتناولوا الحلوى وأمضوا أكثر من ساعة «من ساعات العمل» يمجدون ويعددون مزايا التمر والبلح العراقي الذي ينمو على ضفتي نهر دجلة.

الأردن والقفز على الهوة

أما المفاوضات الإسرائيلية مع الوفد الأردني فلا تقل فكاهة عما يجري مع الوفد اللبناني، فالوفد الأردني يحرص على موقع أقل تقدمًا من السوريين والفلسطينيين، لكنه قريب بحيث إذا ما تم تقدم على الجانبين: السوري الفلسطيني، يمكنه هدم الهوة بـ قفزة واحدة للحاق ببقية الوفود العربية. ومن هنا، على ما يبدو أن الفريقين: الأردني والإسرائيلي يعملان على إيجاد مصاعب لتمرير الوقت.

قضايا البيئة والحمام البري

ففي إحدى لقاءات الجولة الأخيرة، أدخل الإسرائيليون إلى غرفة المفاوضات عالم بيئة إسرائيلي ليقدم محاضرة تفصيلية للوفدين عن القضايا البيئية التي يمكن تعاون البلدين فيها. وذكر أنه إذا تمكن الأردنيون من إحكام إغلاق مخازن القمح الموجودة في ميناء العقبة وحالوا دون تناثر حبوب القمح في منطقة الميناء، فإن هذا سيقلل عدد الحمام البري في تلك المنطقة، وبالتالي فإن السياح في ميناء إيلات الإسرائيلي لن يشتكوا من «الهدايا» «بقصد أوساخ الحمام» التي تتساقط من السماء.

وبعد انتهاء الجلسة وخروج الوفدين، سئل مروان معشر المتحدث الرسمي باسم الوفد الأردني عن أهمية طرح مثل هذه المواضيع وإضاعة الساعات في الحوار حولها بدلًا من الخوض في القضايا الهامة، فأجاب بطريقة دبلوماسية لم يقدم فيها إجابة.

المشادة حول التسميات الجغرافية

وعندما بدأ رئيس الوفد الإسرائيلي للجنة محادثات الماء «مدان زاسلافسي» الحديث، وعندما جاء ذكر الضفة الغربية، أطلق الاسم العبري يهودا والسامرة، عندها وقف منذر حدادين رئيس محادثات الماء الأردنية غاضبًا وهدد قائلًا: «إذا كنت تريد أن تسميها بهذا الاسم فأنا سأطلق على الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط فلسطين». فأجابه زاسلافسكي ببرود: «عندها سنشير نحن لإمارة الأردن باسمها التاريخي «سانجاك» «مقاطعة إدارية» تابعة «لدمشق»». ولم يقم رئيس الجلسة الأمريكي بأكثر من طرق خفيفة بمطرقة بلاستيكية على الطاولة لإنهاء المشادة. للمزيد عن الخلافات حول تسميات المناطق في المفاوضات، يمكن الرجوع إلى الوثائق الرسمية.

التنسيق العربي وخطاب السوريين

وفيما يتعلق بالتنسيق بين الوفود العربية، فبالرغم من تأكيد رؤساء الوفود أن التنسيق يتم بشكل دائم ومنتظم من خلال لقاءين للوفود العربية أسبوعيًا، إلا أن الحقيقة ليست كذلك. فعندما سئل مسؤول كبير في الوفد الأردني عما إذا كان السوريون قد أطلعوا الوفد الأردني على محتويات أول وثيقة سورية مكتوبة قدمت للإسرائيليين يوم 31/8، أجاب: «لقد قدموا إلينا ورقة لكننا لا نعلم ما إذا كانت هي نفس الورقة».

أما الوفد السوري فلا أحد يتكلم أثناء المفاوضات مع الإسرائيليين سوى موفق العلاف رئيس الوفد، والملاحظ أنه لا يتكلم إلا قليلًا ودائمًا يشير بيديه إلى رئيس الوفد الإسرائيلي «ايتمار رابينوفتش» حاثًا إياه للاستمرار في الحديث وترك المجال له دون مقاطعة مهما أطال في حديثه. وقد أوضح أحد أعضاء الوفد السوري في لقاء منفرد معه سر ذلك قائلًا: «كلما تكلم أكثر كلما ازدادت احتمالية تقديمه للتنازلات، ربما يزل أو يخطئ، وربما يرتبك وتتشوش «أفكاره».



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل