العنوان تحليل صحفي لجريدة هارتس اليهودية حول أسرة الجهاد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1981
مشاهدات 55
نشر في العدد 523
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-أبريل-1981
تأسيسها وأعضاؤها وأفكارها وارتباطها بمنظمة التحرير والإخوان المسلمين كما تراه الصحيفة اليهودية
أطلقوا على «إسرائيل» «دار حرب» وشجبوها لاحتلالها المسجد الأقصى بالقوة وقيامها بتدنيسه، وقد أنهوا خطاباتهم بالتهجم على الشيوعية والإمبريالية معا
إن تنمية فكرة الجهاد ضد «دولة إسرائيل الكافرة» التي تحتفظ بالمسجد الأقصى، وتدنسه كانت نواة مهمة ومركزية في دعاية التنظيم السري لأسرة الجهاد سواء كان شفهيا أو خطيا
رفع رئيس بلدية الناصرة وعضو حزب راكاح والشاعر المتحرر علم «إسرائيل» بعد أن أنزل علم فلسطين قائلا: نحن هنا نعيش في دولة إسرائيل.. لا في بيروت.. ولا في غيرها من العواصم العربية.
صحيفة هآرتس.. ومعناها بالعربية البلاد أو الأرض، جريدة سياسية مستقلة ذات سياسة مستقلة ذات انتشار واسع بين اليهود في فلسطين المحتلة، وتتميز بخطها السياسي «المعتدل»، وإن كانت ذات ميول ليبرالية، يصدر عنها ملحق أسبوعي يوم الجمعة.
وقد نشرت في ملحق عدد الجمعة الصادر بتاريخ (6/2/1981) التحقيق الصحفي التالي مع تحليلات قدمتها الصحيفة من وجهة نظر المحرر اليهودي لقرائها اليهود.. ورغم ما ورد في التحقيق من خلط بين الحق والباطل، ووضوح الرؤية وأوهام العدو فإن التحقيق جدير بأن يطلع عليه القراء في العالمين العربي والإسلامي ليدركوا حقيقة ما يجري على أرض فلسطين من فعاليات، وإيجابيات من جانب، وتخاذل وهزائم نفسية منكرة من جانب آخر!
هذا وقد أتبعنا التحقيق بتعليق قصد به إلقاء الضوء على بعض منعطفات الطريق.
أسرة الجهاد
لقد بحثوا في مساجد «المثلث» عن ملجأ من فراغ الحياة، وسرعان ما وجدوا أنفسهم منظمين في حركة سرية، ومستعدين للقيام بعمليات تخريبية ضد «الدولة الكافرة» التي ولدوا وترعرعوا فيها.
تبين طرف الخيط خلال التحقيق مع بسام محاجنة أحد أعضاء فريق كرة القدم في أم الفحم، والذي زود بالمواد الناسفة عصابة نسف السيارات في يافا، فقد قال محاجنة وهو من سكان أم الفحم للذين حققوا معه أنه توسط في صفقة أسلحة بين جنود «إسرائيليين» وبين شباب متدينين من سكان قريته!
غارات متتالية لقوات الأمن
في مطلع شهر كانون الأول الماضي أغارت قوات الأمن على عدد من المنازل في قرى أم الفحم وباقة الغربية وكفر قاسم وقلنسوة في المثلث الصغير، واعتقلت العشرات من المشبوهين، وفي غارتين ليليتين أخريين نفذتا في العاشر من كانون الثاني اعتقل عدد آخر من المشبوهين وعثر على ١٦٠ قنبلة يدوية وجميعها من صنع الجيش الإسرائيلي ما زالت معبأة بالصناديق ورشاش عوزي ومسدسين وخرائط وصور وغير ذلك.
أخذت الصورة تتضح شيئًا فشيئًا، منذ المراحل الأولى للتحقيق: فقد تبين أن هناك تنظيمًا سريًا من الشباب،
بعضهم من أصحاب النظريات الوطنية المحضة، عملوا على غرار حركة الإخوان المسلمين.
إن ذوي الميول العربية في المؤسسة الإسرائيلية ومن ضمنهم مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية- الذين كانوا يدّعون طيلة سنوات خلت بأنه من غير الممكن قيام تنظيم سري وطني بين عرب إسرائيل ما لم تتوفر ثلاثة شروط وهي:
(مقومات الانتظام السري، والأسلحة، والقدرة على التدرب عليها) اضطروا للاعتراف بأن تصوراتهم قد فشلت هذه المرة ولم تصمد أمام اختبار الواقع.
العودة إلى الدين والجذور الإسلامية
في عام ١٩٧٨ بدأت تتعزز لدى عرب إسرائيل وخاصة في منطقة المثلث الميول في العودة إلى الدين والجذور الإسلامية، وكان ذلك جانبًا من اتجاه واسع طرأ في أماكن مختلفة في العالم وفي العالم الإسلامي بحثًا عن منفذ من خيبة الأمل التي أصابتهم بها الحضارة الغربية، فقد قام أحد رجال الدين في كفر قاسم بتشجيع عدد كبير من الشبان الذين لم يجدوا مكانهم في المدينة، أو في القرية دون أن يقوموا بإدخال أي تحول على حياتهم، فتوجهوا إلى المساجد وراحوا يجربون طريقة أخرى. وكان لثورة الخميني في إيران أكبر دور في هذا الاتجاه، فقد استجاب المئات من الشبان الضالين وبدأوا يرتادون المساجد ومطالعة الكتب الدينية التي أحضرت من الضفة الغربية، ومن بين الذين بحثوا بجدية وتركيز عن أجوبة للمسائل والقضايا التي كانت تقلقهم كانت عناصر متعصبة، وهؤلاء رأوا في الدين والحركة الدينية التي تجمع القوى نقطة انطلاق، لقد أدركوا جيدًا ماذا تعني العودة إلى الإسلام وأدركوا جيدًا القوة الكامنة في هذه الظاهرة واعتبروا الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» حزبًا لا يمثلهم، وعرفوا بأن المؤسسة الأمنية تتعقب باهتمام بالغ نشاطات الحركات المتطرفة مثل حركة «أبناء البلد» والحركة الوطنية التقدمية وهذا ما منعهم من العمل بحرية نسبيًا، وقد رأوا في الإطار الديني المتبلور أرضية سهلة للنشاطات وعلى الأقل كتمويه.
وكأي حركة محافظة، رسموا خطاهم بتفكير وحذر، لقد تواضعوا أشهرًا كثيرة وحافظوا على إلقاء الخطب والعظات حول الشؤون الدينية فقط.. طلبوا من مئات الشبان التصرف حسب مبادئ الإسلام القويم وحثوهم على الصلاة واتباع نمط متواضع من الحياة، وهكذا تعززت هيبتهم الدينية البحتة. وكانت هناك أطراف رأت في هذا الاتجاه ظاهرة إيجابية.
بدأ التحول يظهر في أواسط تشرين الثاني ١٩٧٩ فقد نظمت العناصر الوطنية المتطرفة العاملة بين الراجعين إلى حظيرة الإسلام اجتماعًا إسلاميًا كبيرًا في الناصرة بمناسبة حلول القرن الخامس عشر للهجرة، وفي منشور وزع في المثلث والجليل دعيت الجماهير الإسلامية للاشتراك في هذا المؤتمر الذي تقرر إقامته يوم ١٦ تشرين الثاني في مسجد السلام في الناصرة، وقد تجمع أربعة آلاف مسلم في ذلك المسجد، واستمعوا إلى خطب ألقاها الشيخ أحمد ياسين ومحمد فؤاد أبو زيد، وكلاهما من الضفة الغربية (والحقيقة أن محمد فؤاد أبو زيد وحده من الضفة الغربية) وعبد الله نمر درويش من قطاع غزة (وهذا خطأ أوردته الصحيفة اليهودية) وهؤلاء الخطباء الثلاثة الذين اعتقل أحدهم- وهو محمد فؤاد أبو زيد بعد بضعة أشهر بتهمة قيامه بنشاطات تخريبية عملوا على إثارة الحماس في نفوس المتجمهرين، فقد دعوا إلى إقامة حركة في «إسرائيل» على غرار حركة الإخوان المسلمين، وأطلقوا على إسرائيل اسم «دولة الكفر» وشجبوها لاحتلالها المسجد الأقصى بالقوة وقيامها بتدنيسه، وقد أنهوا خطاباتهم بالتهجم على الشيوعية والإمبريالية معًا.
كانت تقف من وراء هذا المؤتمر هيئات متطرفة من المثلث أرادت من وراء عقدها له كسب هدفين رئيسيين:
الهدف الأول جس النبض ومعرفة قوة شعبيتهم.
والهدف الثاني: أن عقد المؤتمر في الناصرة التي تعتبر المعقل الرئيسي للحزب الشيوعي «راكاح» يعد تحديًا لهذا الحزب وإشارة واضحة لما سيحدث في المستقبل، وقد سارع رجال الإعلام في «راكاح» الذين استوعبوا الإشارة للرد، ففي ساعات المساء وعندما خرج آلاف من المسلمين من المسجد وقعت مشاجرة كبيرة بين المعسكرين.
علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية
إن منظمة «أسرة الجهاد» التي أقيمت في المثلث هي منظمة متعصبة جدا. وقد قسمت إلى ثلاث مناطق: كانت نواة المنطقة الشمالية في أم الفحم، والمنطقة الوسطى وتضم الأعضاء من باقة الغربية، والمنطقة الجنوبية وتضم كفر قاسم وقلنسوة وضواحيها. وكان قائد المنطقة مسؤولا عن أعضاء المنظمة التابعين له وكان من مهمته أيضا تجنيد أعضاء جدد، لقد كان أعضاء منظمة "أسرة الجهاد" البالغ عددهم حوالي 70 شخصا منظَّمين في مجموعات صغيرة، كل مجموعة مؤلفة من أربعة أعضاء، ويترأس كل مجموعة قائد معين مسؤول عن التنفيذ والتدريب والتوجيه الفكري لرجاله، وكان جميع أعضاء الحركة يرتدون الدشاديش البيضاء «والطواقي» البيضاء وقد أطلقوا شعر ذقونهم على غرار الإخوان المسلمين، وطلب منهم الإخلاص المطلق للمنظمة ورؤسائها.
دمجت منظمة أسرة الجهاد بين الدين والتطرف في طابعها ونشاطاتها. وأرادوا تجسيد أهداف منظمة الإخوان المسلمين، وقرر قادتها التركيز على هدفين فوريين:
أولهما جمع أسلحة كثيرة والتدرب عليها ليستطيعوا القيام بعمليات.
وثانيهما: القيام بعمليات من شأنها أن تلحق ضررا بالاقتصاد الإسرائيلي.
وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام أن أعضاء هذه المنظمة قاموا بحرق حقول وغابات، وقام عدد من أعضاء المنظمة وخاصة أعضاء المنظمة الشمالية التي تضم أم الفحم بعدة أعمال تخريبية في مناطق قراهم: فقد أضرموا النار في دار سينما عرضت أفلاما غير محترمة، وأحرقوا جرارًا زراعيًا لأحد سكان القرية، وسيارة لإحدى مواطنات القرية لقيامها بنقل الفتيات إلى أماكن العمل في الناصرة، كما أحرقوا مقهى، وأطلقوا النار على مقهى آخر رفض صاحبه إغلاقه في شهر رمضان.
إن مقومات التنظيم السري الذي اكتشف في المثلث الصغير -مثل لباسهم وشعارهم وأهدافهم- تربطهم بحركة الإخوان المسلمين، والإخوان المسلمون يتمتعون بمركز قوي لا بأس به في الأردن، ومن هناك يوجهون نشاطات أعضاء الحركة في سوريا وأماكن أخرى.
وإنه ليس مستبعدا أن يكون رؤساء أسرة الجهاد قد أجروا اتصالات مع عدد من أعضاء الإخوان المسلمين في هذه المدن وأنهم نقلوا بواسطتهم الموضوعات والأبحاث العقائدية.
وباستثناء هؤلاء الأعضاء فقد زار قرى المثلث التي تمركزت فيها نشاطات المنظمة وعاظ ومرشدون كثيرون معروفون باتجاههم المتطرف أو بتأييدهم للإخوان المسلمين، فعلى سبيل المثال أكثر من إلقاء الخطب والعظات في قرية أم الفحم وكفر قاسم الشيخ عكرمة صبري المسؤول عن الوعظ والإرشاد في الضفة الغربية، والشيخ عكرمة صبري البالغ من العمر 40 سنة وهو من مواليد قلقيلية ويقيم حاليًا في القدس، وعضو في لجنة التوجيه الوطني وهو شخصية مختلف عليها بين رؤساء المؤسسات الدينية في الضفة، ومعروف بنشاطاته الدينية المتطرفة، وبالإضافة له فقد زار مساجد المثلث الشيخ أحمد ياسين ومحمد فؤاد أبو زيد وعبد الله نمر درويش، هذا عدا عن النشاطات الواسعة التي قام بها الإمام عبد السميع حسن الرفاعي، ففي حين أن الأوائل معروفون بنظرياتهم الراديكالية فإن الأخير كان ينادي بالعودة إلى الإسلام الصحيح، وقد رأى بنشاطاته الدينية كفاحا مقدسا ضد الشيوعية وضد الأسس والهيئات الراديكالية المتطرفة، ولكن حقيقة انتقاله من الضفة وإقامته في كفر قرع في المثلث أسندت إليه التهمة من قبلهم بأنه «متعاون»
إن الهيئات المتطرفة التي خطب ضدها وحذر منها ومنها «أسرة الجهاد»، اعتبرته عقبة في طريقها وخطرا عليها، ولهذا ضغطوا عليه ليرحل، وعندما ارتحل من المثلث وعاد للإقامة في بيت لحم كان واضحا بأن الساحة أصبحت خالية لنشاطات المتعصبين الوطنيين، وقد أصبحت المساجد التي أخذت تستوعب المئات من الشبان أماكن تجمع وهي الأماكن التي كانت تنشر فيها الأفكار العقائدية تحت ستار الدين والوطنية وأخذت الخطب الدينية تزداد تعصبا وأصبحت اللهجات شديدة وواضحة أكثر فأكثر.
العمل السري تحت ستار التقوى
إن نشاطات «أسرة الجهاد» لم تغب عن أنظار المؤسسة الإسلامية الدينية في إسرائيل. فرجال الدين الذين كانت مكانتهم ضعيفة منذ عام ١٩٤٨ لم يرتاحوا للنشاطات الدينية التي تدور حول المساجد تحت ستار التقوى والورع الديني، فرجال الدين «التقليديون» في الجليل والمثلث والذين شعروا بالرياح السيئة التي هبت في المثلث دعوا المتدينين من الشبان إلى التمسك بالدين والعمل بمبادئه فقط وبما هو خير للإنسان، وطلبوا عدم استغلال المساجد لأغراض بعيدة عن الدين..
ولكن رؤساء أسرة الجهاد واصلوا الطريق وكرروا المطالبة بالعودة إلى حياة البساطة التي نادى بها الإسلام، وقاموا بتنظيم حملات تبرع في مناسبات دينية ووزعوا قسمًا من المال الذي جمعوه على الفقراء وخرجوا إلى عمليات إقناع شخصية في كل المناسبات، وخاصة في المناسبات الدينية مثل غرة شهر رمضان والمولد النبوي الشريف ورأس السنة الهجرية، وكانت الدعوة في ظاهرها متواضعة بريئة، ففي قلنسوة وزعت مجموعة تطلق على نفسها اسم «شباب قلنسوة» منشورا يحمل اسم حساب النفس للمسلم المؤمن، وتضمن هذا المنشور ٢٩ سؤالا كانت جميعها تدور حول الشؤون الدينية المحضة مثل الإيمان، والعدل، وشروط صوم شهر رمضان، والمحافظة على شرف العائلة ما عدا السؤال الأخير فقد كان مختلفا تماما السؤال يقول: هل أعددت نفسك للجهاد؟
إن تنمية فكرة الجهاد ضد «دولة إسرائيل الكافرة» التي تحتفظ بالمسجد الأقصى وتدنسه كانت نواة مهمة ومركزية في دعاية التنظيم السري لأسرة الجهاد سواء كان شفهيا أو خطيا..
ولكن المسؤولين عن الدعاية في التنظيم حاولوا بكل وسيلة وبحذر تغليف فكرة الجهاد بغلاف جميل وحساس. إنهم لم يريدوا أن يثيروا ضدهم غضب الهيئات المعتدلة بين عرب إسرائيل، وغضب المؤمنين الذين يؤمنون بالتعايش، وسخط المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين في دولة «إسرائيل»، هذا بالإضافة إلى مخاوفهم من مغبة اكتشافهم من قبل سلطات الأمن الإسرائيلية.
إن الحذر الشديد مكنهم من استغلال الميزات التي تتمتع بها أي حركة دينية جديدة استغلالًا جيدًا، كما أن استخدام لغة غامضة وكلمات عربية منتقاة من المصادر الدينية التقليدية قصد به منحهم مخرجا عند الحاجة.
إن المثلث الصغير لكونه المنطقة الإسلامية المحضة الوحيدة في دولة «إسرائيل» وبفضل قربه من الضفة الغربية، كان أرضا سهلة جدا لنشاطات مجموعة دينية متعصبة كهذه. إن قرب المثلث من المدن العربية في الضفة الغربية والزيارات المتكررة التي يقوم بها رجال الدين من الضفة إلى المثلث، كل هذه الأمور عززت بل وسارت بمنظمة «أسرة الجهاد» نحو الخطوط الخاصة المنسوبة إليهم.
حدث الانفجار في مطلع شهر كانون الأول الماضي، فحملات الاعتقال واكتشاف الأسلحة تركت أثرًا كبيرًا في منطقة المثلث الصغير.
إن من زار هذه القرى خلال الأشهر الأخيرة الثلاثة لا بد وأنه شعر بالتغيير الذي حدث في المنطقة، فوجوه المواطنين في عبوس وألسنتهم محبوسة عن الكلام.
والآن ففي الوقت الذي ما زالت فيه أنباء هذه المنظمة تتصدر الصحف فإن سلسلة من المحاكمات تجري في المحكمة العسكرية في اللد ضد مجموعات «أسرة الجهاد» وقد اعترف حتى الآن أربعة من المشبوهين بانتمائهم لهذه المنظمة وحكم عليهم بالسجن حتى عشرين شهرًا، وفي الأسابيع القليلة القادمة ستنظم محاكمة لقادة «أسرة الجهاد» وعلم أن لوائح الاتهام التي تنظم الآن ضدهم تتضمن تهما خطيرة جدًا.
«بين الإخوان المسلمين ومنظمة التحرير»
إن جميع نشاطاتهم قصد بها خلق صورة لأعضاء المنظمة على أنهم محافظون على الدين والمبادئ الإسلامية، وذلك من أجل بعثرة الطابع المتطرف للمنظمة وتحويل أنظار الشرطة عن الاتجاه الصحيح.
إن ارتباط منظمة الجهاد مع منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، ومع الإخوان المسلمين من جهة أخرى هو نقطة رئيسية، فإذا كانت توجد بالفعل اتصالات بين منظمة «أسرة الجهاد» وبين منظمة التحرير الفلسطينية فإننا نتوصل هنا إلى نقطة مثيرة للاهتمام. إن منظمة التحرير الفلسطينية هي منظمة تؤيد إبادة دولة «إسرائيل»، وإقامة دولة ديمقراطية علمانية بدلا منها، وتؤيد منظمة سرية تؤيد الإخوان المسلمين وتعمل على تجسيد وتحقيق أهدافهم، فما هو السبب الذي جعل منظمة علمانية تساعد منظمة سرية دينية لا ترى أن الحل يمكن في دولة ديمقراطية وإنما في دولة إسلامية مبنية على شريعة الإسلام؟
إن الاعتقاد هنا هو أن السبب في إقامة العلاقات بين منظمة التحرير ومنظمة «أسرة الجهاد» إذا كانت توجد فعلا مثل هذه العلاقات، نابع من الهدف المشترك
- فكلاهما لا تسلمان بوجود دولة «إسرائيل».
- وكلاهما تصبوان لاستبدالها كل حسب طريقتها وأسبابها، وعلى الرغم من أنه توجد بينهما خلافات في الرأي حول طريقة تحقيق الهدف الرئيسي، فإن الهدف المشترك هو بمثابة قاعدة مشتركة تقول إنه يمكن التعاون مع كافر واحد إذا أردنا تحطيم الكافر الأكبر.
التعليق على التحقيق..
هذا هو التحقيق الصحفي كما نشرته بالحرف هآرتس في ملحقها الأسبوعي
الصادر يوم (6/3/1981) وفيه مزيج من الحقائق والأوهام والتخبط ووضوح الرؤية..
فما الذي يمكن أن نقوله هنا ونقدمه للقراء ليميز الله الخبيث من الطيب، ولنلقي الأضواء على هذه القضية من وجهة نظرنا الإسلامية، ووفق ما نعرف أو نحيط به مما له علاقة بالموضوع فكرا؛ لا خبرًا ولا تنظيمًا.. فذلك متروك لأبناء فلسطين المحتلة لأنهم منزرعون بشموخ في أرضهم.. وهم أدرى بما يعملون.
أولا: حزب راكاح هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي يضم العرب واليهود معًا تحت شعارات التقدمية وإنصاف العامل وتحقيق السلام للشعبين معا، ومواقفه من القضية الفلسطينية مواقف تخاذل وانحراف وهزيمة، بل وخيانة لأنه لا يعارض قيام حكومة يهودية في فلسطين، ولكن يعارض قيام نظام يوالي المعسكر الغربي دون سواه، والشعار الذي يجمع الحزب الشيوعي الإسرائيلي مع الحكومة الإسرائيلية هو أن إسرائيل وجدت لتبقى!
ولقد نظم الحزب مؤتمرا منذ شهرين في الناصرة للشبيبة العالمية جمعوا فيه الشبان والفتيات من شتى أنحاء العالم في خيام مشتركة، ورفضوا تخصيص خيمة للصلاة عندما طالبت بها بعض العناصر المؤمنة من شباب فلسطين.. كما قام توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة بإنزال العلم الفلسطيني من فوق سارية المخيم، حيث رفعه الشباب المؤمن ورفع الشاعر المتحرر العلم الإسرائيلي بلا حياء، وهو يقول: نحن هنا نعيش في دولة «إسرائيل». لا في بيروت.. ولا في غيرها من العواصم العربية!
وحزب راكاح هذا هو الذي كشف الشعب الفلسطيني في الداخل عمالته فتخلوا عنه ونبذوا قيادته نبذ النواة وخاصة في القسم الذي احتل عام ١٩٤٨ من فلسطين!
وحزب راكاح هو الحزب المرخص الوحيد الذي يعمل العرب من خلاله لقضيتهم من وجهة نظر يسارية تقر لدولة «إسرائيل» بحق الحياة على أرض فلسطين.
ثانيا: منذ احتلت القوات اليهودية في ظلال المؤامرة الغربية والشرقية أرض فلسطين لم يعد للإخوان المسلمين في الأرض المحتلة وجود رسمي وتنظيم معلن.. وإنما ظل الشباب المسلم يرتاد المساجد، ويقرأ الكتب ويطالع الصحف ويتتبع الأحداث ويعود إلى القرآن كلما احلولك الظلام يستضيء به وينير له الطريق.. وكما هو معروف:
الأسلاك الشائكة لا تمنع تسرب الفكر ولا تمنع سريان الثقافة والعقيدة سريان الدم إلى العروق والشرايين.
ثالثًا: «إسرائيل» شعبًا وحكومة وجيشًا صعقت أن تظهر تنظيمات إسلامية كما تقول الصحف العبرية في فلسطين التي احتلت عام ١٩٤٨ في حين كانت المعلومات، والدلائل تشير إلى أن الشعب الفلسطيني في تلك الأرض قد أقبل على حياة التعايش مع اليهود، وقد ذاب في المجتمع الإسرائيلي، وإذ به كما تقول الصحف اليهودية يرفض الدولة الإسرائيلية على أرضه ويعتبرها «دولة كافرة» ويطالب بإقامة دولة إسلامية تحكمها شريعة الله.
رابعًا: لقد ذهلت الأوساط اليهودية الرسمية والشعبية، كما تقول «وسائل الإعلام» أن تصل أيدي هؤلاء الشجعان إلى مستودعات السلاح التابعة للجيش الإسرائيلي عبر علاقات تجارية وإنسانية هادفة أقاموها مع بعض الجنود الإسرائيليين بعد أن أقنعوهم بأن وجود الكيان اليهودي على أرض فلسطين عدوان صارخ على أهلها، وتنكر لحقوق الإنسان، وهو أمر لم يسبقوا إليه، ومعنى ذلك كما تشير الصحف اليهودية أن الحصول على السلاح لم يعد صعبا وأن تهريبه من خارج الحدود لم يعد ضروريا، كما يخطط له التنظيم.
خامسًا: رفض المحكمة العليا طلب محامي «أسرة الجهاد» أن تجري محاكمة المجموعة أمام محكمة مدنية، والإصرار على محاكمتهم أمام محكمة عسكرية يشير إلى أهمية الموضوع وإلى التخوف والهلع الذي انتشر في أوساط العدو.
سادسا: الحوار الذي جرى بين الصحف في فلسطين المحتلة حول نشر أنباء التنظيم أو عدم نشرها أخذ طابعا جادًا وحادًا معًا، ذلك أن البعض يرى ضرورة نشر أنباء محاكمات التنظيم لأن ذلك يخفف من الرعب الذي سيطر على اليهود في الأوساط العائلية والأمنية معا، في حين يرى البعض أن نشر تلك الأنباء قد يقوم بعمل الدعاية للتنظيم ويَلحق به عدد من الشبان الذين لم يكونوا يعرفون شيئًا عنه.
سابعًا: إن العلاقة بين «منظمة التحرير الفلسطينية» التي تدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية علمانية من جهة وبين «أسرة الجهاد» التي تدعو إلى إقامة دولة إسلامية على أرض فلسطين كما نشرت الصحف العبرية؛ ليس بالضرورة أن تكون قائمة، ولكن وجهة النظر التي لا بد أن يتبناها الشعب الفلسطيني كله أن وجود دولة يهودية على أرضه بات أمرا مرفوضا، وأن القبول بوجود الكيان اليهودي على أرض فلسطين يعد إحدى مراحل الاستسلام، مهما تعددت أسماؤه واختلفت عند الحديث عنه الشعارات والعناوين!
ثامنا: الصحافة اليهودية تصر على فصل الدين الإسلامي عن الحياة، مثلما هو قائم في الحياة الغربية، ونلاحظ أنهم يتظاهرون بالعطف على من يمارس الشعائر الدينية ويتهمون من يفكر بتحرير بلاده أو يعمل على مقاومة العدوان بأنه يستغل الدين ويخطط لأعمال تخريبية، كما نلاحظ أنهم يسمون العلماء الرسميين، المؤسسة الدينية في «إسرائيل»، وتشير الصحافة اليهودية أن «رجال الدين» دعوا الشباب إلى التمسك بالدين الذي يحث على الخير وأن يتركوا الخلط بين الدين والأعمال التخريبية.. وهو الاتهام نفسه الذي يوجه للشباب الدعاة في كل مكان من دنيا العربية وديار الإسلام كلما دعوا إلى تطبيق شرع الله وإقامة حكم الإسلام في الأرض.
تاسعا: إن للفصائل الفلسطينية العديدة أن توحد صفها وأن تجمع كلمتها وأن ترفع راية واحدة كتلك التي أعلنت عنها «أسرة الجهاد» كما نقلت صحف العدو.. أن تظهر فلسطين بالإسلام، وأن تتحرر الأرض المقدسة بالجهاد لا بالشعارات والحلول المفضوحة، ولا بد أن يقوم في فلسطين إن لم يقم فيها حتى الآن «أسرة للجهاد» جديدة. حتى لو زج «بأسرة الجهاد» التي تحدثت عنها الصحف اليهودية في أعماق السجون ووراء القضبان.
دار البراق
للوثائق الإعلامية والتحقيقات الصحفية