; تحليل للظاهرة السياسية في تونس | مجلة المجتمع

العنوان تحليل للظاهرة السياسية في تونس

الكاتب محمد مزالي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1981

مشاهدات 71

نشر في العدد 545

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 29-سبتمبر-1981

•    استئجار العاطلين للقيام بشغب في المساجد يتهم به الإسلاميون
•     هل عون الإسلاميين لأخوتهم.. اتصال بالأجنبي؟
•     مزالي يدعو مختلف التيارات للتكتل ضد الحركة الإسلامية.
نشر اتحاد الطلبة المسلمين واتحاد العمال المسلمين في أوروبا تحليلًا للظاهرة السياسية الأخيرة في تونس ووضحت فيه الخطوط الرئيسية التي تتطور الأوضاع في بلادنا الإسلامية وفقًا لها.
وقد بدأ التحليل بعرض لمحة تاريخية ذكرت فيها الأهداف الكثيرة التي حققها الاستعمار القديم. ثم انتقل إلى نتائج المرحلة الثانية من الاستعمار، حيث استغل الحكم ثقة الشعب به لكي يحارب أسس ومقومات هذا الشعب، وتجرأ على إصدار أوامر لم يحلم المستعمر أن تنفذ في يوم من الأيام، ونفذت إلى حد كبير في تونس وهي:
- شن حملات تشويه لعلماء المسلمين بصورة عامة.
- دعا الشعب إلى إفطار شهر رمضان وتقويض ركن من أركان الإسلام،
- دعا النساء أن يخلعن اللباس الإسلامي.
- أغلق مدرسة الزيتونة.
- ربط البلاد بالغرب وقطعها عن البلاد الإسلامية.
وكان محصلة ذلك كله أن سارت البلاد في ركب الغرب وابتعدت عن الإسلام شوطًا كبيرًا حتى كان المرء لا يرى في المساجد في أواخر الستينات إلا كبار السن من الرجال أما الشباب فقد وجههم الحكم إلى ميادين اللهو والعبث وفي هذه الظروف ولدت الحركة الإسلامية.

الحركة الإسلامية في تونس
بدأت الحركة الإسلامية في تونس في أوائل السبعينات وأخذت تنمو بسرعة وتوجهت إليها أنظار الغرب من أول خطواتها ولفتت كبريات الصحف الفرنسية الأنظار إلى هذه الظاهرة الجديدة مثل Le Monde وI eune Afrique وصحيفة Le Nouvel Observateur وكان الحكم يعتقد أن تشويه صورة الحركة الإسلامية إعلاميًّا كاف لإبعاد الناس عنها، ولكنه لم يفلح فقطع شوطًا آخر بمصادرة وسائل إعلام الإسلاميين ومحاولة تطويقهم ومضايقتهم. وجد الإسلاميون في الاتجاهات الأخرى من الديموقراطيين سندًا ومنبرًا يعبرون أحيانًا من خلاله عن آرائهم ومواقفهم والتقت مصالح الأطراف على نقطة تغيير الطابع الحزبي الضيق للحكم الحالي والطالبة بإطلاق الحرية للنشاط السياسي فوجدت الحكومة نفسها أمام أمر صعب.
- انتشار تيار إسلامي مخالف للمخطط التخريبي الذي دفع النظام فيه البلاد دفعًا.
- التقاء هذا التيار مع الاتجاهات الأخرى في البلاد على نقطة حاسمة وهي المطالبة بالتغيير.
- اضمحلال ثقة الشعب بالرئيس بورقيبة والحزب الحاكم.
مفترق الطرق
عند هذا الحد كان على النظام الحاكم أن يختار الطريق الذي يحقق المصالح المذكورة سابقًا وكان عليه أن يجيب على الأسئلة التالية:
۱ - هل يحافظ على الشكل الحالي للحكم وهو حكم الفرد الذي حقق بكل إخلاص أهداف الاستعمار الجديد؟
٢ - هل يضرب الإسلاميين ويتغافل عن الآخرين؟
3 - هل يجر الإسلاميين إلى موقف الانتفاع بإشراكهم في الحكم ويقضي بذلك على ثقة الشعب فيهم؟
٤ - هل ينتقل إلى المرحلة الثالثة للاستعمار التي تقتضي جمع شمل كل القوات الغربية للتفكير ضمن وحدة وطنية ضد قوة الإسلاميين الرافضين للتبعية؟
5 - هل يسكت ويترك الأمر يسير حتى...؟
الموقف
سلك الحكم القائم الطريق التالي: بدلًا من ترك مصالح كل المعارضة تجتمع ضده وانتفاع الإسلاميين من هذا الوضع لزم تفريق الصف وجعل بقية المعارضة تصطدم مع الإسلاميين وهذا بفتح آفاق الديمقراطية والتعددية الحزبية، وإدخال المعارضة في الحكومة وإدخالها بالتالي في صراع مع الإسلاميين الذين يسهل تصفيتهم من بعد
التطبيق
مهدت الحكومة لتنفيذ ما خططت بطرح موضوع الديمقراطية إعلاميًّا في المجال الشعبي الواسع وبتشويه الإسلاميين مجددًا من خلال حملة إعلامية رهيبة. وعندما أعلنت الحكومة عن القيام بانتخابات جديدة تشارك فيها الأحزاب والتيارات الأخرى فرح كثيرون وبنوا قصورًا من الأحلام ثم وجهت الضربة ضد الإسلاميين كما كان متوقعًا، ومما يدل على ربط «الانفتاح» بمحاربة الإسلاميين ما صرح به الوزير الأول المزالي عندما طلب من كل التيارات التكتل لمحاربة القوة الإسلامية المهددة للأمن والوضع القائم.
وسيلة المحاربة
أمر النظام بزج الإسلاميين في السجون وإنهاء حركتهم قبل نهاية الصيف بشكل بات كما أمر أن تستأجر كل شعبة من الحزب الحكم ٥٠ إلى ١٠٠ شخص من العاطلين المتهورين للقيام بعمليات شغب في المساجد وغيرها ليتم على إثرها إلقاء القبض على الإسلاميين وتحميلهم مسؤولية أعمال الشغب.
اتهمت الحكومة الإسلاميين بـ:
- القيام بالأعمال الإرهابية وأعمال العنف والاستعداد للقيام بالمزيد.
- الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها.
- الانتماء إلى منظمة عالمية.
- النيل من كرامة رئيس الدولة والحكومة.
النتيجة
لم تفلح بفضل الله حسابات الحكومة وجدت التيارات الأخرى داخل البلاد نفسها أمام خيار محرج: 
- إما الرضى بما فعلته الحكومة وانتهاز الفرصة لفرض وجودها رسميًّا مع التخلص من منافس خطير.... -أو الالتزام بمبادئ الديمقراطية التي تقتضي مساندة الإسلاميين ونقد موقف الحكم بشكل واضح.
وماذا بعد؟
إن هذه المرحلة الحاسمة التي تمر بها بلادنا تتطلب منا المزيد من اليقظة والوعي والعمل. لقد قام المخلصون بمحاولة توعية شعبهم إلى ضرورة العودة الصادقة إلى الله قبل فوات الأوان، ودعوا الجميع إلى طرح الأحكام المسبقة على العاملين لدين هذه الأمة وإلى الحوار والنقاش والالتقاء على ما يصلح به هذا المجتمع.
لقد سجن الحكم الأبرياء واتهمهم دونما دليل ولا حجة....
اتهمهم بالانتماء إلى جمعية غير مرخص بها!!
اتهمهم بعد قيامهم نظاميًّا بطلب الترخيصة الحزبي وبعد سماح القانون بالتعددية الحزبية التي طال تجاهلها من قبل النظام الفردي «الحاكم بأمره»! أليس من المنطق أن تقوم «مجموعة» بطلب الترخيص، أم كان النظام ينتظر أن يقوم «فرد» بطلب الترخيص له كحزب؟! 
اتهمهم باستغلال الدين لأغراضهم الشخصية السياسية!!
كيف يجرؤ من أوصل البلاد إلى حافة الهاوية أن يتهم من عرف الشعب إخلاصهم للإسلام وعرفهم في المساجد يدعون إلى فضائل الأخلاق عندما كانت المساجد فارغة من الشباب ولم تكن هناك غاية دنيوية ترتجى أو كسب حزبي ينتظر. 
كيف يجرؤ من لم نعهده يصلي في المساجد إلا مرة كل عام ومن دعا إلى إفطار شهر رمضان متحديًّا أمر الله- عز وجل- على اتهام الصائمين القائمين الداعين إلى الله باستغلال دين الله؟!
اتهمهم بالإرهاب والعنف!! أين الإرهاب؟؟ أليس هو إرهاب الحكم للشعب بالمليشيا والعاطلين المأجورين والقضاة الموجهين والمحاكمات الصورية الزائفة.
اتهمهم بالانتماء الأجنبي!! 
ألا يفرض الإسلام علاقات أخوية بين كل أفراده عبر الحدود التي ورثناها عن الاستعمار والتي نتغنى بها ونتمسك بها إلى حد التعصب الأعمى؟ وإذا كان موقف الإسلاميين في تونس مساندًا لحركات مماثلة في العالم الإسلامي فإن هذا شيء طبيعي في الأمة الواحدة ﴿ إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92) وإذا كانت مساندة الإسلاميين لإسلاميين آخرين جريمة في نظر الحكم فلا حول ولا قوة إلا بالله.. فقد أصبح المعروف لدى الحكم منكرًا والمنكر معروفًا.
لقد أنهى النظام مسرحيته بين تصفيق المغرر بهم وهتافات أجهزة الإعلام الموجهة ووجوم المنصفين العاجزين واستنكارات المعارضين التي لم تكد تسمع أو تؤثر؛ أنهى النظام مسرحيته بعد محاكمات صورية لم تعط فيها الفرصة للدفاع لدراسة ملفات التحقيق الملفقة، ولم تعط فيها المرافعات حقها من الوقت والنزاهة والجدية. ولم يستطع النظام الصبر أيامًا أخرى قبل إصدار الأحكام الجاهزة مسبقًا، أو لم يشعر بحاجة أصلًا للمبالغة في إيهام المشاهدين بجدية ما يدور أمامهم وظن النظام أن الأمر قد انتهى بإسدال الستار على فصول مسرحيته وإن النسيان سوف يغلف الأحداث بحلوها ومرها.. ومضحكها ومبكيها. ولكننا لا نراها إلا فصلًا؛ لنا بعده فصول وجولة لنا بعدها جولات وصولات بإذن الله.
وإننا لندعو شعبنا التونسي المسلم بكامله أن يقوم أمام هذا الظلم وإن ينتصر لدينه وعقيدته وندعو كل منصف حر في العالم أن يساند الإسلاميين ويؤيدهم في قضيتهم قضية كل حر عادل منصف وتدعو الحكم
القائم في تونس أن يقلع عن محاربة الله.

الرابط المختصر :