العنوان تحول الكنيسة إلى دولة طائفية عنصرية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 51
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 36
السبت 23-يناير-2010
هذا بلاغ للناس (6) الفتنة الطائفية متى.. وكيف.. ولماذا ؟
● جماعة الأمة القبطية أعلنت مشروعا قوميا عام ١٩٥٢ م يعتبر مصر وطنا محتلا من العرب المسلمين ويطالب بدستور مصري وليس عربيا أو إسلاميا.
● الكنيسة خرجت عن رسالتها الروحية، وتحولت إلى حزب سياسي استقطب المسيحيين من مؤسسات المجتمع والدولة إلى مجتمعها .. فبدأت الفتنة الطائفية.
● في عام ١٩٧٢ م أعلنت الكنيسة خطة تستهدف استعادة مصر من خلال مقاطعة المسلمين والتشكيك في دينهم واستثمار النكسة وتشجيع النسل.
● الكونجرس الأمريكي خصص ٥٠ من المعونات غير العسكرية لمصر للمنظمات المسيحية مما جعل الأقباط جالية تمولها أمريكا.
● أصبحت الكنيسة بواسطة أقباط المهجر موافقة على العولمة الأمريكية، ومساندة لغزو أفغانستان والعراق والصومال وناصبت العداء للمقاومة الإسلامية.
● ممارسة الكنيسة في مصر في السنوات الأخيرة أفرزت تكريس العزلة لأبنائها وأحاطتهم بكراهية غير مسبوقة في تاريخ العلاقة الوطنية والحضارية بين المسلمين والمسيحيين.
أما على الجبهة المصرية.. التي قالت عنها إستراتيجية «إسرائيل» في الثمانينيات. - من القرن العشرين.. إنه إذا تفتتت مصر تفتت الباقون .... فلقد بدأ ينشأ في صفوف النصارى الأرثوذكس - عقب الحرب العالمية الثانية - ومع نجاح الإحياء اليهودي، الذي اتخذ شكل الكيان الصهيوني الذي أقيم سنة ١٩٤٨م، على أرض فلسطين - بدأ يتخلق تيار طائفي - عنصري - انعزالي يسعى إلى تغيير هوية مصر، وخلعها من المحيط العربي الإسلامي، واستبدال اللغة القبطية باللغة العربية وتسويد المسيحية فيها بدلا من الإسلام.. أي بدأ البعث والإحياء المشروع المعلم يعقوب حنا من جديد.
نعم.. بدأت خلق هذه النزعة الطائفية ... والسعي إلى تحقيق هذا الحلم.. الذي يبدو مجنونا !.. وتناثرت وتراكمت وتكاملت - في الطائفة الأرثوذكسية - تحديداً - الأفكار والوقائع التي تقود في هذا الاتجاه... اتجاه تفتيت مصر وتغيير هويتها القومية والحضارية.. والارتداد بها إلى الوراء أربعة عشر قرنا فيكتب القمص سرجيوس (۱۸۸۳ ١٩٦٤م) في مجلة المنارة بتاريخ ٦ - ١٢ - ١٩٤٧م يقول:
إن أرض الإسلام هي الحجاز فقط، وليست البلاد التي يعيش فيها المسلمون ..
- ويعترف نظير جيد - في مقال له بمجلة مدارس الأحد - بتاريخ يناير ١٩٥٢م بتزعمه لجماعة ذات نزعة طائفية سنة ١٩٤٨م - العام التالي لتخرجه من الجامعة حتى لقد ذهب إليهم - أي نجيب إسكندر باشا - وزير الصحة في حكومة النقراشي باشا ( ١٣٠٥ - ١٣٦٨هـ / ١٨٨٨ - ١٩٤٨م)
قائلاً لهم: كجماعة : لحساب من تعملون ؟!... أنتم تهددون وحدة العنصرين !
كما يعلن نظير جيد في هذا المقال: إن المسلمين قد أتوا وسكنوا معنا في مصر - أي أن المسلمين المصريين
جالية محتلة لمصر منذ أربعة عشر قرنا (1)
- وفي أول شهر توت - رأس السنة الفرعونية - وعيد الشهداء، عند الأرثوذكس سنة ١٦٦٩ق - ١١ سبتمبر سنة ١٩٥٢م تتبلور هذه النزعة الطائفية العنصرية الانعزالية في جماعة الأمة القبطية التي استقطبت خلال عام واحد ٩٢ ألفا من شباب الأرثوذكس ... والتي أعلنت عن مشروع قومى»، وليس مجرد مطالب لأقلية دينية، أعلنت:
1 - أن الأقباط يشكلون أمة (٢) - ويطلبون حذف النص الدستوري الذي يقول: إن الإسلام دين الدولة وان اللغة العربية هي لغتها ... وذلك ليكون الدستور مصريا.. وليس عربيا ولا إسلاميا .. وإعلان أن مصر كلها أرضنا التي سلبت منا بواسطة العرب المسلمين منذ ١٤ قرنا .. وأننا سلالة الفراعنة.. وديانتنا هي المسيحية.. وسيكون دستورنا هو الإنجيل، وتكون لغتنا الرسمية هي اللغة القبطية.. وكان لهذه الجماعة علمها وزيها الخاصين بها .. وكان العلم يمثل صليبا منصوبا في الإنجيل.. كما كان لها نشيد خاص تنشده في جميع الاحتفالات والاجتماعات.. كما افتتحت في المحافظات مدارس لتعليم اللغة القبطية بالمجان !! (۳).
ولقد حاولت هذه الجماعة - الطائفية .. العنصرية - ضم قيادة الكنيسة إلى هذا المخطط، فلما رفض البابا يوساب الثاني » ( ١٩٤٦ - ١٩٥٦م) ذلك، اختطفوه.. وذهبوا به إلى دير صحراوي.. وأجبروه على التنازل عن البابوية.
فلما اعتقلت حكومة ثورة يوليو بعض قيادات هذه الجماعة وفي مقدمتهم المحامي إبراهيم هلال... وحلت التنظيم في ٢٤ أبريل سنة ١٩٥٤ م - وأحالتهم إلى المحاكمة.. دخلت قيادات أخرى في هذا الاتجاه الطائفي والانعزالي - في مقدمتهم نظير جيد - إلى الدير في ١٨ يوليو سنة ١٩٥٤م... سالكة طريق الرهبنة، لتصل إلى قمة الكنيسة في ١٤ نوفمبر سنة ١٩٧١م... ولتحقق - بالانتخاب - سيطرة هذه النزعة الطائفية العنصرية على الكنيسة.. بعد أن فشل تحقيق هذه السيطرة - سنة ١٩٥٤م بالانقلاب !! - ولقد بدأ - منذ ذلك التاريخ - مسلسل الفتنة الطائفية»، الذي قادته الكنيسة... الأمر الذي يطرح السؤال - الذي لم يلتفت إليه الكثيرون - وهو :
- لماذا لم تكن بمصر فتنة طائفية قبل هذا التاريخ - نوفمبر سنة ١٩٧١م؟!
وعلى أرض الواقع - واقع الفتنة الطائفية - توالت الحوادث والأحداث
- فتم الخروج بالكنيسة - لأول مرة عن رسالتها الروحية ونهجها التاريخي.. وتحويلها إلى حزب سياسي.. ودولة داخل وسحب الدولة - وأحيانا فوق الدولة .. المسيحيين من مؤسسات الدولة إلى دولة الكنيسة ومجتمعها ...
- وبدأ تفجير وقائع الفتنة الطائفية - بداية أحداث الخانكة في ٦ نوفمبر سنة ۱۹۷۲م، منتهزة فرصة انشغال الدولة بالإعداد لحرب أكتوبر سنة ١٩٧٣م... مع استمرار وقائع هذه الفتنة الطائفية، في ظل الحماية الأمريكية، والتدخل الأمريكي في شؤون مصر الداخلية، بدعوى حماية المسيحيين من الاضطهاد، ولقد استمرت وقائع هذه الفتنة، رغم تغيير قيادة الدولة ... وتعاقب الحكومات.. وتغير المواقف من الجماعات والأحزاب.
۱ - ففي ۱۷، ۱۸ يوليو سنة ١٩٧٢م. عقدت قيادة الكنيسة مؤتمرا بالإسكندرية اتخذت فيه قرارات طائفية - لا علاقة لها بالرسالة الروحية للكنيسة - وأبرقت بهذه القرارات إلى مؤسسات الدولة بلهجة صدامية»، مهددة بالاستشهاد إذا لم تستجب الدولة لهذه المطالب.
٢ - وفي التاريخ نفسه ۷/۱۷ / ۱۹۷۲م - وعلى هامش المؤتمر - تم الإعلان للخاصة - في محاضرة بالإسكندرية بالكنيسة المرقسية الكبرى - حضرها خاصة الخاصة من رجال الدين وبعض الأثرياء - تم الإعلان عن معالم المشروع الطائفي العنصري الانعزالي، الذي يطمع في تغيير الهوية والواقع.. والخريطة... والحضارة.. والتاريخ.. بالنسبة لمصر !
تلك المحاضرة التي قال فيها كبيرهم:
إن الخطة موضوعة لكل جانب من جوانب العمل على حدة في إطار الهدف الموحد.
لقد عادت إسبانيا إلى أصحابها المسيحيين، بعد أن ظلت بأيدي المستعمرين المسلمين قرابة ثمانية قرون.
وفي التاريخ المعاصر، عادت أكثر من بلد إلى أهلها بعد أن طردوا منها منذ قرون طويلة ؟!
والمطلوب مقاطعة المسلمين اقتصاديا، والإمتناع عن التعامل المادي معهم، امتناعا مطلقا إلا في الحالات التي يتعذر فيها ذلك.
والعمل على زحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم، وتشكيك الجموع الغفيرة منهم في كتابهم وصدق محمد، مع التزام الهدوء واللياقة والذكاء في ذلك، منعا لإثارة حفيظة المسلمين أو يقظتهم.. مع مجاملتهم في أعيادهم حيثما يكون الاختلاط.
واستثمار النكسة والمحنة الحالية لصالحنا، فلن نستطيع إحراز أية مكاسب، أو أي تقدم نحو هدفنا إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل سواء بالسلم أو بالحرب!
والعمل على:
أ - تحريم تحديد النسل أو تنظيمه بين شعب الكنيسة.
ب - وتشجيع تحديد النسل وتنظيمه بين المسلمين ٦٥% من الأطباء والقائمين على الخدمات الصحية من شعب الكنيسة.
ج - ووضع الحوافز للأسر المسيحية الفقيرة لزيادة الإنجاب.
د - والتنبيه على العاملين بالخدماتالصحية كي يضاعفوا الخدمات الصحية لشعبنا، لتقليل نسبة الوفيات وعمل العكس مع المسلمين.
هـ - وتشجيع الزواج المبكر وتخفيض تكاليفه، بتخفيف رسوم فتح الكنائس هذا بلاغ للناس ورسوم الإكليل بكنائس الأحياء الشعبية.
و - وتحريم إسكان المسلمين في عمارات المسيحيين، وطرد المخالفين من رحمة الرب، ورعاية الكنيسة، وذلك لجعل شعب الكنيسة نصف الشعب المصري في مدة ١٢ أو ١٥ سنة من الآن ليتساوى عدد شعب الكنيسة مع عدد المسلمين لأول مرة منذ الاستعمار العربي والغزو الإسلامي لبلادنا ...
۳ - وتم احتفال الكنيسة بذكرى القمص سرجيوس - الذي كتب في صحيفة المنارة بتاريخ ١٢/٦ / ١٩٤٧م داعيا إلى اعتبار الحجاز فقط هي دار الإسلام (1).
٤ - وفي ١٨ نوفمبر سنة ١٩٧٢م، إبان أحداث الخانكة - وفي قمة حرج الدولة وهي تجاهد للقيام بحرب أكتوبر - ومع اقتراب عام على تولي البابا شنودة البابوية حرض البابا رجال الكهنوت على التظاهر والصدام العنيف مع الدولة - وهما أمران غير مسبوقين في تاريخ الكنيسة حتى في ظل الاضطهاد الروماني !!.. وقال لرجال الكهنوت
- أنتم كم ؟ !
- فقالوا : مائة وستون
فقال لهم: عايزكم ترجعون ستة عشر كاهنا .. والباقي يفترشون الأرض افتراشا، ويستشهدون ).
وكان هذا إعلانا عن سياسة الصدام الكنسي مع الدولة المصرية لأول مرة في تاريخ الكنيسة، وتاريخ مصر الإسلامية
5 - وفي ۱۷ - ۱ - ۱۹۷۷م عقدت قيادة الكنيسة مؤتمرا دعت إليه ممثل الشعب القبطي، حسب تعبيرها وضم هذا المؤتمر: مجمع الآباء كهنة الكنائس والمجلس الملي، ورؤساء وأعضاء الجمعيات والهيئات القبطية، والأراخنة أعضاء مجالس الكنائس، وكان هذا المؤتمر تمهيداً المؤتمر تحضيري عقد في٥-٦/٧/١٩٧٦ م، وفي١٩ /١٢/١٩٨٦ م.
واتخذ هذا المؤتمر القرارات التي تعلن عن المشروع السياسي للكنيسة ومن بناء الكنائس إلى معارضة توجه الدولة نحو الشريعة الإسلامية - رغم أنه تطبيق لنص دستوري متفق عليه - إلى التمثيل السياسي والنيابي والإداري والوظيفي للأقباط في مجلس الوزراء ومجلس الشعب، والمحليات والمحافظين، ومختلف مؤسسات الدولة والقطاع العام.. وحتى طلب القضاء على التوجه الإسلامي في الجامعات - كما تحدث المؤتمر باسم أقدم وأعرق سلالات مصر (٢) ثم الاعتراض - أواخر ۱۹۷۹م - على تقنين الشريعة الإسلامية، والتهديد بإسالة الدماء للركب من الإسكندرية إلى أسوان!
٦- وإبان اشتعال الحرب الأهلية في لبنان (۱۹۷۵م) - ۱۹۹۰م) ذهب شبان أرثوذكس تحت سمع الكنيسة وبصرها .... وفي ظل صمت الرضا ! - إلى لبنان، وحاربوا في صفوف المارونية السياسية المتحالفة مع إسرائيل ضد عروبة لبنان ووحدته، وانتمائه القومي والحضاري.. حاربوا مع الكتائب اللبنانية»...
وهكذا أصبح للكنيسة المصرية مسلحون ومقاتلون لأول مرة في (۷) التاريخ (7) .
٧- وفي عقد الثمانينيات من القرن العشرين - أقام بعض أقباط المهجر - في ألمانيا - «حكومة منفى»! «كبالونة اختبار وسابقة ليس لها نظير في التاريخ!
وصمتت الكنيسة صمت من يلعب بكل الأوراق .... ولقد سألت البابا شنودة في أحد لقاءاتنا بنقابة الأطباء - عن الموقف من هذا الذي أعلن عنه في ألمانيا ؟ فقال : إنهم مجانين .. لكنه قالها لي - وفيما بيننا وصمت عن الإدانة العلنية لهذه المؤشرات الطائفية العنصرية الانعزالية... ولا نقول: الحرمان الديني الذي كثيرا ما استخدمه ضد المعارضين لانحراف الكنيسة عن الطريق الذي جرها إليه!
- ثم توالت أحداث التوتر الطائفي... والتوجه الصدامي للكنيسة مع الدولة... لأول مرة في تاريخها، والتي بلغت الذروة في أحداث مارس سنة ١٩٨١م، عندما اضطر رئيس الجمهورية إلى عزل البابا شنودة من إدارة الكنيسة، وتعيين لجنة خماسية من رجال الكهنوت لإدارتها .
۹ - وحتى بعد تجاوز هذه الأزمة وإعادة الدولة للبابا .. فلقد استمر إعلان الكنيسة عن التحدي المؤسسات الدولة... ورفض تنفيذ أحكام القضاء.. والتصريح بأن الكنيسة فوق القانون!
۱۰ - وزاد لعب الكنيسة بورقة أقباط المهجر .. والصمت على جماعاتهم وجمعياتهم التي تطالب بتحرير مصر من العروبة والإسلام ... والتي تدعو للتدخل الأجنبي في شؤون مصر والضغط على حكومتها ... والتهديد - علنا - بإحداث دارفور جديدة - قبطية في مصر .. وتسييرهم للمظاهرات التي تسيء إلى صورة مصر وسمعة نظامها السياسي، وأغلبيتها المسلمة .. ودفع النواب والشيوخ الصهاينة في الكونجرس الأمريكي إلى تقديم مشاريع القوانين التي تدين مصر، وتطلب فرض العقوبات الأمريكية والدولية عليها بدعوى اضطهادها .. بل وإبادتها للأقباط !!
۱۱ - كذلك صمتت الكنيسة - صمت الرضا والمباركة - عن اعتماد الكونجرس الأمريكي - بالقانون رقم ٢٧٦٤ - ل - ٥٠٪ من المعونات الأمريكية غير العسكرية المخصصة لمصر - وذلك لتمويل وتقوية المنظمات القبطية التي تسمي نفسها منظمات حقوقية للمجتمع المدني - وعددها ٤٠ منظمة من وراء ظهر الحكومة المصرية.... وكذلك لمساعدة القرى المصرية التي تسكنها نسبة عالية من الأقباط بدعوى تطوير جالية الأقباط المسيحيين !!.. وتوجيه أغلب المعونات الأمريكية التي تقدم للقطاع الخاص المصري لتكوين «جيل من شباب الأعمال الأقباط !
نعم.. لقد صمتت الكنيسة - صمت الرضا والمباركة - عن هذه الممارسات الأمريكية، التي حولت الأقباط إلى جالية تمولها أمريكا.. والتي أعادت إلى الأذهان قرارات الكونجرس الأمريكي بتمويل المعارضة العراقية التي تحالفت مع أمريكا لغزو العراق - بدعوى تحرير المضطهدين فيه سنة ۲۰۰۳م.
لقد صمتت الكنيسة عن ذلك، رغم نشر أنبائه في صحيفة «المصري اليوم٢/۸/۲۰۰۷ م و١٠/۸/۲۰۰۷ م، وفي صحيفة «الدستور» ٧/۸/۲۰۰۷ م.. بل وكتابة الكاتب الوطني الليبرالي صلاح الدين حافظ أربع مقالات في الأهرام حول هذا الموضوع البالغ الخطورة ((۸)
۱۲ - وفي الوقت الذي كان هذا المشروع الطائفي العنصري الانعزالي.. الذي تقوده الكنيسة - يقيم شقاقا وفصاما نكدا مع الوحدة الوطنية لمصر .. ومع الهوية العربية الإسلامية لشعبها .. كانت الكنيسة تتوجه غرباً طالبة الدعم الغربي لهذا المشروع.
أ - فلقد انضمت الكنيسة إلى مجلس الكنائس العالمي، الذي أقامته المخابرات الأمريكية سنة ١٩٤٨م أداة في الحرب الباردة ضد الشيوعية ومعسكرها الاشتراكي.. وذلك بعد تاريخ طويل من الرفض المسيحي المصري للانضمام لهذا المجلس!
ومجلس الكنائس العالمي هذا هو صاحب الدعوة إلى ضرورة تدخل الكنائس داخل البلاد المستقلة حديثا في سياسة بلادها ... ولذلك ابتدع نظرية لاهوتية تقول: إن نشاط الدولة في كل نواحيه - السياسية والاقتصادية والاجتماعية - هو تحت سلطانهم، ولابد للكنائس من العمل على توجيه نشاط الدولة الوجهة التي تتفق وإرادة الله التي تتفق مع اتجاه الكنائس الغربية (1) وهو توجه انقلابي - قام به هذا المجلس - على المسيحية ورسالة كنائسها ... ويكفي أن تعلم أن جون فوستر دالاس» (۱۸۸۸) - ١٩٥٩م)، قد أعلن من على المنصة في الاجتماع التأسيسي لهذا المجلس: أن نبشر بالمسيحية فهذا معناه أننا نبشر بالحضارة الغربية (١٠).
ب - وأصبحت الكنيسة - بواسطة أقباط المهجر - مدافعة عن العولمة الأمريكية التي أهدرت تراث الإنسانية في الشرعية الدولية والقانون الدولي والاحترام لسيادة الدول الوطنية والقومية.. فأدبيات أقباط المهجر الذين تلعب الكنيسة بأوراقهم - تدافع عما تسميه أمريكا التدخل الإنساني في الشؤون الداخلية للدول .... بدعوى أننا في عصر الدول المنقوصة السيادة !!.. كما دافعت - هذه الأدبيات - عن غزو أفغانستان والعراق والصومال.. وناصبت المقاومة الإسلامية العداء .
جـ - كذلك، تفاوضت الكنيسة مع الفاتيكان.. وتم الإعلان عن التقارب بين الكنيستين في ١٠ مايو سنة ١٩٧٣م - في ختام أول زيارة يقوم بها بابا الأرثوذكس المصريين إلى الفاتيكان من 4 إلى ١٠ مايو سنة ۱۹۷۳م.. وتم التأكيد على هذا التقارب في بيان تاريخي مشترك في ٢٢ يونيو سنة ١٩٧٩م (١١).
۱۳ - وزاد ثقل «الخارج» على الداخل» في رعية الكنيسة ... فأصبح التأثير الأكبر على سياستها وتوجهاتها الأقباط المهجر، المتحالفين - في جملتهم - مع مراكز الضغط الصهيونية ومع اليمين الديني والمحافظين الجدد والمسيحية الصهيونية في أمريكا... الأمر الذي جعل قيادة الكنيسة تصمت صمت الرضا والمباركة - عن الأنشطة المعادية لمصر من قبل الجمعيات القبطية في الخارج.
ولقد أثر هذا المتغير الجديد زيادة نفوذ أقباط المهجر على الطابع الوطني - التاريخي للكنيسة الأرثوذكسية المصرية.. فأصبح هواها مع الخارج – الغربي أكثر مما هو مع الداخل الوطني القومي ..
١٤ - وفي مواجهة الكنيسة لهوية الأمة، وإسلامية حضارتها، ومع تصاعد تيار اليقظة الإسلامية زادت الكنيسة من تحالفها - غير المقدس - مع غلاة العلمانيين ضد التوجهات الإسلامية... بل لقد انزلقت - لأول مرة في تاريخها إلى المناطق الحساسة والخطرة .. فمارست - وهي أقلية - نقد عقائد الأغلبية (١٢) .... ووقعت في استفزازات التنصير لبعض فقراء المسلمين.. وتركت - عمليا - وهي التي تملك مفاتيح الحرمان الديني - المجال مفتوحا للفضائيات التي تستفز المسلمين وتفتري على عقائدهم... الأمر الذي فضح تحالفها مع حركة التنصير الغربية للمسلمين، ووضعها في خندق واحد من المخططات الغربية المعادية للإسلام والمسلمين.
١٥ - ومارست الكنيسة - الأول مرة في تاريخها - إنتاج وعرض وتوزيع المسرحيات التي تهاجم الإسلام - دين الدولة والأغلبية - وتسيء إلى رموزه ومقدساته.. وفتحت قاعاتها المحاضرات كنسية تتهجم على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام.. بل وطبعت الكنيسة -ووزعت بالمجان - كتبا لبعض غلاة العلمانيين تقدح في الإسلام وتاريخه وامته وحضارته.. وتهيل التراب على اليقظة الإسلامية الحديثة والمعاصرة.. كما أنتجت الأفلام والشرائط المدبلجة التي تفتري على عدد من رموز علماء الإسلام ؟!
١٦ - وفي سنة ٢٠٠٤م، وعندما أسلمت السيدة وفاء قسطنطين - وكانت زوجة لكاهن محافظة البحيرة أصرت الكنيسة على استردادها - وهو قهر و اغتصاب ديني ... وسيرت كذلك المظاهرات - في المهاجر - وفي المقر البابوي - بالقاهرة - وفي كثير من الكنائس.. وأرسلت منظمات قبطية في المهجر رسائل استدعاء الحماية الأربيل شارون - رئيس وزراء إسرائيل - قائلين له: لقد حمى أجدادنا جدكم يوسف عليه السلام، فتعال لتحمي الأقباط المصريين !!
وبهذه الخيانة الوطنية والقومية والحضارية هتف المتظاهرون في مقر البابوية - بالقاهرة - تحت سمع الكنيسة وبصرها - هتفوا بهتافات:
تعال: احمينا يا شارون !!
يا أمريكا فينك فينك.. أمن الدولة بينا وبينك !!
واعتدى هؤلاء المتظاهرون بالحجارة على قوات الأمن، وأوقعوا في ضباطها وجنودها الإصابات، فكظمت غيظها - وهي التي اعتادت الفتك بالإسلاميين - ولما حدث وقبضت قوات الأمن على بعض هؤلاء المتظاهرين المعتدين... غضب رأس الكنيسة، واعتكف في الدير، وأعلن الصيام الاحتجاجي حتى أفرجت الشرطة عن الذين اعتدوا عليها، وطلبوا حماية أمريكا وإسرائيل !!
إلى غير ذلك .. ومثل ذلك ... من الاستفزازات لمشاعر الأمة... والصراعات مع الدولة الأمر الذي رفع درجات الحرارة والتوتر الطائفي.. وأظهر الكنيسة في صورة «الدولة» التي تتحدى شرعية الدولة الوطنية، وهوية الأمة القومية والحضارية.. مما أدى إلى وضع رعية الكنيسة في صورة «الجالية» التي تستقوي بالأعداء على الأمة والدولة وتستعديهم ليتدخلوا في شؤون مصر ولينتقصوا من سيادتها واستقلالها ! ولقد أثمرت ممارسات الكنيسة هذه تكريس العزلة لأبنائها عن المجتمع وإحاطتهم بكراهية غير مسبوقة في تاريخ العلاقة الوطنية والقومية والحضارية بين المسلمين والمسيحيين.
وهذا هو الذي كانت تريده الكنيسة من وراء مشروعها الطائفي العنصري الانعزالي، والساعي إلى تفجير الشقاق بين المسيحيين والمسلمين
ولقد ساعدت الكنيسة على أن تصبح دولة داخل الدولة، لها مشروعها السياسي القومي الانفصالي - استقلالها المالي عن الدولة.. وهو الذي ضمن لها استقلال القرار وحرية الحركة في التخطيط والتنفيذ .
- فنظام ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م الذي استولى على الأوقاف الخيرية الإسلامية... ومنها أوقاف الأزهر والمساجد - قد ترك للكنيسة أوقافها .
ولقد أدى هذا التطور الخطير إلى تبعية المؤسسات الإسلامية للدولة، ومن ثم خضوعها لسياستها ولأجهزتها الأمنية ... بينما ظلت دولة الكنيسة ومؤسستها بعيدة عن هذه الرقابة، وهذه القيود.
ولقد زاد من هذا الاستقلال المالي للكنيسة، أن مصر التي أصدرت - بعد ثورة يوليو سنة ١٩٥٤م عدة قوانين للإصلاح الزراعي - ألغت بها الإقطاع، قد تركت الكنيسة لتكون الإقطاعي الوحيد الكبير في مصر .... فالأديرة - التي كانت وظيفتها تاريخيا : العبادة، والانقطاع عن الدنيا وأهلها قد غدت دوائر إقطاعية، ومؤسسات إنتاج زراعي، ضمت الآلاف المؤلفة من الأفدنة التي أحالتها الأسوار العالية، لتتم خلفها العديد من الأنشطة البعيدة عن رقابة الدولة والمجتمع - حتى لقد فوجئت الدولة في بعض المنازعات بين هذه الأديرة وبين الأهالي على حيازة الأرض الزراعية فوجئت بالرهبان الذين يحملون السلاح ويطلقون النيران كما حدث في دير أبو قانا بمحافظة المنيا، في مايو ۲۰۰۸م.
لقد ألغت الدولة المصرية الإقطاع... وتركت دولة الكنيسة لتكون الإقطاعي الأكبر الوحيد في البلاد ... الأمر الذي دعم من الاستغلال المالي للكنيسة، وأتاح لها سلطاناً مالياً دعمته المساعدات الخارجية.. والتمويل الأجنبي.. فزاد من دعم المشروع السياسي الطائفي الانعزالي الذي ترعاه منذ ١٤ نوفمبر سنة ١٩٧١م.
وزادت المفارقات في هذا الميدان منذ عقد التسعينيات من القرن العشرين عندما أدت المواجهة بين الدولة وبين بعض الجماعات الإسلامية إلى تأميم المساجد وإخضاعها بالكامل للسلطة الأمنية .. بينما زادت حرية الكنيسة وحرية النشاط في مؤسساتها .
فأصبحت المساجد تغلق عقب الصلاة .. بينما الكنائس مفتوحة آناء الليل وأطراف النهار!
- وأصبح منبر المسجد مؤمماً ومقيداً .. ومنبر الكنيسة حرا !
وغدا اعتكاف الشباب المسلم ليالي معدودة بالمساجد في أشهر رمضان من المحظورات - وفي حال السماح به تحت رقابة الأمن.. وبإذن منه يصبح بمثابة الطريق الوضع الشباب المعتكف في قوائم المشبوهين والمراقبين والمرشحين للاعتقالات... بينما كل أبواب الحريات مفتوحة أمام الشباب المسيحي للانخراط في كل ألوان النشاط الكنسي - الديني والدنيوي على حد منذ سواء !.. حتى لقد ناديت وتمنيت عقد التسعينيات - أن تتساوى مساجد مصر بكنائسها ....
- كما أصبحت كل قيادات المؤسسات الإسلامية - في الأزهر والأوقاف - معينة وتحت رقابة الأمن - بينما كل القيادات الكنسية طليقة من أية قيود.. الأمر الذي أدى إلى تحجيم العمل الإسلامي.. وإلى تمدد سلطان الكنيسة في البلاد !
الهوامش
(۱) انظر نص هذا المقال في نهاية كتاب د. سليم نجيب (الأقباط عبر التاريخ) تقديم مجدي خليل - طبعة القاهرة - دار الخيال سنة ٢٠٠١م.
(۲) لقد لاحظت استخدام «بونابرت» مصطلح الأمة القبطية في مراسلاته مع خونة النصارى الذين تعاونوا معه ... وكذلك استخدامهم لهذا المصطلح انظر: عادل جندي- المخططات الخطيرة- صحيفة «وطني» في٢ /٧/٢٠٠٦ م.
(۳) (الأقباط عبر التاريخ) ص ١٨٤، ١٨٥ .
(٤) الشيخ محمد الغزالي: قذائف الحق ص ٥٧ - ٦٥ طبعة صيدا - المكتبة العصرية، لبنان، بدون تاريخ ولقد حدثني الشيخ الغزالي عليه رحمة الله، أن أحد ضباط الأمن القومي قد جاءه بنص المحاضرة مكتوبا بالقلم الرصاص.. وأعطاه للشيخ إبراء لذمته أمام الله... ولقد أعطى الشيخ صورة من المحاضرة للشيخ عبد الحليم محمود .. ثم نشر خبر هذه المحاضرة بكتابه قذائف الحق الذي صودر بمصر، وطبع خارجها.
(٥) المرجع السابق، ص ٥٧ - ٦٥ .
(٦) القمص أندراوس عزيز الحقائق الخفية في الكنيسة القبطية ص ۲۷ والنقل عن ممدوح الشيخ - صحيفة (الأسبوع)، في٢٨/۲/۲۰۰۰ م.
۷) د. محمد مورو:( يا أقباط مصر انتبهوا ) ص ۲۵۹ - ۲۷۳، طبعة القاهرة سنة ١٩٩٨م.
(۸) يشير أبوسيف يوسف إلى تعاطف الهيئة القبطية الأمريكية - التي تكونت في أمريكا سنة ١٩٧٤م، مع الكتائب اللبنانية، وإلى تعاون مجلتها «الأقباط» مع الصهاينة، وقولهم عن الإسلام: إنه أخطر على الغرب المسيحي - اليهودي من الشيوعية انظر الأقباط والقومية العربية ص ۱۷۲، والنقل عن التطور الفكري لدى جماعات العنف الدينية في مصر) ص ٢٤٢، ٣٣٦، وانظر كذلك محمد جلال كشك ألا في الفتنة سقطوا ص ٧٤ ، طبعة القاهرة ۱۹۸۲م.
(۹ ) مثل مشروع القرار، ۱۳۰۳هـ - يوليو سنة ۲۰۰۸م، وانظر صحيفة الدستور في٣٠/٧/٢٠٠٨ م.
(۱۰) صلاح حافظ: (الأهرام) عن المعونة والمعانين والمتعاونين»، في١/٨/٢٠٠٧م. ومقال المعونة الأمريكية والتمييز بين المسلمين والمسيحيين في٨/٨/٢٠٠٧م، ومقال: «الاستخدام السياسي للمعونات الأجنبية»، في١٥ /٨/٢٠٠٧م، ومقال من المسؤول حكومتنا أم حكومتهم؟ في٢٩/٨/٢٠٠٧ م.
(۱۱) د. وليم سليمان قلادة (الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار الصهيوني) ص ٦١ ٦٢، طبعة القاهرة، دار الكتاب العربي - بدون تاريخ.
(۱۲) محمد حسنين هيكل : ( خريف الغضب) ص ٢٨٤، طبعة القاهرة، سنة ١٩٨٨م.
(۱۳) (الأقباط عبر التاريخ ص ٤٨ -. ١٥٥
(١٤) انظر رسالة البابا شنودة (القرآن والمسيحية)، مطبعة المجد، محرم بك، الإسكندرية، وكذلك ما كتب في ديسمبر سنة ١٩٧٠م (الهلال) عقب توليه البابوية، وحواره مع سناء السعيد بصحيفة «الدستور» ردا على د. زغلول النجار، راجع في ذلك د. محمد جمعة عبدالله (رد افتراءات المبشرين على آيات القرآن الكريم)، ص ۹۳ - ۱۹۹ طبعة ١٩٨٥م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل