العنوان تحول إيجابي لصالح الخيار الديمقراطي الجيش يعلن الحياد التام.. فهل يصدق؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004
مشاهدات 70
نشر في العدد 1595
نشر في الصفحة 23
السبت 03-أبريل-2004
تشهد الساحة السياسية الجزائرية تحولات عميقة على مستوى المؤسسات الفاعلة في صناعة القرار الجزائري، يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية التي ظلت تأخذ حيزًا كبيرًا في أغلب التحاليل والكتابات التي بحثت الأزمة الجزائرية الممتدة على مدار عشرية كاملة، وعرفت هذه الكتابات قراءات انتقائية تحاول أن تزج دائمًا بالمؤسسة العسكرية في أتون الفتنة وتحملها مسؤولية ما حدث في الجزائر طيلة سنوات الفوضى والجنون.
ومع أن المؤسسة العسكرية في الجزائر اعترفت أنها تدخلت في الحياة السياسية سنة ۱۹۹۲، وذلك على لسان الفريق محمد العماري رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الذي قال لمجلة الجيش الجزائرية: إن الجيش الوطني الشعبي إذا كان لاسيما منذ سنة ١٩٩٢ قد تدخل في السياسة فذلك بسبب مطلب وطني يخص الطابع الجمهوري للدولة وأبدية الأزمة،» يعني أن الجيش الجزائري تدخل لإيقاف المسار الانتخابي سنة ١٩٩٢، ولكننا اليوم وبعد عقد من الزمن وعلى مشارف تنظيم الانتخابات الرئاسية يوم 8 أبريل ٢٠٠٤ تشهد تحولًا إيجابيًا في موقف المؤسسة العسكرية في الجزائر، حيث تعهد الفريق محمد العماري، قائد أركان الجيش الوطني الشعبي بالعمل ميدانيًا؛ لضمان حياد كل مؤسسات الدولة خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة، مشيرًا في حواره مع مجلة الجيش (العدد ٤٨٨شهر مارس ٢٠٠٤) إلى أنه سيتم توفير كل الضمانات لأعوان الدولة لمواجهة الضغوط التي قد تصدر عن أي مرشح من مرشحي الانتخابات الرئاسية، ففي سؤال وجهته مجلة الجيش للفريق العماري حول حياد المؤسسة العسكرية في الانتخابات القادمة، في مقابل جملة تصريحات السياسيين من المعارضة بالجزائر بأن حياد الجيش ليس حيادًا إيجابيًا وحقيقيًا، بل هو حياد صوري، صرح الفريق قائلًا: «إنه ليس بالإمكان البقاء غير مكترثين ولا سلبيين أمام اقتراع بمثل هذه الأهمية، لذا فإننا نفضل الحديث عن عدم تحيز الجيش الوطني الشعبي في هذا التنافس»، وأردف قائلًا : ومعأن كل الشروط التي تضمن أساسًا الطابعالجمهوري للدولة لم تستوف تمامًا، فإننا نعتقدأنه حان الوقت أن يتحمل المجتمع الجزائرياختياراته على ضوء انتخابات تضع مترشحينفي التنافس، مما يجعل الجيش لا يعمل لا علىعرقلة هذا ولا على تفضيل ذلك، وعلى الجميعمن الآن فصاعدًا أن يجعل من هذه الفكرةفكرته، وكرر الفريق محمد العماري مرة أخرى: أن الجيش الوطني الشعبي الجزائري خارجالمنافسات الانتخابية، أي أنه ليس له مترشح وأنهليس ضد أي مترشح.
هذه الجهات في المعارضة التي صرحت بأن الجيش الجزائري متحيز لمترشح تتناقض مع نفسها عندما تدعو الجيش في تصريحات أخرى إلى التدخل في حالة فوز الرئيس الحالي؛ لأن الانتخابات ستزور لا محالة.
يذكر أن البرلمان الجزائري كان قد عدل قانون الانتخابات الذي ألغى الصناديق الخاصة، أي الصناديق التي كان أفراد الجيش والأمن يصوتون فيها داخل الثكنات، وقال الفريق العماري بأن المؤسسة العسكرية هي نفسها التي طلبت تعديل قانون الانتخابات في هذا الاتجاه، ومن الآن فصاعدًا فإن العسكريين، وعلى غرار مستخدمي الأسلاك الأخرى المعنية، يصوتون مباشرة أو بوكالة في كل لجنة انتخابية.
وعلمت المجتمع أن قيادة الجيش الوطني الشعبي أصدرت مؤخرًا توجيهات مفصلة تخص تعامل موظفي الجيش والأمن والدرك وكل أعوان الحرس البلدي والمتعاملين في إطار الدفاع الذاتي، وتلزمهم الحياد التام في التعامل مع أجواء الانتخابات الرئاسية وحركة التصويت وصناديق الاقتراع وكيفية تجسيد التغطية الأمنية بمنأى عن أية شبهة تمس بإلزامية هذا الحياد، كما حذرت التوجيهات العاملين في الأجهزة المذكورة تحويل الصناديق بواسطة السيارات التابعة للجيش أو الأمن أو الدرك قبل بداية الاقتراع وبعده، ومنعت التصويت بالزي الرسمي للجيش أو الأمن والتخلي عن حمل السلاح كما كان يجري خلال الاستحقاقات السابقة.
وتكون بذلك المؤسسة العسكرية قد أكدت حيادها في هذا الاستحقاق، وهو تحول منظور وإيجابي يضفي على الخيار الديمقراطي في الجزائر شيئًا من النزاهة والبعد عن الإكراه، ذلك أن مختلف الاستحقاقات الانتخابية الماضية كانت معطوبة ومزورة، وقميص عثمان كان دائمًا هو الصناديق الخاصة أي الوعاء الانتخابي لأفراد الجيش والأمن.
أما وقد عدل قانون الانتخابات والتزم الجيش بالحياد التام، فهل ستعرف الحياة السياسية في الجزائر تطورًا جديدًا في مسارها التأسيسي؟ وهل يمكن اعتبار ذلك استجابة فورية واستباقية لمشروع الشرق الأوسط الكبير؟ إن الثامن من أبريل من السنة الجارية ٢٠٠٤ يجيب عن هذا التساؤل، وإن غدًا لناظره القريب .