; تحية إلى «رجال» تركوا جماعة الإخوان! | مجلة المجتمع

العنوان تحية إلى «رجال» تركوا جماعة الإخوان!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 138

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 15

الجمعة 18-مايو-2012

هؤلاء «رجال» يوضعون- بحق - في خانة الوفاء لأنهم افترقوا في صمت ويواصلون حياتهم في صمت، ويتحدثون ويبدعون في كل شيء إلا في تناول المرحلة التي قضوها داخل جماعة الإخوان بسوء.. والصمت هنا ليس وحده محل الاحترام، كما أنني لا أعني «صمتًا» على شيء معيب أو صمتًا على جرائم ولكنه صمت الاحترام للنفس ولمن عاش معهم ولو لحظة، ثم فارقهم لأي سبب؛ فالحر- كما يقولون- من رعى وداد لحظة.

هم يحملون بين أضلعهم نفوسًا تبددت منها سحابات الخلاف وقلوبًا تأبى أن تحمل ضغينة- وإن حملت عتابًا- فاستعصت على الوقوع في شرك شياطين الإنس وتتمنع ألسنتهم العفة عن الخوض في أعراض إخوانهم، وتترفع أيديهم أن تمسك بقلم الزور والبهتان عبر مذكرات أو مقالات أو فضائيات طاعنة في جماعة عاشوا في ظلها سنوات- قلت أم كثرت- وتنكرت لأخوة اختلطت في أحضانها دموعهم بدموعهم خلال ساعة من ساعات الطاعة لله، أو خلال ركعات في جوف الليل داخل غرفة صغيرة أو زنزانة ضيقة.

هذا الصنف من الرجال فريد في معدنه، وفريد في تربيته وفريد في رجولته، يعرف قيمة نفسه، ويعرف أن الخلاف في الرأي له قيمه حتى وإن أدى إلى العمل لدين الله تعالى بعيدًا عن «الجماعة» فخرج من الجماعة وانصرف إلى وجهته الجديدة في هدوء وانخرط في الحياة حافظًا لأخوة الإسلام حقوقها.. هؤلاء الرجال ما زالت الدعوة إلى الله رسالتهم، ولئن غاب الواحد منهم عن الجماعة تنظيمًا، إلا أنه متواجد في قلبها حبًا وأخوة، بل ومشاركة في بعض مناشطها، وحتى إن توارى تمامًا، فقد ظل يحمل بين جنبيه احترامًا ووفاء لأخوة الصف، وصف الأخوة في الله.

وهذا الصنف من الناس هو الغائب الحاضر اليوم، وسط تلك الغابة الكثيفة من المهرولين لإعلام السوء ليسقطوا في شركه، ولقد أدرك الإمام البنا يرحمه الله هذا الصنف من الرجال، فمد لهم من بساط الإخوان مدًا ووسع من خيمتها لتظلهم قائلًا: «وكم منا وليس فينا».. وتجسد فيهم قول القاضي الفذ عبد القادر عودة يرحمه الله: «إنها دعوة الله تعالى وليست دعوة الأشخاص، وإن الله سبحانه علم المسلمين أن الدعوة ترتبط به ولا ترتبط بالدعاة إليها، وأن حظ الأشخاص منها أن من عمل لها أكرمه الله تعالى بعمله، ومن ترك العمل لها فقد أبعد الخير عن نفسه، وما يضر الدعوة شيئًا».

وقد ضرب الشيخ البنا المثل الأعلى مع من يفارق صف جماعته مرسخًا أن صف الأخوة في الله سبحانه أكثر اتصالًا، وأن ميدان العمل لدين الله تعالى أرحب فكان أول الزائرين والمهنئين بل والمشاركين في تأسيس جمعية «شباب محمد» التي أسسها نفر من الإخوان، فضّلوا ترك الجماعة لأنهم استقروا على طريقة أفضل - في رأيهم - للعمل للإسلام، فما أضار ذلك الشيخ البنا وما أغضبه، بل إن خلق الأخوة كان غالبًا، وقيم التعاون في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه كانت هي المحرك لكل الأفعال، موقنًا أن مجال الدعوة يسع الجميع ليتعاونوا فيما اتفقوا عليه، ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه.

لكن آخرين داسوا على قيم الأخوة وأهدروا - سامحهم الله تعالى- قيم الوفاء، وتحولوا إلى معاول تطعن وتهدم لا في أشخاص غضبوا منهم فحسب، بل في بنيان الجماعة ذاتها، ساعين إلى الإجهاز عليها وتناسى بعضهم - وكانوا هم القادة - ما كانوا يعلمونه للناس بأن دعوة الله سبحانه لا يحميها إلا الله عز وجل، ولئن اجتمعت عليها كل قوى البغي فلن يزيدها ذلك إلا رسوخًا، ومهما توالت عليها ضربات الجبابرة فلن تزيدها إلا قوة وانتشارًا .. نسوا ذلك فسنوا أسنان أقلامهم وشفرات ألسنتهم لتنهش في جماعتهم، وتسابقوا إلى إذاعة السر وهتك الستر، وتناسوا أنهم لا يهدمون إلا تاريخهم ولا يغتالون معنويًّا - إلا أنفسهم، ويهوون بها في قاع سحيق، وتناسوا أن السر- أي سر- الذي يتسابقون لنشره يكشف أول ما يكشف سرائرهم.

لقد تعانق دخان حملتهم مع دخان حملة العلمانيين ضد الإخوان مكونًا سحابة شديدة السواد تلبد سماء الحقيقة وتحاول المزايدة عليها وإخفاءها، وتوجه سهامها نحو هدف واحد هو الاغتيال المعنوي لتلك الجماعة.. هكذا رضي هؤلاء الذين كانوا داخل الجماعة، رضوا لأنفسهم أن يقفوا في خندق واحد مع المتطرفين العلمانيين، ليرموا عن قوس واحدة عبر القنوات وصحافة الزور والبهتان أكثر الجماعات تضحية وجهادًا في سبيل الله.

إن تلك المشاهد التي أتابعها لهؤلاء الذين كانوا ملء السمع والبصر أكثر المدافعين عنها منهجًا ومواقف وتاريخًا، ثم انقلبوا إلى النقيض، وفي نفس الوقت رجال كانوا أيضًا ملء السمع والبصر - كل في مجاله - وغادروا الجماعة أيضًا، لكنهم حفظوا لكل القيم النبيلة قدرها، أتذكر وأنا أتابع المشهدين مقولة للأستاذ عباس السيسي يرحمه الله: «الحياة في سبيل الله أشق من الموت في سبيل الله 1000 مرة».

وقول الشيخ سيد قطب يرحمه الله: «نحن في حاجة إلى زعماء بلا مجد وبلا شهرة وبلا بريق.. في حاجة إلى جنود مجهولين.. في حاجة إلى فدائيين حقيقيين لا يعنيهم أن تصفق لهم الجماهير ولا يعنيهم أن تكون أسماؤهم على كل لسان وصورهم في كل مكان، نحتاج إلى قيادة ذات هدف أبعد من استرضاء الجماهير ومن تملقها، هدف ثابت تتجه إليه في قوة وفي ثقة وفي يقين حتى ولو انصرفت عنه الجماهير».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل