العنوان تخيل
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2013
مشاهدات 59
نشر في العدد 2036
نشر في الصفحة 47
السبت 19-يناير-2013
قرأت ذات مرة كلمة سقراط «الخيال هو العلامة الحقيقية للذكاء»، وكنت أشك في صدق هذا القول، لم أكن متدربًا على التخيل، كان من حولي ينظرون إلى خيال الطفل على أنه «مرحلة وتعدي»، الأنظمة في البيت والمدرسة والمحضن التربوي تتجاهل الخيال، وتعتمد على الحفظ والتلقين والترديد والممارسة والطاعة!
فبقي الخيال مختبئًا في قوقعته الطفولية الحالمة.
ثم لاحظت أنك حين تتخيل أحدًا يقضم ليمونة شديدة الحموضة بشراهة ووجهه يقطب فسوف يسيل لعابك!
وتلك حالة شعورية منبثقة من مصدر بداخلك.
وحين تتخيل جمالًا أخاذًا فسوف يستفز طاقتك كأنك تراه!
وحين تسمع صوتًا على الطرف الآخر من الهاتف يسابقك عقلك في رسم الصورة أو تقريبها بما يتناسب ونبرة الصوت.
وحين تتخيل عزيزًا تشتاق إليه فربما ذهلت عما حولك وكأنك تحادثه وتناجيه وتبثه أحاسيسك! ويسافر قلبك وعقلك إليه تاركًا جسدك مع الجلساء!
جسمي معي غير أن الروح عندكم *** فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنا *** لا روح فيه، ولي روح بلا بدن
تأمل هذا الحديث: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتُم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء». قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» (متفق عليه).
هل يمكن أن تقرأ هذا النص دون أن تتخيل نفسك وقد خرجت من باب منزلك ففوجئت بنهر يعترض طريقك؟ إن لم يقع ذلك سلفًا فحري أن يقع الآن، فإن وقتك مع نفسك ثمين، ولا يلزم أن تقضيه في ارتكازات مع الواقعية فقط، وكأن عقلك سجين قضبان اللحظة الراهنة!
حين تقرأ سورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل:1).. هل يمكنك حجب الخيال عن تصور مشهد القوم، والطير الأبابيل ترميهم بالحجارة، فيقعون صرعى كأنهم بقايا زرع يابس؟
أو تقرأ سورة «العاديات» فلا تتصور كتيبة الخيل وهي تعدو وتصوت، وتضرب الأرض بأقدامها وتغير على العدو قبل النهار، في مشهد درامي متحرك!
من الذي يقرأ نعيم الجنة، أو عذاب النار في القرآن دون أن يرسم له الخيال صور الوجوه الناعمة الراضية، أو صور وجوه أخرى عليها غبرة، ترهقها قترة؟
ولماذا تقشعر بعض الأبدان ثم تلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله تعالى؟
على أنه ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء.
وجدت بائع الكتب على رصيف الشارع يعرض كتابًا اسمه «التوهم» للحارث بن أسد المحاسبي؛ قرأته بنهم، ووجدت نفسي وجهًا لوجه أمام رحلة الحياة والموت والعذاب والنعيم، كتاب مطبوع يمكن لك قراءته، أو سماعه صوتيًا من خلال هذا الرابط: http://media.islamtoday.net/real/c/
ALtwahoom.mp3
الخيال هنا يجعل القارئ يعيش في قلب الحدث متلبسًا به وليس مشاهدًا من خارجه.
في حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ «إذا الشمس كورت »، و «إذا السماء انفطرت»، و«إذا السَّمَاء انشقت (أخرجه أحمد، والترمذي، والطبراني، وصححه الحاكم، وقال ابن حجر في الفتح: «حديث جيد»، ٤٦٥٤).
أسماء الله الحسنى وصفاته لا يلحقها خيال ولا توهم؛ ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه:110)، ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ﴾ (الأنعام:۱۰۳)، ومع ذلك لا يمكن منع الذهن من التصور، ولذا قال الأئمة: كل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك.
ولذا قالﷺ : «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته..» (متفق عليه).
حين يعرف النبيﷺ الإحسان بأنه: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فهو مستوى من التحفيز والحضور عظيم يجعل للعبادة معنى، ويحولها من تبعة إلى متعة «أرحنا بها يا بلال».
كل تغيير في الحياة يسبقه خيال. إنه الأداة السرية التي نركبها قاربًا لأهدافنا، ويمتص بها العقل ضغوط الحياة، وتجعلنا نتطلع إلى مستقبل أفضل ونتحدى الصعاب ونحل المشكلات.
عليك أن تتخيل الصورة التي تريد أن تكون عليها، أو يكون عليها مجتمعك، ثم تبدأ المسير، فأهدافك صورة تخيلية لما ترجوه في مستقبلك.
الأحلام تبدأ من الخيال، والخيال قد ينسجه عقل أو قلب.
إذا بلغت سطوة الواقع عليك بحيث لا تتخيل تغييره، ولا تتصور حياتك منفصلة عنه؛ فأنت بذلك تمنحه عمرًا إضافيًا، وتمد أمد المعاناة.
أولى خطوات التغيير هي التخيل إذًا، فما وراء الأبواب المغلقة يسبقك إليه الخيال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل