; تداعيات اغتيال رابين على تماسك المجتمع الإسرائيلي | مجلة المجتمع

العنوان تداعيات اغتيال رابين على تماسك المجتمع الإسرائيلي

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 65

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

كان لحادثة اغتيال رابين وقع الصاعقة على الكيان الصهيوني الذي ترنح أمام الضربة العنيفة، وقد تمر أسابيع وشهور قبل أن يفيق من هول الصدمة غير المتوقعة التي هزت أركانه وأدخلته في دوامة من الحيرة والتساؤلات حول مستقبل الأوضاع داخل المجتمع الصهيوني وتأثير الحادثة على تماسك بنيانه الداخلي الذي طالما تفاخر بثباته واستقراره وقد جاء الاغتيال لينسف هذه الأوهام والمظاهر الشكلية الخادعة التي انطلت على الكثيرين، وأسهمت في تضخيم قوة هذا الكيان، والإعجاب بقدرته على استيعاب التناقضات، فما هي الانعكاسات المتوقعة لهذه الحادثة على تماسك البنيان والنظام الصهيوني وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر على عملية السلام التي يرى البعض أنها أصبحت في مهب الريح وما هي انعكاساتها على قوة معسكر اليمين ومعسكر اليسار في الساحة الحزبية الإسرائيلية، وفرص كل منهما بالفوز في الانتخابات القادمة؟

منذ اللحظة الأولى لاغتيال رابين كان الهاجس المسيطر على تفكير السياسيين في الساحة العربية والدولية هو مدى تأثير هذه الحادثة على مستقبل العملية السلمية التي قطعت شوطًا واسعًا خلال الأعوام الأربعة الماضية، وكان هاجس الخوف على تأثر العملية سلبا بعملية الاغتيال العامل المشترك في جميع التصريحات وردود الفعل الدولية والعربية التي عبرت عن أسفها لحادثة الاغتيال وأملها في ألَّا تؤثر على استمرار العملية السلمية في المنطقة.

أما وزيرة الخارجية الإيطالية فقد أعربت عن قلقها من التأثير المحتمل لحادثة الاغتيال على عملية السلام وقالت: «إنني أشعر ببالغ القلق لما سيحدث من تأثير على عملية السلام في الشرق الأوسط».

وقد كان أكثر الأطراف قلقا وخوفا من انعكاسات حادثة الاغتيال هو رئيس سلطة الحكم الذاتي ياسر عرفات الذي سارع فور الإعلان عن النبأ إلى الاتصال بوزير الخارجية الأمريكي كريستوفر، وطلب عقد لقاء عاجل من أجل بحث الموقف بعد اغتيال رابين، ويخشى عرفات أن يكون لما حدث تأثير مباشر على تطبيق الشق الثاني من اتفاق أوسلو المتعلق بإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في بعض مناطق الضفة الغربية التي رجحت أوساط سياسية مختلفة احتمال تأخيره في ضوء الحادث الأخير، أما الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» إبراهيم غوشة، فقد قال: إن الاتفاق -أوسلو- سيتأثر بشكل كبير بعد أن تم دفعه إلى الوراء.. وتوقع أن تتركز الجهود الإسرائيلية على معالجة الأوضاع الداخلية في الكيان الصهيوني، وإصلاح الشرخ الداخلي كما توقع ممثل حماس في الأردن محمد نزال أن تشهد عملية التسوية بعض التعثر، ولكنه عبَّر عن اعتقاده بأنها لن تتوقف بشكل نهائي.

أما على المسار السوري فهناك إجماع على أن المفاوضات ستشهد ركودًا حتى موعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، حيث إن بيريز يفتقد القدرة على إقناع الإسرائيليين بأن تقديم بعض التنازلات لن يشكل تهديدًا أمنيًّا كما كان الحال بالنسبة لرابين بتاريخه وسجله العسكري الحافل، وحتى رابين نفسه فإن كان يتجه قبل اغتياله إلى تجميد الملف السوري إلى ما بعد انتخابات الكنيست.

وخلاصة القول إن حادثة الاغتيال قد لا تكون قادرة على وقف عملية التسوية المدعومة بقوة دفع إقليمية ودولية تضغط بقوة من أجل استمرارها، ولكن هذه الحادثة ستؤثر بالتأكيد على حيوية وتسارع هذه العملية وعلى بعض تفاصيلها كإعادة الانتشار، وانتخابات مجلس الحكم الذاتي التي كان عرفات قد حدد موعد الـ ٢٠ من يناير القادم موعدًا لها، أما مسارعة المسؤولين الرسميين إلى التأكيد على عدم تأثر عملية السلام باغتيال رابين فإنها تندرج تحت إطار العمل على تخفيف الآثار والانعكاسات السلبية وتبديد أجواء التشاؤم.

اغتيال رابین ضربة مشتركة لحزبي العمل والليكود

وإذا تطرقنا إلى داخل الكيان الصهيوني فإنه منذ اللحظة الأولى لاغتيال رابين سارع قادة حزب العمل إلى استغلال الحادث وتوظيفه في مواجهة اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه حزب الليكود من خلال تحميل اليمين مسؤولية اغتيال رابين واتهامه بأنه يقف وراء الحادثة بصورة غير مباشرة عبر تحريفه المتواصل ضد رابين وحزب العمل واستخدام مصطلحات التخوين ضد رابين والحكومة، كما حدث في مظاهرات يمينية شارك فيها زعماء حزب الليكود اتهم فيها رابين بأنه خائن وقاتل.

وقد حمل رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكنيست أوري أور اليمين الإسرائيلي - مسؤولية حادث الاغتيال، وقال: لقد أهدروا دمه، وكما حمل عضو الكنيست ران كوهين اليمين المسؤولية وطالب الحكومة بتجريد أنصار اليمين من السلاح، وقد استهدف زعماء حزب العمل من خلال حملتهم ضد اليمين الإسرائيلي حشد تأييد جماهيري لحملتهم الانتخابية القادمة، ولاشك أنهم نجحوا في أن يدفعوا زعماء اليمين الموقف الدفاع وإلى الوقوف في قفص الاتهام، وقد بدا موقف الأحزاب اليمينية محرجًا للغاية، ولم تملك سوى إظهار حزنها وأسفها للحادثة، والتعبير بأشد عبارات الشجب والإدانة عن استنكارها العملية الاغتيال.

ولكن بعض المحللين يبالغون في حجم التأثير المتوقع لحادثة الاغتيال على قوة حزب الليكود وفُرَصِهِ في النجاح في الانتخابات القادمة ويذهب بعض المتفائلين إلى حد المراهنة على احتمال فوز العمل في الانتخابات، ولكن هؤلاء يتجاوزون مسائل مهمة قبل إصدار مثل هذه الأحكام، فالوقت مبكر الآن للحكم على مزاج الشارع الإسرائيلي، خاصة وأن الانتخابات من المقرر أن تجرى في ٢٩/10/١٩٩٦م، إلا إذا اختار حزب العمل الدعوة إلى انتخابات مبكرة – وهذا الاحتمال وارد – في حال رأى أن مثل هذا الأمر سيعزز فرصته الانتخابية، وحتى في هذه الحالة فإن الانتخابات لن تُجرى بين يوم وليلة وسيستغرق الإعداد لها فترة ليست قصيرة.

ومسألة أخرى تلعب دورًا في هذه القضية وهي أن غالبية الناخبين الإسرائيليين حسموا مواقفهم الانتخابية ويجري الرهان الآن على حوالي۲۰% من الناخبين ترى الأوساط السياسية أنهم لم يحددوا موقفًا حاسمًا من الانتخابات، كما أن هؤلاء المحللين المتفائلين يغفلون الخسارة التي مُني بها حزب العمل نتيجة غياب رابين الرجل الأقوى في الحزب، والذي يتوقع أن يفتح غيابه الباب واسعًا أمام تنافس وصراع داخلي في حزب العمل، وأقوى الأسماء المرشحة لزعامة الحزب إضافة إلى بيريز – الرجل الثاني في الحزب كل من وزير الشرطة الحالي موشي شاحال الذي يعده البعض أقوى المنافسين لبيريز، وكذلك وزير الداخلية، رئيس هيئة الأركان السابق إيهود باراك ورئيس الهستدروت المنشق حاييم رامون، الذي يتوقع عودته إلى حزب العمل خلال الفترة القادمة لخوض المنافسة على زعامة الحزب بعد غياب الرجل الأقوى من غير منازع وأيًّا كان الفائز في الانتخابات الداخلية للحزب والتي تسبق انتخابات الكنيست، فإنه لن يحظى بالتأكيد بنفوذ وشعبية رابين العسكري المخضرم الذي كان يتمتع بولاء المؤسسة العسكرية صاحبة التأثير الأقوى في القرارات السياسية.

فعلاقات شمعون بيريز – أقوى المرشحين لخلافة رابين – مع جنرالات الجيش سيئة ومضطربة، ولن تكون له القدرة على استقطاب المؤسسة العسكرية التي يفتقد ولاءها، كما كان الحال بالنسبة لرابين، كما يرى المراقبون أن بیریز تنقصه صرامة رابين وحزمُهُ السياسي، إضافة إلى أنه فشل في قيادة حزب العمل إلى الفوز في الانتخابات عامي ١٩٨٤، و١٩٨٨م. ونجح رابين في انتزاع زعامة الحزب منه عام ۱۹۹۲م، والفوز في انتخابات الكنيست بنفس العام، ولاشك أن حزب الليكود سيستفيد كثيرًا من الضعف القيادي الذي تسبب به غياب رابين وسيكون بنيامين نتنياهو سعيدًا بمواجهة أي من حلفاء رابين المحتملين على مواجهة رابين شخصيًّا.

تصدع في البنيان الداخلي

حاولت الأوساط الإسرائيلية في بداية الأمر التقليل من دلالات الحادث وتصويره كحادثة فردية لا تشكل خطرًا على تماسك المجتمع الإسرائيلي، ولكن هذه المحاولات فشلت في تبديد المخاوف التي سيطرت على مشاعر الأوساط السياسية الإسرائيلية، وسرعان ما عبرت هذه المخاوف عن نفسها وطفت على السطح.

رئيس الحكومة الأسبق إسحاق شامير من حزب الليكود ناشد المسؤولين العمل على منع تطورات الحادث ومضاعفاته، وقال: «إن اغتيال رابين قد يقود إلى حرب أهلية» وأضاف أن يقوم يهودي بقتل رئيس الحكومة، فهذا قد يؤدي إلى مصائب فظيعة، وحذر رئيس الأركان الإسرائيلي السابق رفائيل إيتان من حرب أهلية إن لم تتوحد الأحزاب والشعب الإسرئيلي ووصف الحادث بأنه أول اغتيال سياسي في إسرائيل، وأنه حادث خطير جدًّا بالنسبة لمستقبل «إسرائيل»، كما حذر الصحفي الإسرائيلي مرغليت من آثار حادث الاغتيال وقال «إن خطرًا جديدا من الصدام وفقدان السيطرة بات يهدد الآن إسرائيل من الداخل».

على الجانب الآخر قال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسين نصر الله، إن أهم ما في الاغتيال انتظار تداعيات الحدث في المجتمع اليهودي وعملية التسوية، في حين أشار الناطق باسم حماس، إبراهيم غوشة إلى أن العملية أوضحت مدى عمق الشرخ الذي يضرب المجتمع اليهودي ويؤذن ببدء صراع داخله.

ويعتقد المراقبون أن إسرائيل، تقف الآن على مفترق طرق، وأن المجتمع الإسرائيلي يشهد حالة انقسام واستقطاب سياسي، وأن الحادثة لا يمكن النظر إليها كحادث فردي عابر خاصة وأن مسؤولًا في حزب العمل تلقى تهديدات عبر الهاتف بقتل المزيد من الشخصيات الإسرائيلية وأكدت الجهات التي أعلنت بأنها وراء الحادث بأن لديها قائمة بالمزيد، وأن اغتيال إسحاق رابين كان ضمن قائمة أسماء تعتزم القضاء عليها. وتؤكد حادثة الاغتيال أن المتطرفين اليهود باتوا قوة يحسب لها حسابها، وإن لم تعد تكتفي بإطلاق التصريحات والتهديدات، وإنما انتقلت إلى دائرة الفعل الدموي، كما يرى أحد المحللين، ويأتي هذا التطور في ظل نظام يسمح بانتشار الأسلحة وامتلاكها بشكل واسع من قِبَل الجماعات اليهودية اليمينية.

ولعل المفارقة التي تلفت الانتباه أن المجتمع الفلسطيني لم يشهد حتى الآن حادثة اغتيال سياسي قامت بها المعارضة على خلفية الموقف السياسي، رغم أن مخاوف شديدة كانت تبديها أوساط سياسية مختلفة بهذا الخصوص، وقد أشار كاتب صحفي إسرائيلي بقوله منذ إقامة إسرائيل اعتقدنا جميعًا وبحق أن النظام في إسرائيل مستقر، وأن العرب فقط هم الذين يقتلون زعماءهم ولكن بالأمس اتضح أننا كنا نعيش في خطأ ووهم.

ومع أننا لسنا مع المراهنة كثيرًا على مسألة تأثير غياب رابين على الأوضاع الإسرائيلية، إلا أن حادثة الاغتيال أكدت بشكل واضح وجود خلافات حقيقية بين التيارات والأحزاب الإسرائيلية، وإذا كان الخلاف على جبهتنا العربية بين مؤيدين للتنازل والتخلي عن حقوق أمتنا في أرضها ومقدساتها، وبين معارضين لذلك، فإن الخلاف داخل المجتمع الإسرائيلي بين متشدد يرى إعطاء العرب بعض المكاسب والتنازلات الشكلية، وبين متشدد بدرجة أكبر يعارض إعطاء حتى مثل هذه التنازلات.

كما أن الحادثة تبرز الانقسام الذي يعتري المجتمع الصهيوني رغم مظاهر التماسك التي تعززها المخاطر والتحديات المشتركة، فعوامل الانقسام كامنة في المجتمع اليهودي تنتظر الفرصة المناسبة لتظهر على السطح، وقد جاءت حادثة اغتيال رابين هذه المرة لتفجرها وتبرزها للعيان.

الرابط المختصر :