; المجتمع تفتح الملف المنسي (4).. لمحو الهوية الثقافية لمسلمي البوسنة.. تدمير الحضارة الإسلامية جريمة شارك فيها الغرب | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع تفتح الملف المنسي (4).. لمحو الهوية الثقافية لمسلمي البوسنة.. تدمير الحضارة الإسلامية جريمة شارك فيها الغرب

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007

مشاهدات 74

نشر في العدد 1745

نشر في الصفحة 34

السبت 31-مارس-2007

  • العدوان الصربي والكرواتي هدم نحو 1400 مسجد خلال ثلاث سنوات لقتل الروح المعنوية للمسلمين البوشناق التي استمدوها من المساجد

  • رغم انتهاء الحرب.. ما زال الصرب يعارضون إعادة بناء المساجد المدمرة في المناطق التي يسيطرون عليها

  • القساوسة باركوا هدم المساجد! والبوسنيون في انتظار الدعم الإسلامي لإعادة إعمارها

تؤكد الدراسات المعمارية أن البوسنيين ساهموا مساهمة فعالة في إثراء المعمار الإسلامي منذ القدم، فقد كانت المدن البوسنية تحفًا معمارية ندر وجودها في أوروبا، لكنها بلغت أرقى مستوياتها في العهد العثماني 1463م - 1878م.. وقد يستغرب البعض عندما يعلم بأن الطابع المعماري الفريد لمسجد الغازي خسرف بك في سراييفو عام 1537م قد ظهر قبل 10 سنوات من انتشاره في إسطنبول، بحسب الخبير المعماري د. كمال زوكيتش.

ففي ذلك الوقت بلغت حركة البناء في البوسنة أوجها، حيث بنيت المدن البوسنية العتيقة بطريقة تكتنفها روح إنسانية عالية مقدمة بذلك طابعًا لا مثيل له في أوروبا بأسرها، على حد قول المهندس المعماري الشهير لوكور بوزيي.

وواجه المسلمون بعد انحسار الخلافة العثمانية عن منطقة البلقان اعتداءات كثيرة وتمت مصادرة الكثير من أملاكهم، وطالت تلك الاعتداءات الكثير من الآثار ولا سيما القلاع العسكرية وحتى المساجد التي تم تحويلها إلى أغراض أخرى، أو تمت تسويتها بالأرض تحت ذرائع مختلفة.

جرائم ثقافية

وقال د. كمال زوكيتش مدير المكتب الهندسي التابع للمشيخة الإسلامية لـ «المجتمع»: «لقد كان الموروث الثقافي البوسني خلال المائة سنة الماضية وليس فقط فترة العدوان الصربي عرضة للتدمير الممنهج سواء في فترات الحرب أو فترات السلام.. وجاءت أعمال التدمير في الفترة بين 1992م - 1995م وفق خطة معدة سلفًا؛ فقد أدرك الأعداء قيمة الروح الإنسانية للمسلمين، وأن الآثار العمرانية الإسلامية تجسد تلك الروح، فعملوا على إزهاقها».

وتابع: «لا يمكن أن يتم تدمير أكثر من 1400 مسجد صدفة، فلم يكن العدوان الذي طال الآثار الإسلامية - ضمنها آثار تعد من التراث الإنساني - هدفًا استراتيجيًّا للأعداء المباشرين فحسب، بل كانت الرغبة والقصد حاضرين لدى أوروبا والغرب الذي ظل صامتًا، وعندما نطق تكلم ليقدم تبريرات للجرائم التي ارتكبت في حق المسلمين على أنه انتقام من الأتراك بينما تلك المعالم أصبحت بوسنية خالصة، فهم الذين بنوها وهم الذين يرغبون في بقائها والدفاع عنها وتقديم أنفسهم فداء لها.

همجية الصرب

ويشبه الكثيرون الدمار الذي لحق بالمعالم والآثار الإسلامية بالبوسنة بالهجوم المغولي على الخلافة العباسية قبل 7 أو 8 قرون، لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن الجريمة الحقيقية ليست عدد ما تم تدميره فحسب، وإنما محاولة إعطاء انطباع بأن الجميع مارس القتل والتدمير (صرب - کروات - مسلمين)، وأن أفرادًا فقط مسؤولون عن ذلك الصنيع... وهي مغالطة كبرى بالرجوع لإحصائيات ما تهدم من معالم أثرية ومساجد وكنائس حيث تم تدمير أكثر من 1400 مسجد، بينما لم يتم تدمير سوى عشرات الكنائس على يد الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك وقتل 200 ألف مسلم.. بينما لا يتعدى القتلى الصرب والكروات بضعة آلاف.

مذبحة المساجد

لقد تعرضت المساجد لحملات هدم وحرق منظمة أثناء العدوان الصربي الكرواتي على البوشناق المسلمين في البوسنة بين 1992م و1995م، وكان من بين المساجد التاريخية «جامع الأجا» بمدينة فوتشا شرق البوسنة، والذي بني عام 1550م، و«جامع السلطان بايزيد»، في فوتشا، ويطلق عليه البوسنيون جامع «سراييفا»، وبني في عام 1500 م، و«جامع علي باشا» في فوتشا، وبني في عام 1546م وهدمه الصرب في أبريل 1992م، و«جامع عثمان أفندي» في فوتشا، وبني في عام 1593م، و«جامع أمين تورخان» وبني في عام 1448م، و«جامع غضنفر» بك في فيشي جراد أيضًا و«جامع شمس الدين» المعروف به «تشارشيسكا روجاتيتسا» وبني في القرن السادس عشر، وتم قصفه بالدبابات، و«جامع حسين بك» المعروف باسم مسجد «أنووديا روجاتسا» وبني عام ١٥٥٨م، وتم تدميره بالكامل و«جامع ريتشانسكا» في زفونيك، و«جامع سريدنيا» في مودريتسا، وقد تأسس في القرن الثامن عشر، وتم نسفه بالمتفجرات، وقد قام الصرب بذبح عدد من المسلمين فيه، و«جامع عثمان بك» في موديتسا بني في القرن التاسع عشر ونسف هو الآخر بالمتفجرات.

ومنها أيضًا «جامع السلطان سليم» المعروف باسم «السليمية» وقد بني في القرن السادس عشر بالقرب من قلعة دوبوي، وتم تفجيره بالكامل في مايو 1992م، و«جامع شادرفان» في مدينة فيسوكو، و«جامع شاربينا» في ترافنيك، و«جامع تشارشيسكا» في مدينة دوني واقف، و«جامع هاندان أغا» بني قبل 400 عام ونسفه الصرب بالمتفجرات، وجامع «علي المعروف» باسم «مسجد بردسكا»، و«جامع كافي» و«جامع محمد الأغا» في توزلا بني في القرن السادس عشر، و«جامع السلطان عصمت» في مدينة ياييتسا، وهو من أهم الآثار العمرانية في البوسنة، وبني عام 1749م، و«جامع إبراهيم» بك في ياييتسا وقد بني في القرن السابع عشر، وجامع «السلطان أحمد» في مدينة بوغوينو بني في عام 1663م، وجامع «سانسكي موست»، وهو من أجمل المساجد تم هدمه في مايو 1992م و«جامع حجي كورتو» في موستار، بني في القرن السادس عشر ونسف في 6 مايو 1992م، و«جامع ناصوح أغا» في موستار بني عام 1528م، وهدم في مايو 1992م و«جامع بابا بشير» بني عام 1631م، وتم تدميره في أبريل 1992م، وجامع «إبراهيم أغا شاريتش»، و«جامع السلطان أحمد» المعروف في تريبينيا بني عام 1719م، و«جامع السلطان بايزيد» في نيفيسيني بني في أواخر القرن الخامس عشر، و«جامع سنان ديدي أفندي» بني في مطلع القرن السادس عشر، و«جامع تيلاريفيتش» في ستولاتس بجنوب شرق البوسنة، بني في القرن السابع عشر نسفه الصرب بالمتفجرات، و«جامع فرحات باشا» بمدينة بنيالوكا، و«جامع حسن دفتر دار» و«جامع بوسانسكي كروبا» بني في القرن الثاني عشر، و«جامع القبطان حسين غراد تشاس» بني في عام 1826م، و«مكتبة الغازي خسرو بك» أكثر المكتبات الأوروبية ضخامة من حيث عدد المخطوطات، و«جامع خسرو بك» بسراييفو أيضاف تعرض للقصف 70 مرة و«جامع علي باشا» بني عام 1560م، و«جامع خواجا دوراك» المعروف باسم «باش تشارشيسكا» بني في القرن السادس عشر و«جامع تشارشيسكي» في سراييفو بني عام 1526م، و«جامع فرحات بك» المعروف باسم «الفرهادية» ببنيالوكا، و«جامع حجي عثمان» بني عام 1591م، و«جامع الشيخ المغربي» بسراييفو، و«جامع أيدجك» وبني عام 1562.

بجانب الكثير من المدارس التاريخية والتكايا، تعرضت للتدمير والتفجير، إضافة لمئات المساجد الحديثة والتاريخية الأخرى التي تعرضت للعدوان والتي تفوق في مجملها 1400 مسجد ومعلم ديني، لم يتم إصلاح سوى 400 منها بمساعدات من الهيئات الإسلامية.

بقي القول إن المعالم الدينية الإسلامية من مدارس وجوامع وغيرها كان يتم تدميرها بمباركة من الكنائس والقساوسة الأرثوذوكس والكاثوليك على السواء، وفي أثناء الحرب كانت هناك قوات عسكرية دولية تقوم بحراسة الكاتدرائية في سراييفو بينما المساجد لم يكن يحرسها أحد ولم تهتم بها القوات الدولية.

يوم المساجد (7 مايو)

ولتخليد ذكرى المساجد التي تهدمت في البوسنة، يحيي البوسنيون يوم 7 مايو من كل عام «يوم المساجد» عبر جملة من الفعاليات الثقافية والدينية .. حيث يسيطر هَم إعادة بناء جامع الفرهادية الذي شيد عام 1579م وهدمه الصرب في 7 مايو 1993م، وجامع الأجا في فوتشا الذي يعد أول المساجد التي بنيت في البوسنة في عام 1550م.

وقد شهدت مساجد البوسنة في هذا الموعد السنوي إقبالاً منقطع النظير، حيث تلقى عدة محاضرات وندوات تعقدها المشيخة الإسلامية، ورابطة المثقفين البوشناق والمراكز الثقافية المختلفة، يتحدث فيها عدد من الوجوه الثقافية البارزة، مثل رئيس العلماء في البوسنة الدكتور مصطفى تسيريتش، وعميد كلية الدراسات الإسلامية بسراييفو الدكتور أنس كاريتش، والدكتور إسماعيل تشاكيتش، وعدد آخر من أساتذة الجامعات والمثقفين البوشناق.

وقال الشيخ أدهم تشامجيتش مفتي بنيالوكا لـ المجتمع»: «نحن عاجزون حاليًا عن إعادة بناء جامع الفرهادية الذي هدمه الصرب في 7 مايو سنة 1993م لأنه يكلف ما بين 5 و6 ملايين يورو، ونحن لا نملك هذا المبلغ حاليًا»، وتابع: «في رمضان الماضي اضطررنا للصلاة في العراء، وكان من بيننا الشيخ الكبير والمريض والنساء والأطفال».

من جهته قال رئيس العلماء د. مصطفى تسيريتش: إن العزم على إعادة بناء جامع الفرهادية موجود، وبدأنا العمل بما لدينا من إمكانيات في انتظار أن تتوافر جميع المستلزمات لإكمال إعادة البناء..

وقال مدير معهد المعمار الإسلامي كمال تارزيتش في صيف 1995م: «رأت المشيخة الإسلامية إقامة معهد علمي، لإعادة بناء المعالم الحضارية الإسلامية بعد أن تم هدم أكثر من 80٪ من المعالم الإسلامية، وفي مقدمتها المساجد التي قام البوشناق بتشييدها على مدى خمسة قرون ماضية».

وتابع: «لم يكن بمقدور المشيخة الإسلامية توفير مستلزمات إعادة بناء المعالم الإسلامية وفي مقدمتها المساجد فتولدت لديها فكرة إنشاء معهد للمعمار الإسلامي يكون متخصصًا في أعمال الترميم وإعادة البناء، وهو ما تم حيث يوجد حاليًا بالمعهد 40 موظفًا متخصصًا في مجال التخطيط والبناء، قاموا بعمل عظيم في إعادة بناء وترميم عدد كبير من الجوامع والمساجد والمدارس والأبنية التي تعرضت للعدوان أثناء الحرب». 

أما مناطق السيطرة الصربية «فإننا حتى الآن لم نعد بناء كثير من المساجد بسبب تعنت الصرب وعدم سماحهم لنا بإعادة بناء مساجدنا على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، لا سيما بعد المضايقات التي تعرضت لها المؤسسات الإسلامية في البوسنة والهرسك، والتي كانت تساعدنا على إعادة بناء المساجد والمستشفيات وغيرها من المساعدات العينية للفقراء».

ويتركز حاليا جهد العائدين إلى ديارهم التي هجروا منها منذ عام 1992م، والسنوات التي تلتها على إعادة إصلاح بيوتهم المهدمة وترميم المتصدع والمتضرر منها، كما أنهم يحاولون بجهود جماعية متواضعة إعادة ترميم بعض المساجد التي تعرضت للعدوان الصربي، لإثبات وجودهم وهوية مناطقهم الإسلامية، فهم لا يستطيعون العيش بدون ذلك، بعد أن أصبحوا في وضع مختلف تمامًا عن مكان غربتهم السابق.

لم تكن المساجد وحدها كما أسلفنا هدفًا للعدوان الصرب - كرواتى ضد المسلمين في البوسنة بل كل ما له علاقة بالآثار والتاريخ والثقافة والحضارة الإسلامية، كالأسواق والحمامات والجسور .. ومن بين الجسور التي مثل هدمها على يد الكروات عام 1993م زلزالاً كبيرًا في وجدان المسلمين.. تدمير «جسر موستار» التاريخي، وكانت عملية إعادة بنائه والاحتفال بذلك تواصلاً واستمرارًا لدورة الحضارة وتجديد الذاكرة التاريخية في 23 يوليو 2004م، حيث تم افتتاح الجسر التاريخي الذي يعود بناؤه إلى عام 1566م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1132

69

الثلاثاء 03-يناير-1995

المجتمع التربوي: 1132

نشر في العدد 1126

89

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

أسرار .. من مصادر المجتمع (1126)