; ترجمات: تراجع الإسلاميين في مصر | مجلة المجتمع

العنوان ترجمات: تراجع الإسلاميين في مصر

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مشاهدات 49

نشر في العدد 1261

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-أغسطس-1997

The Economist

JULY 5 TH -11 TH 1997

المقال التالي نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية في عددها الأخير، وهو نموذج فج لتحامل بعض الصحف الغربية على الإسلاميين، ودمغهم بكل نقيصة والتغاضي في المقابل عن سلبيات الأنظمة وممارساتها ما دامت تقوم بقمع الإسلاميين ولكنه مهما فعل لا بد أن يعترف في النهاية بأن التيار الإسلامي قوي جدًا.

 

عندما صاح أحد الإسلاميين المتطرفين في مطلع شهر يوليو المنصرم من داخل قفص في أحد المحاكم المصرية بأعلى صوته قائلًا: لقد أعلن زعماء الجماعات الإسلامية المسجونين وقف إطلاق النار، لم تُعر الحكومة أي اهتمام لتلك الرسالة، وربما أن الغريب في تجاهل الحكومة لهذا الإعلان هو أنها تكبّدت خسائر فادحة في الأرواح تقدر بما لا يقل عن ١٠٠٠ ضحية لقوا حتفهم نتيجة الحملة التي شنتها الحكومة المصرية منذ عام ١٩٩٢م من أجل القضاء على ظاهرة التطرف الديني، وإن التفسير الوحيد لتجاهل الحكومة المصرية لهذا الإعلان هو أنها قد حققت كل شيء باستثناء الانتصار في معركتها هذه.

ومع حلول القرن الخامس عشر للهجرة في عام۱۹۸۰م شهد العالم هزة قوية، حيث كانت إيران غارقة في ثورة، والمجاهدون الأفغان قد شنوا حربًا لطرد الغزاة السوفييت من أفغانستان، وقام المتطرفون الدينيون في مصر أيضًا باغتيال الرئيس أنور السادات، وظهر في كافة أرجاء العالم الإسلامي تيار سياسي إسلامي من نوع جديد، كاد أن يجتاح كل شيء يقف أمامه.

 

طابع المحافظة يتنامى

ومنذ تلك الفترة، أخذ طابع المحافظة يتنامى داخل المجتمعات الإسلامية، وانتقل الفكر الإسلامي من المسجد إلى الشارع، لكن تمكنت معظم الأنظمة البوليسية من الصمود أمام هذه التغيّرات، ولم يتم أيضًا تعديل غالبية القوانين لتتمشى والشريعة الإسلامية، بل ظلت النخبة في معظم الأقطار الإسلامية متمسكة بالموضات الغربية، وهكذا أخذ خطاب المتطرفين يفقد بريقه الرومانسي.

وعندما أتيحت للشعب الإيراني الفرصة الحقيقية للمرة الأولى منذ قيام الثورة لكي يختار رئيسًا للدولة في شهر مايو الماضي، صوّت لصالح أقل المرشحين تطرفًا، وفي تركيا رضخ حزب الرفاه الإسلامي على استحياء أمام مطالب الجيش الذي طرده من السلطة بعد سنة من الحكم الباهت، وأسفرت الانتخابات التي شهدتها كل من اليمن والمغرب مؤخرًا عن تحقيق الإسلاميين نتائج متواضعة، أما الحركات الإسلامية القوية في كل من أفغانستان والجزائر والسودان، فإنها غارقة في مستنقع حروب أهلية بشعة، وهكذا تحولت المُثل الأصيلة إلى واقع أقل نقاوة.

إن التجربة المصرية مليئة بالعبر، بخاصة أن مصر هي موطن أول حركة إسلامية معاصرة ألا وهي حركة الإخوان المسلمين التي رأت النور في عام ١٩٢٨م، وكان شأنها شأن بقية الحركات الإسلامية في البلدان الأخرى، حيث لاقت تشجيعًا في السبعينيات لكي تمثل سدًا منيعًا أمام التيار اليساري، أما في الثمانينيات فقد أصبح اللباس الإسلامي المحتشم معيارًا لقياس جاذبية المرأة، وتمكن الإسلاميون من السيطرة على النقابات المهنية والطلابية تحت شعار «الإسلام هو الحل»،ومن ثم وجدوا موطئ قدم داخل البرلمان، وفي السابق كانت المؤسسات الإسلامية المطيعة للنظام- مثل جامعة الأزهر- تمثل الصوت المدافع عن التوجه المحافظ، أما القوميون العلمانيون- الذين ظلوا يُسيطرون على مقاليد الحكم لفترة طويلة- فقد وجدوا أنفسهم تحت الحصار.

وقد شهد مطلع التسعينيات قيام الحكومة المصرية بشن هجوم على المتطرفين بعد أن فقدت صبرها إزاء أعمال العنف التي ظل هؤلاء يرتكبونها، حيث قامت بعمليات اعتقال واسعة النطاق، ومحاكمات عسكرية وإنزال أحكام بالإعدام بحق المئات من المتطرفين، مما أدى إلى تشتت الجماعات المتطرفة، وقد وقع في 22 يوليو الماضي مقتل ستة من رجال الشرطة المصرية في جنوب مصر، في هجوم يُعتبر الأكثر فداحة من نوعه منذ عامين من حيث الخسائر التي تكبدتها الشرطة المصريةفي الأرواح في إطار هذه الحملة.

بيد أن الناطقين بإسم الإسلاميين، والذين ما انفكوا يدعون إلى تبنّي العنف إما أن يكونوا في حالة هروب أو في المنفى.

وقد أدى التلاعب بنتائج الانتخابات إلى دخول الموالين للحكومة إلى البرلمان، وقد صدرت مؤخرًا قوانين جديدة لتحجيم عمل النقابات المهنية والعمل الصحافي، كما تمكنت وزارة الأوقاف المصرية من فرض سيطرتها ببطء على كافة المساجد في مصر، والبالغ عددها 67000 مسجد، كما أدت جهود منسقة إلى تحسن مستوى الخدمات في الأحياء الشعبية حيث كانت الجماعات الإسلامية تستقطب أتباعها من خلال تقديم خدمات علاجية وتعليمية زهيدة التكاليف، كما أدى احتكار الحكومة لوسائل الإعلام إلى إدمان المصريين للبرامج التي تقدمها لهم؛ حيث تكون هذه البرامج على شكل جرعات من إعلانات أكثر إشراقًا، لكنها تعمل على إسلام أكثر تسامحًا، بل إن هناك حظرًا سريًّا مفروضًا على ظهور المحجبات على شاشات التلفزيون.

وربما قد ألحق الهجوم الكاسح على الإسلاميين ببعض الضرر على سجل مصر في مجال حقوق الإنسان لكنه كان ناجحًا إلى حد كبير في تهميش النشطاء الإسلاميين، وقد نجح بعض الإسلاميين قبل سنة في دفع أعلى محكمة في مصر إلى الحكم على أستاذ جامعي بالردة، وإجباره على الهروب من البلاد، وشهدت هذه السنة أيضًا توجيه تهم مماثلة إلى زميل له انبرى للدفاع عنه من التهم المنسوبة إليه. 

ولم تكتف محكمة القاهرة في يونيو المنصرم برفض دعوى رفعها أحد الدعاة المتطرفين ضد مجلة علمانية فحسب، بل ألزمته بدفع غرامة مع الإعلان بأنه بحاجة إلى علاج نفسي، أما رئيس المحكمة فقد صرّح بأن مصر أصبحت تعاني من انتشار وباء التطرف الديني بزعامة «حفنة من مرضى نفسانيين تدفعهم حالتهم المرضية إلى إيهام أنفسهم بأن الله- سبحانه وتعالى- قد منحهم سُلطات لكي يقوموا بمعاقبة أو مكافأة الآخرين».

ويبدو أن اللباس الإسلامي المبالغ في التطرف قد مضى عليه الزمن ولم يعد موضة تتبع، وتقول خبيرة في علم الاجتماع بأنه قبل ثلاث سنوات كان هناك عدد كبير من زميلاتها في مكان عملها من سكان الأحياء الشعبية في مصر منقبات بدافع القناعة الدينية، واليوم فهن آثرن لبس الحجاب فقط، أما استخدام الماكياج فقد أصبح شائعًا، وذكرت امرأة أخرى كانت محجبة في السابق «إن عقيدتي تسمح لي بأن أكون جميلة وطاهرة».

إن المحنة التي يعيشها الإسلاميون اليوم ناجمة عن أسباب عدة، وأقلها عمليات القمع التي تشنها الحكومة المصرية ضدهم، ذلك أن الاقتصاد المصري ظل في حالة ركود طوال الثمانينيات، لكنه أخذ ينمو بمعدل 5% زيادة سنويًا، وهذا النمو يكفي للشروع في مكافحة حالة البؤس التي ولّدها انعدام فرص العمل والحصول على المأوى، كما أن الحركة السياحية التي شهدت انخفاضُا حادًا في عدد السياح في أعقاب الهجمات الإرهابية على حافلات السياح، بدأت تزدهر مرة أخرى.

 

مستقبل الاقتصاد المصري

وفي حين أصبح مستقبل الاقتصاد المصري ببشر بالخير، أخفق الإسلاميون في طرح سياسات تأسر الخيال، ونتيجة لذلك بدأ المتدينون المصريون يتشككون من جدوى التمسك الشديد بالخطاب الإسلامي، ذلك أنهم بدؤوا يبحثون الآن عن الحل الوسط بدلًا من المواجهة، بل أصبح اهتمامهم بالشعارات التي يلوّح بها المتطرفون أقل من قلقهم إزاء الصورة المشوهة التي يُعطيها المتطرفون للإسلام.

غير أن العلمانيين المصريين سيظلون صعبي المراس، بل إن الكثير منهم يرى أن المجتمع المصري قد أصبح أكثر محافظة لدرجة أن يوسع الإسلاميين الادعاء بأنهم نجحوا ولو بدون الوصول إلى سدة الحكم، وتشهد مصر وغيرها من البلدان الإسلامية عودة بث الحياة إلى الإحساس بالهوية الإسلامية، بعد أن ظل كامنًا في النفوس لفترة طويلة، ويتجسّد هذا الإحساس بشعور المرء بأنه يعيش في مجتمع عدواني.

وقد لا تكون مشاعر المسلمين في الغالب موجهة ضد حكوماتهم، لكن لا يزال بإمكان أولئك الذين يريدون إطلاق العنان لعواطفهم الدينية القيام بذلك، وكما كتب السيد هاني شكر الله وهو كاتب زاوية: «بالطبع إذا وصفنا الظاهرة الإسلامية بأنها موجة، فإن الذروة قد انتهت، لكن التيار ما زال قويًا جدًا».

الرابط المختصر :