; ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (الأخيرة).. شخصيات على الهامش | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (الأخيرة).. شخصيات على الهامش

الكاتب جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2010

نشر في الصفحة 50

السبت 07-يوليو-2012

طه أبو موسى (حلواني) كان أمياً ولكن الله تعالى أنعم عليه بالقدرة على الرسم حتى من الذاكرة

أحمد العَرْجة.. كان نحيفاً وكل رزقه في الإعلان بصوت صاروخي عن البضائع مقابل قروش قليلة يومياً

محمد تعيلب (بائع العرقسوس) كان حسن الصوت معتزاً بنفسه.. فكان الأطفال يهابونه ولا يسخرون منه كما يفعلون مع غيره

يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصاً على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزاً من الزمن.

وفي هذه الحلقات التي أنشرها تباعاً، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيراً منها قد مضى على وقائعها سبعون عاماً، وربما أكثر من ذلك.. وأحمد الله تعالى إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف

في مرحلة الطفولة استوقفتني شخصيات متعددة، كل منها يستحق حلقة كاملة.. ولكني  حرصاً على الإيجاز أكتفي بما يشبه الإشارة إليها. ومن هذه الشخصيات:

-1 شخصية «طه أبو موسى»

كان يعمل «حلوانياً »، لا يملك دكاناً، ولكن يملك فانوساً زجاجياً ضخماً في شكل عربة يضع فيها بضاعته من البسبوسة، والهريسة، ولقمة القاضي، وبلح الشام... إلخ.. ويستقر بدكانه المتحرك في سوق «المنزلة»، ولكنه تعوّد أن يذهب يوماً في الأسبوع إلى قرية تبعد عن «المنزلة» ثلاثة أميال اسمها «البصراط»، فيبيع بضاعته لأهل القرية، ويعود في ساعة متأخرة بعد العشاء إلى «المنزلة » بعربته الزجاجية فارغة، وبجيبه وقد غص برزقه من المال. 

وذات ليلة وهو في طريقه إلى «المنزلة»  خرج عليه ثلاثة من اللصوص، وهددوه بالسلاح، ونهبوا ما معه من مال، فعاد إلى «المنزلة» وتقدم ببلاغ لضابط مركز الشرطة، الذي سأله: هل تعرف هؤلاء اللصوص؟

 لا أعرفهم، ولكن أستطيع أن أرسم لك وجه واحد منهم، كان هو الذي استطعت رؤية وجهه.

أنت عبيط، ولا بتستعبط... يا بن الل....... ؟ 

لا والله أنا بتكلم جد.

فأعطاه الضابط قلم «الكوبيا» وورقة بيضاء، وفي خمس دقائق كان قد رسم وجهاً كاملاً. مما جعل الضابط يهجم عليه ليقبِّله.

ينصر دينك دا الواد الحرامي فلان، نحن نبحث عنه من شهور، والحمد لله أنت حددت لنا مكانه وسنقبض عليه.

وقد حدث، ودل اللص على زميليه الآخرين، واسترجع طه نقوده.

ملاحظة

طه أبو موسى كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنعم عليه بالقدرة على الرسم، حتى من الذاكرة، مع ملاحظة أنه كان بطلاً من أبطال رفع الأثقال في جمعية الإخوان المسلمين ب «المنزلة».

-2 الفشّار ع. مَجْرف

كان فارع القامة قوياً، أنهى مدة تجنيده، وعمل سائقاً على خط «المنزلة » القاهرة.

كنت إذا أردت السفر من «المنزلة » إلى القاهرة أميل إلى الركوب معه؛ لأنه كان يسليني طيلة الطريق ب «فشره » الذي يفوق فيه «أبا لمعة »، ولكنه بالسليقة لا يسوق فشرة من فشراته إلا وهو يطعمها بلمحة من الواقع، والفشر هو المبالغة والتهويل في الكلام.

ومن فشراته أننا إذا مررنا بمدينة «كفر شكر »  وهي مشهورة ببيع المانجو والفواكه الأخرى  ينطلق قائلاً: هي دي مانجه...؟!! المانجه كانت في «قصر عابدين » وأنا عسكري في الحرس الملكي، كنت أصعد على شجرة مانجو وأقطف منها حبة واحدة، وأزنها، فإذا بها 16 أقة.

وإذا تحدثنا في الكرة ضحك ملء فيه، وانطلق قائلاً: أنا كنت في فريق كرة الحرس الملكي، ونزلنا في مباراة مع فريق الجيش الإنجليزي، فسجلوا فينا هدفاً، فصرخ الجمهور موجهاً صراخه إلي: كده يا «ع »، دي في حقك يا «ع... » .. فقلت يا قوة الله، وربنا نصرنا، وخرجنا بعد أن هزمناهم هزيمة فظيعة: ربنا أكرمني وسجلت في مرماهم: 13 جون «هدف .»

وأذكر أن الهدف رقم 14 استطاع حارس المرمى الإنجليزي أن يمسك بكرتي القوية، ولكنها من شدتها أخذته، ومزقت به الشبكة، واصطدم بسور الملعب، فكسر عموده الفقري، وفصل من فريق الكرة - بل من الجيش الإنجليزي كله - لأنه أصبح عديم اللياقة الطبية.

ملاحظة: كان «ع... » لاعب كرة، ولكنها الكرة الشراب في إحدى حواري «المنزلة» .

3-أحمد العَرْجة كان نحيفاً نحيلاً عصبياً، يميل وجهه إلى الصفرة، وكل رزقه في «الإعلام المنطوق .» والإعلام الذي أقصده هو الإعلان بصوت صاروخي عن بضاعة من البضائع مقابل قروش لا تتجاوز خمسة في اليوم، وأنا أذكره هذه الساعة وهو قد أمسك ببطيخة في يد وشق منها على هيئة مربع مستطيل في اليد الأخرى، وهو يمشي في كل شوارع «المنزلة ،» معلناً عن البطيخ، وأذكر من كلماته: بطيخ أحمر زي الورد = عند عمك «أبو ياسين».

بطيخ أحمر زي الورد = ومن جوه تاكل تين.

وبعض الأطفال يعاكسونه، فيعكسون كلامه، على النسق الأتي:

بطيخ أبيض زي التلج = عند عمك «أبو ياسين .»

بطيخ أحمر زي الزفت = ومن جوه تاكل طين.

فيحاول أحمد أن يتجاهلهم، ويواصل مسيرته، ولكن المعاكسين يكثرون عليه، حتى تضيق أخلاقه بهم، فيضربهم بالبطيخة التي في يده، فيهجم عليها الأطفال يلتهمونها عن آخرها.

وبذلك يخسر صاحبنا البطيخة، وأجرة يومه في «الإعلام .»

 -4 محمد تعيلب

كان بائع شراب العرقسوس، أذكره وهو يلف وسطه بثوب ذي خطوط رأسية ملونة، وقد وضع على بطنه «بنورة » كبيرة ملئت بشراب العرقسوس، وفي وسطه حزام وقاعدة نحاسية تحمل عدة أكواب، يصب فيها للشاربين، وفي يديه صاجتان نحاسيتان رنانتان يعمل عليهما وهو ينشد كلماته معلناً عن بضاعته بكلمات منغومة عفوية أذكر

منها:

تعال واشرب عرقسوس

شِفا وخمير يا عرقسوس

تعال واشرب من غير فلوس

وكان حسن الصوت، معتزاً بنفسه، فكان الأطفال يهابونه، ولا يسخرون منه كما يسخرون من غيره.

ولكن المشهور عنه أن زوجته كانت مصابة بمرض عصبي، وتقع في نوبات حادة، وكان يعالجها بطريقة غريبة وهي:

أنه يظل يصفعها صفعات حادة إلى أن تفيق لنفسها، وكأنها لم تكن مريضة، وأشاع أن عنده دواءً سحرياً يشفي من هذه النوبات.

وعلم بذلك جاره م. ع فذهب إليه:

 يا عم محمد، أمي عندها نفس الحالة التي كانت عند حرمكم، فماذا أفعل حتى تشفى مما هي فيه؟ السر عندي أنا يا بني.

 يعني أجيب لك أمي وتديها الدواء؟  

آه، وماله، هاتها وحَرنّها علقة موت، وبعد كده صحتها تبقى زي البُمْب. 

وطبعاً رفض صاحبنا هذا العلاج. 

وأسأل عن كل هؤلاء الآن فإذا بهم في عالم الغيب.. يرحمهم الله تعالى.

الرابط المختصر :