العنوان تراجم إسلامية في الفكر والحركة في تركيا المعاصرة (الحلقة الرابعة)
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981
مشاهدات 59
نشر في العدد 513
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 27-يناير-1981
رأينا كيف أن بديع الزمان سعيد النورسي، كان يحجم عن الدخول في السياسة في البدء، ثم دخلها بفكر مدروس، وتصنيف على الوجه الآتي:
(۱) إن الأحزاب القائمة وقته كانت:
أ - حزب الشعب: وهو يساعد على انتشار الشيوعية، وهو العدو الأول والأساسي للفكرة الإسلامية.
ب - الحزب الديمقراطي: ويرأسه عدنان مندريس، وهو حزب رأسمالي يؤمن بالحرية الفردية وحقوق الإنسان.
ج - حزب الأمة: وهو حزب داخلته الفكرة الإسلامية إلى حد ما.
(۲) إن حزب المسلمين يتمثل في حزب اتحاد الإسلام:
وهو الحزب الذي تصوره بديع الزمان سعيد النورسي، وهذا الحزب يضم دعاة الفكرة الإسلامية (وأحسبه يقصد طلاب جماعة النور)، ويحتل المكانة السياسية كحزب سياسي يتصدر العمل السياسي.
لكن بديع الزمان سعيد النورسي يرى أنه لا يجب على هذا الحزب أن يتشكل قبل أن يبلغ عدد المتدينين تدينًا حقيقيًّا في تركيا ستين أو سبعين في المائة من مجموع الشعب في تركيا.
وإلى أن تتشكل هذه النسبة في الأمة، على جماعة طلاب النور أهون الشرين - في اصطلاح جماعة النور حاليًا - وهذا الأهون في الشر من يكون: حزب الشعب، الذي يقود الأمة إلى الشيوعية، أم الحزب الديمقراطي الرأسمالي.
ويرى بديع الزمان أن الثاني هو أهون الأمرين، بل ويصر بديع الزمان على تأیيد هذا الحزب الديمقراطي؛ حتى يمكن هزيمة حزب الشعب.
كما أن بديع الزمان يرى عدم تأييد جماعته لحزب الأمة، «وكان صاحب اتجاه ديني»؛ ذلك أن المسلمين إذا أعطوا أصواتهم لهذا الحزب القليل العدد «انتهى هذا الحزب وأغلق أبوابه» رغم ما به من وجهة دينية، من شأن ذلك تقسيم أصوات المسلمين التي لا بد - في نظر بديع الزمان - أن تضم إلى جهة واحدة من خلالها يمكن تحقيق مكاسب للمسلمين إذا تولت هذه الجهة الحكم، أما هذه الجهة موضوع الحديث، فهي الحزب الديمقراطي في رأي بديع الزمان.
وكان لهذا الوضع المذكور امتداد في الفكر السياسي التركي الحالي:
فجماعات النور سواء كانت جماعة جريدة آسيا الجديدة «يني آسيا»، أو جماعة النور في إزمير «بزعامة فتح الله خوجة» مخلصة لتعاليم بديع الزمان سعيد النورسي، تقوم بتأييد حزب العدالة في تركيا باعتبار أن هذا الحزب هو الامتداد الطبيعي للحزب الديمقراطي.
وحزب العدالة، ثاني حزب في تركيا من حيث الشعبية بعد حزب الشعب، وقبل حزب السلامة الوطني مباشرة، وحزب العدالة أول حزب تركي يدعو للتعاون مع دول العالم العربي، إلا أن حزب العدالة حزب رأسمالي علماني يؤمن بالأيديولوجية الأتاتوركية في الحكم، كما أنه ظهرت في تركيا كتب عن الماسونية تنشر صورة رئيسه المهندس والسياسي المحنك «سليمان دميرال»، ووثائق التحاقه بالمحافل الماسونية، وقد أشرك المهندس «سليمان دميرال» في أول وزارة شكلها مجموعة من الماسونيين الأتراك، وحزب العدالة ذو اتجاه أمريكي.
لكن جماعات النور تجتمع على تأييد هذا الحزب، اعتمادًا على نظرية بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ إن حزب العدالة يمثل في نظر النور بين أهون الشر.
والذي يدعو للتساؤل في هذه النقطة هو:
لقد تشكل في تركيا حزب إسلامي يدعو إلى الفكرة الإسلامية، لا هو شيوعي ولا هو رأسمالي، لا هو علماني، ولا هو قومي، حزب يدعو للإسلام عملًا في سلوك التركي وفكرًا، ويخرج من حدود المحلية التركية إلى العالمية الإسلامية، يدعو إلى نظام كامل للتعاون بين المسلمين في أوجه النشاطات المختلفة، ويدعو إلى تعاون شامل بين شعوب العالم العربي وشعوب العالم الإسلامي، وهو حزب السلامة الوطني، هذا الحزب الذي خرج من نطاق الاقتصاد المحلي إلى الدعوة لإقامة سوق إسلامية مشتركة، والمعروف أن هذا الحزب هو الوحيد الذي يرفض دخول تركيا السوق الأوروبية المشتركة، كما دعا هذا الحزب إلى قيام أمم متحدة إسلامية، وإلى قيام مجلس إسلامي مشترك - «انظر نص خطبة رئيس هذا الحزب البروفيسور دكتور نجم الدين أرباكان في مؤتمر السيرة النبوية بالدوحة، والذي نشرته عقب المؤتمر مباشرة مجلة المجتمع الكويتية تحت عنوان: «العالم الإسلامي يستيقظ ويتحرك من جديد»، وهذه الترجمة قام بها كاتب هذه السطور» - وأحرز هذا الحزب تقدمًا ملحوظًا في أول انتخابات يدخلها، ولولا أن خذلته جماعة النور، وجماعة من المسلمين تؤيد حزب العدالة لأحرز حزب السلامة نجاحًا أفضل وأبعد أثرًا في الحياة السياسية التركية والإسلامية.
هنا يرد قادة جماعات النور، بأن حزب السلامة ما كان ينبغي له القيام الآن ولا التصدي لقيادة الحركة الإسلامية في تركيا، فالشعب المسلم في تركيا لم تبلغ نسبة المتدينين تدينًا تامًّا بالنسبة التي أشار إليها أستاذهم بديع الزمان سعيد النورسي، وهي ٦٠ - ٧٠٪ من مجموع الشعب في تركيا.
هناك تأثير آخر لبديع الزمان سعيد النورسي ما زال أثره جاريًا مما تسبب في خلاف آخر بين جماعته، وبين حزب السلامة الوطني وهو: التعاون الإسلامي – المسيحي، الذي يقبل به النوريون، في حين أن حزب السلامة الوطني يرفضه رفضًا يصل إلى جعله مسألة لا نقاش فيها.
النوريون يرون رأي أستاذهم بأن التعاون الإسلامي - المسيحي، وبالخاصة التعاون الإسلامي مع الولايات المتحدة الأمريكية هام على أساس أن أمريكا دولة تعمل ضد الشيوعية ولصالح الدين، ويمكن اتخاذها دولة صديقة.
وقد برزت وجهة نظر حزب السلامة في مسألة التعاون الإسلامي - المسيحي واضحة في الاستقبال الهجومي، الذي استنكرت فيه صحافة الحزب وبياناته السياسية لزيارة بابا روما لإستانبول، في الوقت الذي رأى فيه النوريون أن بابا روما أيضًا ضد الشيوعية، ويمكن التعاون معه.
حزب السلامة الوطني لا يفرق في العداء بين الشيوعية وبين الرأسمالية من حيث: «العداء للفكرة الإسلامية وتضليل الأمة»، في حين لا يرى النوريون عدوًّا أساسيًّا لهم غير الشيوعية، ومن الأفضل التعاون مع الفكر الرأسمالي على اعتبار أنه مناهض للشيوعية، وخطره أهون بكثير من خطر الشيوعية، ولا بد من تعضيد حزب العدالة «الرأسمالي»؛ حتى يمكن القضاء على حزب الشعب الجمهوري، الذي إذا تمكن من السلطة، فسيفسح المجال للشيوعية في تركيا.
حزب السلامة الوطني «وهو إسلامي» يتهم حزب العدالة «وهو حزب علماني رأسمالي» بأنه حزب عميل للصهيونية العالمية، في حين يقول «فتح الله خوجه» - زعيم جماعة النور في إزمير في خطبة له ألقاها قبيل قيام انقلاب الجيش التركي برئاسة كنعان إيفرين «سبتمبر۱۹۸۰»، يقول فتح الله خوجه «موجهًا حديثه إلى حزب السلامة الوطني فيما فهمته»: «فليخرس لسان كل مسلم يتهم مسلمًا آخرًا بأنه عميل للصهيونية العالمية».
يرى حزب السلامة الوطني ضرورة متابعة المسلمين في تركيا للتحركات الإسلامية والفكر الإسلامي في العالم الإسلامي، والانفتاح على الفكر الإسلامي المعاصر والإفادة منه، وأن على المسلمين أن يوسعوا مدارك معارفهم الإسلامية؛ بحيث يشمل أسس الدراسات الإسلامية في حين ترى جماعة النور، أنه يجب الإفادة أولًا من رسائل النور، والمداومة بإخلاص عليها، ففيها الأسس الإيمانية اللازمة للحفاظ على العقيدة، في حين أن الانفتاح على الفكر الإسلامي الآخر يصعب عليهم، فأمهات المصادر الإسلامية مكتوبة بالعربية، لكن أعضاء حزب السلامة يردون على ذلك بقولهم: «بأن أمهات المصادر الإسلامية بدءًا بمعاني القرآن الكريم إلى مختلف التفسيرات، وآخرها تفسير في ظلال القرآن قد ترجم إلى اللغة التركية، ويفيد المسلمون الأتراك منها».
يرى النوريون أن كل بلدة إسلامية لها ظروفها الفكرية الخاصة، وجماعة النور ترى أن رسائل النور يمكن أن تغطي بدعوتها الإيمانية تركيا في حين أن حزب السلامة لا يؤمن بالمحلية في الفكر الإسلامي.
ومن الضروري القول هنا أيضًا اختلاف جماعة النور عن حزب السلامة الوطني في مسألة شخصية الخليفة، فلا يقبل المؤمنون برسالة حزب السلامة أن توكل أعمال الخليفة أو الشخصية المعنوية للخلافة إلى هيئة أو مجلس، وإنما ذلك موكول إلى مقررات الفقهاء في هذا الأمر.
كما أنه من الجدير بالقول: إن صحافة حزب السلامة الوطني، وصحافة جماعات النور في مشادات سياسية دائمة؛ بسبب اختلاف الفكر السياسي لدى الحزب، وجماعة النور، لكن لم تصدر عن رئيس حزب السلامة الوطني البروفيسور نجم الدين أرباكان أدنى كلمة تمس بديع الزمان سعيد النورسي ولا رسائله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل