العنوان المجتمع التربوي- العدد 552
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 552
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 15-ديسمبر-1981
من واقع السيرة
بداية الانحراف
مر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه وأرضاه- على جماعة في المسجد يعدون الحصى، فقال لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: نسبح الله! قال: تسبيح الله بعقد أصابع اليد اليمين، فإما أنكم أهدى من محمد، أو أنكم على باب ضلالة؟ قالوا: ما أردنا بذلك إلا خيرًا، قال: فكمْ من يريد الخير لم يدركه- أو كما قال.
إن هذه الحادثة حدثت في القرن الأول، وهو بشهادة الرسول- صلى الله عليه وسلم- خير القرون، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- منتشرين بين الناس، يعلمونهم ويربونهم، ومع هذا استطاع الشيطان أن يجر هذه الجماعة- وهي في بيت الله، وقصدها إرضاء الله- أن يجرها إلى الإبتداع في الدين.
وأبرز صفة للإسلام أنه صراط الله المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه ولا إنحراف، فأي ابتداع أو إحداث في أمر من أمور الدين- وإن صغر- فإنه جسم غريب شاذ معوج، يقود السائر عليه كما يقود ضلع الزاوية الحادة الذي لن يلتقي أبدًا في الانفراج مع الضلع الآخر، بل كلما استمر الإنسان يسير عليه- وهو منطلق من الزاوية الحادة- فلا يزداد إلا بعدًا.
كانت صفة الضلال في القرآن واضحة عندما قال الله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم: 18) أي الذي يأخذ بيدك ويبعد بك بعيدًا عن الصراط المستقيم.
والحق واحد لا يقبل القسمة، وطريقه واحد، لهذا كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- ينادي دائمًا في خطبة الحاجة لخطورة الأمر «إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» إذن من هذا الحديث يتبين أن الشر أنواع وأجناس، ولكن شر الأمور هي المحدثات، وكيف لا، وبسبب المحدثة والبدعة تضيع الدنيا والآخرة؟ وصدق من قال: إن صاحب الذنب يرجى شفاؤه، وصاحب البدعة لا يرجى شفاؤه؛ لأنه يراها من الدين.
فمثل المبتدع والمحدث -بعد أن كان على الصراط المستقيم- كمثل جهاز الكمبيوتر، أو العقل الإلكتروني الذي كان يعطي الإجابات السليمة، فلما اختل فيه جزء صغير من أجهزته، أصبحت النتائج والحسابات والإجابات كلها خاطئة، بل أصبح الناس لا يثقون به- وان تم تصليحه- إلا بعد أن يثبت عمليًّا- ولفترة طويلة- سلامة أجهزته كلها، هل تقبل في حسابك رقمًا خاطئًا يصنعه الكمبيوتر؟ الجواب بلا شك بالنفي.
إذن لماذا تقف حائرًا أمام قول النبي- صلى الله عليه وسلم- «من أحدث في أمرنا هذا شيئًا فهو رد»؟ من هو الصادق المصدوق: الكمبيوتر أم محمد بن عبد الله؟ فيا أخي المسلم، الحذر الحذر من البدعة في الدين وإن قلت، فهو السرطان الخفي الذي يأكل الحسنات، ويقضي على الاعتقاد السليم، ولا تعبا بأقوال الناس فهم يخطئون ويصيبون، وإياك إياك إن ترد الحق وإن جاءك من شخص لا تحبه، أو ترضى بالباطل إذا جاءك من شخص توده، فالحق قديم، وهو أحق بأن يتبع، والزم الدعاء القائل: «اللهم أرني الحق حقًّا، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه»، فكمْ من إنسان رأى الحق ولكنه حرم اتباعه، أو رأى الباطل وحرم اجتنابه، وقف بالليل وناج ربك قائلا: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
أحمد القطان
أفراح الروح
روي عن عمر بن عبد العزيز في شدة عفته، أنه كان ينظر ليلًا في قصص الرعية في ضوء السراج، فجاء غلام فحدثه في أمر يتعلق به في بيته، فقال له عمر: أطفئ السراج، ثم حدثني؛ لأن هذا الدهن من بيت مال المسلمين، ولا يجوز استعماله إلا في أشغال المسلمين!!
راشد خلف الجمعة
كيف عالج الرسول- صلى الله عليه وسلم- الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله؟
بقلم المهندس: عباس البدر
في خضم الأحداث التي تتوالى على المسلمين تضييقًا وتعذيبًا، ومحاربةً بكل الأسلحة، وفي كل بقاع العالم، نجد أن أعداء الإسلام قد اتحدوا على القضاء على شرع الله، وعلى كل من ينادي بتطبيقه؛ لأنهم يعلمون أن إقامة دولة الإسلام لا تكون إلا على أنقاض عروشهم.
وللأسف نرى في صف المؤمنين تفرق في السبل من عدم اتخاذ موقف موحد من المشاكل التي تواجه الدعوة، إلى محاربة بعضها البعض، مما يزيد قوة الطامعين، ويضعف شوكة المسلمين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فقد عاش التجربة قبلنا، ونجح في إقامة دولة الإسلام، ولا سبيل لنا إلا اتباع ما قام به رسول الله.
وما أشبه البارحة باليوم، فالمسلمون مستضعفون في الأرض، كما كان صحابة رسول الله، والعدو شرس في كلتا الحالتين، ولكي نُضمد جروحنا التي كثرت، وجب علينا الرجوع إلى سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- نأخذ منها معالم الطريق؛ حتى لا نضل، ولا يُضل بنا، راجيًا من الله العزيز أن يعينني على تقريب وجهات النظر المختلفة، وأن يؤخذ كلامي عن حسن نية من كل الأطراف.
الحلقة الأولى:
بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية داخل مكة، وبعد أن دخل الناس في الإسلام جماعات من الرجال والنساء؛ حتى فشا ذكر الإسلام، وتحدث به، أمر الله- عز وجل- رسوله- صلى الله عليه وسلم- أن يصدع بما جاءه من الحق، وأن يجاهر الناس بأمره، وأن يدعو إليه.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94.)
،وقال الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾(الشعراء: 214-216)، هذا الأمر بالجهر بالدعوة إلى الله إنما يمثل جهاد الكلمة في وقتنا هذا، ولا يخفى ضعف المسلمين آنذاك، ولا يملك الرسول أية قوة غير قوة الله سبحانه وتعالى.
وظل كذلك أكثر من عشر سنين في مكة يجهر بالحق، ويدعو له، والمشركون ينالون من المؤمنين الأذى الكثير، لا يثنيهم عن ذلك شيء، هذا الثبات على الحق والدعوة الشمولية للإسلام في كل نواحي الحياة من عبادة، رأى كفار قريش أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- يحميه عمه، فهبوا إليه فقالوا: يا أبا طالب، أن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وأما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا، وردهم ردًّا جميلًا.
وبعد تطور أمر الدعوة وإصرار المسلمين على مبادئهم وهم تحت التعذيب، ذهبوا إلى أبي طالب مرة أخرى، وقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.
إذًا الكفار هددوا أبا طالب أن يشنوا الحرب عليه وعلى ابن أخيه، فلننظر بماذا رد الرسول على هذا التهديد، أداهن المشركين؟ أقال هي مصلحة الدعوة في أن أسكت؟ لا، كل هذا لم يحدث، بل قال كلمته التي انطلقت من فمه كالبركان المتفجر، فإذا الجبال الشماء كثبان رمل، قال الرسول صلى الله وعليم وسلم: «يا عم. والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه»([4]).
نعم، فالنفس المؤمنة الكبيرة لا تقبل المساومة على المبدأ، إنها به تعيش، ومن أجله تموت، تلك هي نفس محمد- صلى الله عليه وسلم- فقال أبو طالب: يا ابن أخي، قل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا.
إذًا رسول الله- عليه السلام- لم يكن يطلب الحماية من أحد؛ لأن عقيدته تأبى ذلك، فيسر الله له أسباب الحماية في هذه المرحلة.
ما كان هدف محمد مالًا، ولا متاعًا، ولا ملكًا، ولكن تبليغ دعوة، وبناء دولة تحمل العدل والإنصاف للإنسان على أجنحة الإيمان، لقد أوضح محمد الطريق وأبان الهدف.
يتضح لنا مما سبق المعالم الآتية:
1- الجهر بالدعوة إلى الله كاملة غير ناقصة، بتوحيد الله في الألوهية والعبودية والحاكمية.
٢- لا يجوز الصبر على الشرك والكفر بما أنزل الله مهما كانت التضحيات حتى لو كانت نفس محمد.
3- الصبر والثبات على الحق يأتي بعد الجهر بالدعوة كاملة.
هذه المعالم الثلاثة قد يعارضها البعض، ويقولون يجب الصبر، وعدم إثارة العدو؛ لأن فيه فتنة، والمسلمون غير مستعدين، نقول لهؤلاء الإخوة: إن الرسول لم يفعل ذلك، وإنما صبر بعد أن أعلن كلمة الحق.
علماء الدنيا
ورد في نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة في علماء الدنيا ما يفيد أنهم أشد الخلق يوم القيامة عذابًا، وهذه الآثار عن سلفنا الصالح توضح بعض صفات علماء الدنيا المميزة لهم من علماء الآخرة، نسوقها للقراء الكرام.
كان يحيى بن معاذ الرازي- رحمه الله- يقول لعلماء الدنيا: «يا أصحاب العلم، قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية؟ قال الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟
وقال الآخر:
يا معشر القراء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟([4])
وقال الحسن: عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة([4]).
وقال سعيد: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص([4]).
وقال سفيان الثوري: يهتف العلم بالعمل فان أجابه والإ إرتحل
وقيل لإبراهيم بن عيينة: أي الناس أطول ندمًا؟ قال: أما في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما عند الموت فعالم مفرط([4]).
سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد
قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين([4]).
يوسف محمد صديق
أبها - كلية الشريعة