; ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. أسباب سقوط الخلافة.. (المقالة الثامنة) | مجلة المجتمع

العنوان ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. أسباب سقوط الخلافة.. (المقالة الثامنة)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1980

مشاهدات 99

نشر في العدد 469

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-فبراير-1980

 مات السلطان. محمد الفاتح فأعلن البابا يوم موته عيدًا للنصارى!

الدول الكبرى والماسونية واليهود والنصارى وأعوانهم ساهموا في سقوط الخلافة

أسباب سقوط الخلافة:

١- التخلي عن منهج الله:

لقد استبشر المسلمون خيرًا حينما تحرك الأتراك العثمانيون لإنقاذ العالم الإسلامي من ضعفه وتمزقه، ومكنهم الله- عز وجل- من إحراز الانتصارات الكبيرة في آسيا الصغرى حتى وصلوا إلى أسوار القسطنطينية، ثم تم لهم فتحها وإعلان كلمة الله من مآذنها، وأعادوا الطمأنينة إلى قلوب المسلمين، ورضي لهم المسلمون بالخلافة، حينما جعلوا كتاب الله عز وجل منهج حكمهم، وطلبوا طاعة المسلمين على ضوئه، فكانوا قوة حصينة دافعوا عن الإسلام وأهله، وظلوا هكذا حمى للإسلام أمام أعداء الله ترهبهم قوى الأرض قاطبة.

والمتتبع لتاريخ الخلافة الإسلامية يجد بوضوح أن بقاء الدولة قوية مهابة الجانب مرهون بتطبيق شرع الله عز وجل في هذه الأرض، لأن شرعية بقاء هذه الدولة إنما هو بتطبيقها هذا الشرع الذي به اكتسبت ولاء المسلمين وقيادهم.

ولقد مرت على الدولة الإسلامية عهود تنكب فيها الحكام والولاة جادة الصواب والهدى، وحل الظلم والجور والتفرق محل العدل والإنصاف والوحدة، وقد تعطل بعض الأحكام الشرعية لظروف يمر بها المجتمع المسلم أو لحيف في التطبيق، إلا أن هذا التعطيل ظل تعطيلًا جزئياً سرعان ما يلتأم ويعود إلى وضعه السليم، الأمر الذي جعل ولاء المسلمين القلبي لهؤلاء الحكام والخلفاء مستمرًا، رغم تلك المنعطفات الخاطئة، إلا أن تعطيل شرع الله عز وجل كلية بحيث يصل الأمر إلى الفصل بين الدين والدولة، ويصبح الخليفة خليفة روحيًا فقط للمسلمين، أما شؤون حياتهم فليس من شأنه وليست من اختصاصه بل تتولاه دول كافرة، فإن ذلك لم يحدث في تاريخ الخلافة الإسلامية إلا في أواخر خلافة آل عثمان.

وكان أول هذا الانحراف الخطر في عهد السلطان عبد المجيد الذي تبنى المنهج الغربي الأوربي تحت ستار التقدم والتطور، وأصدر فرماني التنظيمات عامي ١٨٥٤، ١٨٥٦م، ومن ذلك التاريخ أقصيت الشريعة الإسلامية واستبدل مكانها القوانين الفرنسية والإيطالية وغيرها، وظل أمر الخلافة وتعطيل الأحكام الشرعية يأخذ دوره وطريقه دون إعلان رسمي، وكانت الجمعيات السرية والحركات الهدامة والغزو الفكري الأوروبي تغزو دولة الخلافة من جميع جوانبها، حتى استطاعت وتجرأت على إعلان إقصاء الخلافة الإسلامية علنًا ورسميًا أمام العالم العربي والعالم أجمع سنة ١٩٢٤ على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك.

فکان إقصاء شرع الله ومنهجه السبب الرئيسي في سقوط الخلافة الإسلامية كلية، وما يذكر بعد ذلك من أسباب إنما هو بمثابة التنبع لهذا السبب، وكل سبب هو نوع من أنواع الضنك والغي وثمرة من ثمار الابتعاد عن منهج الله- عز وجل- كما قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩) (١) وقال عز من قائل ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه: ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦) (٢).

وقال تعالى ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٤٩، ٥٠) (٣).

۲- الصليبية واليهودية: لم تنس الصليبية أحقادها ضد المسلمين، فأوروبا التي انهزمت أمام صلاح الدين استيقظت فجأة على ضربات محمد الفاتح فاهتزت و رتاعت وقامت قيامة الغرب فتنادي لاستئناف الحروب الصليبية ثم ما أن ذاع نبأ موت السلطان الفاتح حتى اعتبرت أوروبا موته بمثابة السلامة من خطر كان محققًا، وبلغ سرورها لهذا الخبر حسب رواية لافالييه أن قداسة البابا أمر بأن يعتبر يوم وفاة السلطان يوم عيد، فتقام صلوات الشكر خلال ثلاثة أيام، من ذلك اليوم وأوروبا تستأسد يومًا بعد يوم، وتنتظر الفرصة المواتية لإنهاء دولة الإسلام.

والتقت أطماع وأحقاد النصارى بأطماع وأحقاد اليهود، وبدأ التعاون بين الصليبية واليهودية العالمية وكانت باريس وسالونيك مركزًا لهذا التعاون.

ففي باريس نشأت جمعية الاتحاد والترقي وكان لها فروع في برلين، وفي سلانيك ألف مجموعة من الشبان الأتراك فرعًا لجمعية «الاتحاد والترقي» وأخذوا يستميلون الوطنيين المخلصين الذين قدروا على اجتذابهم برغم شدة المراقبة، حتى أن بعض المستخدمين في الحكومة انضموا إلى هذه الجمعية، وكانوا يجتمعون في المحافل الماسونية، وكان معظم اجتهاد هذه الجمعية السرية متوجهًا إلى استجلاب الجيش حتى تصير في أيديهم القوة اللازمة لخلع السلطان، واستطاعت هذه الجمعية استجلاب عدد كبير من الضباط، ولما كانت عصابات البلغار واليونان تعمل بدون انقطاع في بلاد الرومللي، وكانت الدولة تسوق عليهم العساكر لأجل تطهير بلاد الرومللي منهم، وكانوا يعملون في جوار سلانيك، تسنى لرجال الاتحاد والترقي أن يتصلوا بضباط الجيش، وأن يقنعوهم بأن هذه العصائب البلغارية واليونانية إنما تشاغب وتعثوا في الأرض لأجل الحصول على إدارة حسنة يستريح في ظلها السكان، وهذه الإدارة غير ممكنة ما دام السلطان عبد الحميد على عرش السلطنة، فأما إذا أمكن خلعه، وجعل الحكم دستوريًا شوريًا كما هو في سائر الممالك المتمدنة، فإن جميع هذه المشاغبات تنتهي من نفسها، وتخلد جميع الأقوام إلى السكينة، وهكذا تنجو السلطنة العثمانية من خطر السقوط المحدق بها.

فشرب أكثر الضباط هذه المبادئ التي ليست بعجب أن تقبلها عقولهم، لأن المسيحيين من أروام وبلغار وسربيين كانوا يدعون أنهم لا يلجأون إلى الثورة إلا من سوء الإدارة، وأنه إذا اصطلحت الإدارة فهذه تكون غاية أمانيهم ويدخلون في الطاعة.

ويبين شكيب أرسلان بطلان هذا الادعاء فيقول: لم يكن هذا الادعاء صحيحًا بل حقيقة الحال أنه سواء اصطلحت الإدارة العثمانية أم لم تصطلح فالبلغار إنما يجتهدون في ضم البلاد المأهولة بالبلغار إلى مملكتهم، واليونان إنما يسعون في ضم البلاد التي أكثرها منهم إلى مملكتهم، ولن يرضوا بالبقاء تحت حكم الأتراك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكن شبان الأتراك منهم من آمن بأقوال العصائب اليونانية والبلغارية، ومنهم من لم يؤمن بها، لكنه كان يجد أن طريق النجاة لن يكون إلا بإعادة الدستور، وجعل الحكم في السلطنة للشورى كما هو في سائر البلاد.

ويذكر شكيب أرسلان أن الجمعيات الأرمنية في تركيا كانت تميل إلى إسقاط السلطان عبد الحميد، فمدت أيديها إلى الأتراك الذين هجروا أوطانهم إلى أوروبا، ومن هناك كانوا يصدرون الجرائد والنشرات التي تهاجم حكم السلطان عبد الحميد (٤).

وكان دور النصارى الأرمن وغيرهم بارزًا في تركيا، وكانوا يدعون أن السلطان عبد الحميد ينكل بهم ويضطهدهم، في حين كانت الأموال تغدق عليهم ليقوموا بمؤامراتهم ودسائسهم حتى أن السلطان عبد الحميد كتب مذكراته فقال: إن الحملات الصليبية الموجهة ضد الدولة العثمانية لم تتوقف قط، ولا يزال «غلادستون» العجوز يسير على خط البابا في هذا السبيل، وهل تستحق الدولة العثمانية هذه الحملات وقد أوت النصاري الهاربين من جحيم الصراع المذهبي في الغرب خلال القرون الوسطى، ألم تكن الدولة العثمانية هي الملجأ الوحيد لليهود الناجين من بطش محاكم التفتيش في إسبانيا؟ ألم تبذل جمعية الهلال الأحمر العثمانية كل جهد ممكن لإيجاد المأوى والملبس لمن طرد في وطنه في سبيل معتقده؟ ولكن من يعرف هذه الحقائق التاريخية أو يعترف بها؟ فماذا يقول «غلادستون» وهو رجل إنجلترا الأول عن المسالة الشرقية سوى التعريض بنا بأن بلادنا تحكم بالقوة والبطش بلا قوانين ولا أعراف، ألم يثبت كذب ما ادعوه من وقوع مذابح للبلغار والأرمن؟

ألم يتبين أن أمر التخريب الذي زعموه في المدن بعد طرد سكانها هو محض افتراء؟ وأن النصارى يعيشون مع المسلمين حياة طبيعية وجنبًا إلى جنب!

سيرى المراقب المحايد أن المسلمين هم أرحم قلبًا من نصارى بلاد الشرق، ها هم الإسبان وقد نشروا الرعب وفجروا حمامات الدم في كافة أنحاء إسبانيا، وها هم الفرنسيون وقد ارتكبوا الفظائع في الجزائر، وها هم الإنجليز وقد قضوا على ثورة الهند، وها هي بلجيكا في الكونغو، وروسيا وقد أعملت السيف في رقاب السيبيريين «المسلمين» أفلا يرون إلا العثمانيين وقد عيل صبرهم من جرائم الأرمن جزاء على الإحسان الذي لقوه من الأتراك في بلاد الأتراك، أفي الأمر عجب إذا قام المسلمون للدفاع عن أنفسهم؟

 لا تريد الدول الكبرى أن تفهم بأن الأرمن قوم عصاة حملوا السيوف والأسلحة للهجوم علينا، ولا تريد أن تعترف بأننا نحن أصحاب هذه الأرض وسادتها، بل تسعى في كل مرة إلى إزعاجنا يطلب الامتيازات وبالمزعجات الأخرى، حتى الحقوق التي اعترفت بها هذه الدول لإمارة موناكو -بلدة صغيرة في إيطاليا- لم تعترف بها للدولة العثمانية.

إن الحملات الصليبية على الدولة العثمانية ما زالت مستمرة تحت أسماء وعناوين شتی (٥).

ولقد كان السلطان عبد الحميد على درجة كبيرة من الحذر تجاه هذه الأقليات من النصارى وغيرهم، ومع أنه لم يكن يضطهدهم إلا أنه لم يكن يوليهم المناصب الحساسة في البلاد، فقد رفض جهود مدحت باشا- وهو الصدر الأعظم يومئذ- في سن بعض الأعمال لتعيين ولاة من الأقلية في ولايات الأغلبية فيها مسلمون، وقبول طلبة من الأروام في المدرسة الحربية التي هي عماد الجيش، واعتبر مثل هذه الأعمال كفيلة بتقويض الدولة من أساسها، ورفض توقيع مثل هذه القرارات (٦)

وهكذا اجتمعت مطامح مطامع اليهود والنصارى، والتي تمخضت- كما سبق- عن إسقاط الخلافة بيد يهود سلانيك وبمؤازرة من الدولة الأوروبية.

ويبين السلطان عبد الحميد هذه الصلة بين اليهود- ممثلين في المحافل الماسونية- وبين النصارى- ممثلين بالدول الاستعمارية- فيقول: كما استغل الإنجليز غفلة تركيا الفتاة، عن طريق المحافل الماسونية، بدأ الألمان يفعلون هذا مع الفريق الآخر منهم، وعن طريق المحافل الماسونية أيضًا، وبهذا الشكل سيطر الألمان على تشكيل تركيا الفتاة في سالونيك، وسيطر الإنجليز على تشكيل تركيا الفتاة في مناستر..

وكان الإنجليز يثيرون على اتحاديي مناستر، ويثير الألمان على اتحادي سالونيك. كانوا يعملون على قيام انقلاب للاستيلاء على الدولة من الداخل، ونجاح الإنجليز باستخدام اتحادي مناستر كان مصيبة بالنسبة لي، لأنهم كانوا سيزيلونني ويصلون إلى مرادهم، ولم أكن أخاف من اتحاديي الألمان، لأن نجاحهم كان سيزيد من خوف إنجلترا.

واتحاديو سلانيك الواقعون تحت تأثير المحافل الماسونية الألمانية تحركوا لإسقاط الخلافة، والإنجليز بدأوا يدبرون محادثات سرية، ثم أصبحت أرى أن الحرب الكبرى التي انتظرها وشيكة الوقوع، ولكن لم يكن أمامي إلا أن أترك الأحداث تسير حسبما تسير، ولم يكن أمامي غير منع إراقة دماء الإخوة... ثم أسقطني اتحاديو سلانيك عن العرش، وتوصلوا إلى اتفاقية مع إنجلترا ودخلوا الحرب كحليف مع دولة تسود البحار (۷)

۳- سوء الأحوال الداخلية والخارجية:

إن أحوال دولة الخلافة لم تكن مرضية في كثير من النواحي، فالانقسام في الأقطار الإسلامية كان على أشده، وانشغال الأستانة بأحوالها وتدبير شئونها أمام المؤامرات والدسائس شغل دولة الخلافة عن بقية الأقطار، فساءت الإدارة داخل الأستانة وخارجها وفي الولايات التابعة لها، فقد تفرد كثير من حكام الولايات بحكم مطلق، فلم تكن هناك رقابة أو متابعة، وظهرت إمارات الترف على طبقة الحكام، فساءت أحوال الرعية، فلا عناية بصحة أو تعليم، وكان المسلمون أسوأ حالًا من المسيحيين، لأن الجمعيات المسيحية خارج تركيا وداخلها كانت تعين النصارى بفتح المدارس ونشر العلم والثقافة بينهم.

وكان سوء الأحوال الداخلية مدعاة إلى استدانة الدولة، فكانت ديون الدولة في آخر أيام السلطان عبد الحميد ٢٥ مليون ليرة ، وبلغت بعد ١٢ سنة في عهد عبد العزيز ٢٥٠ مليون ليرة (٨).

وقد ساهم في هذا الضعف الداخلي تعدد الأجناس واختلافها وتعدد مطالبها، الأمر الذي أشعل فيما بينها فتنة القومية، فأثار ذلك نوازع كل عنصر نحو الاستقلال، وكانت البلقان وحدها تشمل البوسنة والهرسك وسربيا وألبانيا وبلغاريا ورومانيا، وكل منها لها مطالبها ومطامحها.

ولم تكن الدولة موازية أو مقاربة للدول الأوروبية من حيث الحركة العلمية والثقافية والتقدم العلمي في إنتاج الأسلحة الحديثة المتطورة، الأمر الذي جعل دولة الخلافة في منزلة دون أعدائها، مما جعل أطماع الدول الأوروبية تقوى مع مرور الأيام حتى استطاعت أن تملي ما تريد من شروط وضغوط فيما بعد.

ولم تكن أطماع هذه الدول بالأقطار الإسلامية التابعة لدولة الخلافة خافية على أحد، مما يجعل التفكير بإسقاط الخلافة أمرًا ضروريًا لقتل الروح المعنوية لدى بقية المسلمين في شتى الأقطار، فإذا قطع رأس الدولة الإسلامية سهل بعد ذلك تقطيع أوصالها.

فأوجد اجتماع كل هذه الأمور وغيرها لدى الناس قناعة بضعف دولة الخلافة، وأنها فعلًا الرجل المريض الذي لم يبق أمل في شفائه، وأنه في طريقه إلى الاحتضار فالموت، ولم تكن دولة الخلافة قادرة على رد كل هذه السهام رغم ما بذله السلطان عبد الحميد من حكمة وحسن تدبير، ولكن كبر الخرق على الراقع.

ولو كان سهمًا واحدًا لاتقيته

  ولكنه سهم وثان وثالث

الجواسيس:

ويعتبر البعض أن من أسباب سقوط الخلافة مسألة الجواسيس الذين كان يعتمد عليهم السلطان عبد الحميد فيقول شكيب أرسلان: إن السلطان عبد الحميد استكثر من الجواسيس وصار بأيديهم تقريبًا الحل والعقد.

ويعلق شكيب أرسلان على هذا بقوله: وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما هو شائع، بل كان يرمي أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقي الخوف في قلوب الرعية، وصارت في قلق دائم، وأصبحت الناس تبالغ في الروايات عن الجواسيس فساءت سمعة الحكومة، وسخط الرأي العام على هذه الحالة، وبرغم ما كان السلطان يصفح ويعفو ويجود ويمنح، كانت سمعته بعكس ما كان يفعل، وذلك بسبب كثرة الجواسيس وحصولهم على الحظوة عنده، فصار الناس يعللون جميع خطوب المملكة بسوء الإدارة وانتشار الجواسيس وفقد الحرية، ويعتبر شكيب أرسلان هذا التعليل صحيحًا إلى حد ما وليس على إطلاقه (۹)

والذي يدقق في أمر الخلافة في فترة السلطان عبد الحميد وما نشأ فيها من جمعيات علنية وسرية لإجهاض الخلافة والقضاء على السلطان عبد الحميد خصوصًا لما أعلن وقوفه بالمرصاد أمام كل هذه الجمعيات، فإنه سيعذر عبد الحميد من اتباع هذه السياسة، حتى أن عبد الحميد بين ذلك في مذكراته فقال: معلوم أن التجسس أمر معيب، وكذلك التقارير التجسسية التي نشرتها الصحف، لكننا لا نستطيع الاستغناء عنه، لا أظن أن في أي بقعة من بقاع الأرض دسائس ومؤامرات مثل التي تحاك في بلادنا، إلا أنني أعرف التمييز بين التقارير الصحيحة والتقارير الكاذبة.

لقد تعرضت للاغتيال مرتين، وإني مدين بنجاتي، من هاتين المحاولتين إلى يقظة بعض رجالي المخلصين، إن كثيرًا من الضباط والموظفين الكسالى هم سبب تعاستنا (۱۰).

ويقول عبد الحميد في مذكراته أيضًا: علينا أن نعترف قبل أي أمر بأن جهاز الجاسوسية عندنا على درجة كبيرة من السوء، بالرغم من أني أريد عمل كل شيء للاطلاع على ما يدور في الخفاء وما يحاك من مؤامرات (١١)

(۱) سورة مريم ٥٩

(٢) سورة طه ١٢٤

(۳) سورة المائدة ٤٩ ٥٠

(٤) سيرة ذاتية ٦٠ والطريق إلى حكم إسلامي ۱۲۸ بتصرف.

(٥) السلطان عبد الحميد الثاني مذكراته السياسية ١١٦ ط مؤسسة الرسالة- بيروت، وانظر في نفس المرجع فصل شكاوى الأرض ۲۷ وانظر كلام عبد الحميد في أسباب نشوء ثورة الأرض في يناير ۱۸۷۷، وإعلان العصيان وكيف قضى السلطان على هذه الثورة بالقوة وما هي ردود الفعل في الدول الصليبية ٤٣ من المرجع السابق.

(٦) انظر مذكرات السلطان عبد الحميد ٤٣ ترجمة الدكتور محمد حرب

(٧) مذكرات السلطان عبد الحميد ٦٩ بتصرف.

(۸) زعماء الإصلاح ٤٣ للأستاذ أحمد أمين.

(٩) ذاتية ٥٧.

(١٠) السلطان عبد الحميد الثاني مذكراته السياسية ۲۲۰ ط مؤسسة الرسالة- بيروت

(١١) نفس المصدر السابق ٨٠

أهل العطاء

بقلم ناصر جاسم الصانع

إن النفس التواقة إلى مراتب ذوي الهمم العالية، لتتطلع إلى أقرب مراتب الرضا عند الله سبحانه وتعالى، ويحدوها في ذلك عطاء الجيل الأول، عندما قدم ونال، فمنهم من بشر بالجنة قبل موته، ومنهم من أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فأعطاه تزكية تشفع له بعد إذن من الله تبارك وتعالى، ومنهم من مات فترك خلفه رجالًا قد بذل في تربيتهم ما بذل.

إن رؤية عائشة رضي الله عنها الرسول الله صلى الله عليه وسلم «غاديًا رائحًا لم يضع لبنة على لبنة «كناية عن الالتهاء بتعمير الدنيا» ولكن رفع له علم فشمر إليه، وأن قول ذلك الرجل الصالح عندما سئل عن الفراغ في غمرة الانشغال بـ «جمع الغبار» فقال: ذهب الفراغ فلا فراغ إلا في الآخرة، وإن شعور الداعية بإرهاق في ظهره عندما يستلقي في نهاية يومه المزدحم لا تعدو كونها قرائن تؤكد أن طريقه «طويل وشاق» كما أنها تؤكد له أنه سائر في الطريق.

إن أهل العطاء لا يهدأون حتى تبلغ بهم الدعوة الغاية.. أو يموتون بعد أن أخذت من جهدهم وفكرهم النهاية، لا يرضون باليسير، ويحبون الدأب، ولا يغمض لهم جفن حتى يرتبوا برنامج الغد بعد استيفاء ومراجعة ما تم تقديمه من حيث جودته... وصلاحيته للقبول والاندراج في سجل الصحف البيضاء يوم العرض.

وقد رأيت أناسًا في عصرنا هذا ممن يأكلون ما تهيأ ويجمعون ما تيسر «قانعين» ومنهم الرجال الذين لو أشاروا بإصبع واحدة لتيسرت لهم الدنيا، ولبسطت عليهم يختارون ما يشاءون.. ولكنها الجنة، هي التي تمنعهم من هذا وتجرهم للتسابق في مضمار الآخرة، إذ أن تلك الدنيا الحقيرة حذروا منها ألا يتنافسوها كما تنافسوها فتهلكهم كما أهلكتهم.

وإن أهل العطاء ليس بالضرورة أن يعرفوا، إذ أن رجلًا أخبر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قد استشهد في نهاوند فلان وفلان وفلان.. وآخرون لا يعرفهم أمير المؤمنين.. فبادره عمر وما ضرهم إلا يعرفهم عمر؟!

لأنهم فقهوا أن إخفاء العمل أفضل من إظهاره ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (سورة البقرة: ٢٧١) ولذلك فإنك قد لا تستطيع تمييزهم من دونهم «إلا من إشراقة وجوههم إن كنت صاحب فراسة» بل إنهم ليسوا بحاجة إلى تمييزنا إياهم، لأنهم لا يتطلعون إلا إلى معبودهم... لأنهم كلهم عبيد.

اللهم اجعلنا نحذوا حذوهم، وارزقنا الهمة حتى نجمع مثل أجرهم، ولا تحشرنا إلا في زمرتهم.

إنهم أهل العطاء فهل نرتقي إلى مراتبهم؟ والله أسأل.

الرابط المختصر :