; ترجمات ترجمات من الصحافة العالمية.. | مجلة المجتمع

العنوان ترجمات ترجمات من الصحافة العالمية..

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 49

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

موجات الصراع من البلطيق إلى طاجيكستان

إن الزلزال السياسي الذي شهدته روسيا مؤخرًا والمتمثل في الصراع على السُّلطة بين الرئيس يلتسين وألد خصومه بزعامة رئيس البرلمان رسلان حسبلاتوف ونائب الرئيس ألكسندر روتسنكوي كان له صدى كبير، هزّ المنطقة الممتدة ما بين بلاد البلطيق إلى طاجيكستان المنهكة بسبب الحرب الدائرة هناك.

وقد اندفع زعماء تلك البلاد إلى تأييد الرئيس يلتسين فور وقوع الأزمة في روسيا، وذلك لأسباب معروفة؛ وهي أن الرئيس الروسي كان من أشد المدافعين عن استقلال تلك الدول، وإن هزيمته قد تعني نهاية لاستقلالهم لما تنطوي عليه تلك الهزيمة من عودة الشيوعية وعودة تلك الدول تحت قبضتها. وقد هدد المحافظون في روسيا بمن فيهم نائب الرئيس ألكسندر روتسنكوي بقمع الجمهوريات السوفياتية سابقًا إذا تعرضت الأقليات الروسية فيها لأي خطر والبالغ عددهم 25 مليون روسي منتشرين في تلك الجمهوريات.

وقد ذهبت القوى السياسية المتطرفة في روسيا إلى الدعوة إلى غزو الجمهوريات المفقودة ثانية لضمها إلى «الوطن الأم».

إن آخر ما تريده هذه الجمهوريات الوليدة هو نشوب أي اضطرابات في موسكو؛ حيث تشهد هذه الجمهوريات اضطرابات عرقية مزمنة ومشاكل اقتصادية وأزمات سياسية، وفي بعض الحالات حروبًا أهلية. وإن هذه الجمهوريات مازالت تائهة وتواجه صعوبة في ترجمة الاستقلال إلى العمل والحيوية اللذين تحتاجهما أي دولة وليدة. إن أكبر بؤر التوتر تتمثل في البلدان الآتية:


أوكرانيا

إن مشاكل روسيا بالمقارنة مع مشاكل أوكرانيا تبدو محدودة نوعًا ما؛ ذلك أن اقتصاد أوكرانيا في حالة أسوأ من الاقتصاد الروسي، كما لم يتم إلا إجراء إصلاحات بسيطة في الاقتصاد الأوكراني، فضلًا عن أن العملة الأوكرانية أقل قيمة من الروبل الروسي. وإذا خرج الإصلاحيون ممثلين بالرئيس يلتسين منتصرين من معركة البرلمان فإن المنتصر في الأزمة السياسية في كييف يتمثل في المناوئين للإصلاحات؛ حيث خسر رئيس الوزراء ليونارد كوشما الذي كان يدعو إلى إجراء إصلاحات قبل أن يكون مُرغمًا على الاستقالة.

إن معظم مشاكل أوكرانيا ترجع إلى رفض معظم الشعب مواجهة واقع الاستقلال المُر؛ ذلك أن الرفاهية النسبية التي تعود عليها الأوكرانيون في ظل الحكم السوفيتي كانت تعتمد على موارد الطاقة الرخيصة التي كان يوفرها السوفييت. واليوم، فبعد أن ارتفعت الأسعار إلى مستوى السوق بدأ الحكام في أوكرانيا يبدون مخاوفهم من أن يتسبب ارتفاع الأسعار في انقطاع الكهرباء والماء، مما قد يثير حفيظة المواطنين.

ومن العوامل التي تهدد الاستقرار السياسي في أوكرانيا تنامي الانشقاقات بين القوميين والاتحاديين الداعين إلى الاتحاد ثانية مع روسيا. وقد شهدت مدينة كييف في الأيام القليلة الماضية مواجهة بين فرقة عسكرية قوامها 6000 جندي و10,000 متظاهرٍ من القوميين الذين صبوا جام غضبهم على الخطة التي وضعها الرئيس ليونيد كرافشوك لتحقيق الاتحاد الاقتصادي مع روسيا. وقد وافق البرلمان الأوكراني على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة في مطلع العام القادم.

إن العلاقات بين أوكرانيا وروسيا ما زالت صعبة ومتعثرة، وقد قامت روسيا مؤخرًا بإلغاء الاتفاق المُبرم بين البلدين، والذي يلزم كييف نقل ما تبقى لها من أسلحة نووية إلى روسيا، كما أن البلدين لم يحلوا بعد خلافاتهما القائمة حول ملكية إقليم القرم الذي قد أعطته روسيا لأوكرانيا في عام 1954 وما انفك القوميون في روسيا يطالبون به.


جورجيا

هناك إقليمان في جورجيا يتقاتلان من أجل نيل الاستقلال عنها وهما أبخازيا وأوسيتيا، وإذا ما نجح هذان الإقليمان فإن بقاء تبليسي على قيد الحياة كدولة مستقلة سيكون أمرًا في منتهى الصعوبة.

وفي الوقت الراهن تم إخماد نيران القتال في إقليم أوسيتيا عن طريق إحلال قوات حفظ سلام روسية هناك، ولكن أبخازيا تشهد حاليًا عمليات قتالية متجددة. وعلى الرغم من استنكار موسكو للهجوم الذي قامت به القوات الأبخازية على مدينة سوخومي المُطلة على البحر الأسود، فإن المسؤولين الأمريكيين يرون أن المرتزقة الروسيين يحاربون في صفوف الثوار. وإن كثيرًا من الضباط العسكريين في روسيا يحتقرون الرئيس الجورجي إدوارد شيفار نادزة، ويلقون عليه باللائمة على انهيار الإمبراطورية السوفيتية.

وعلى الرغم من أن جورجيا غارقة في نزاعات عرقية مزمنة، فإن على الحكومة في تبيليسي أن تشرع فورًا في إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية إذا أرادت إنقاذ البلاد. ومن البديهي أيضًا أن ضعف الحكومة المدنية قد ساهم إلى حد كبير في سيادة الفوضى بشكل مستمر.


أذربيجان وأرمينيا

إن الحرب التي دارت رحاها أكثر من خمس سنوات في النزاع حول إقليم ناغورني كاراباخ الذي يقع داخل أذربيجان، ولكن معظم سكانها من الأرمن قد حسمت لصالح أرمينيا، وقد يترتب على ذلك نشوب نزاعات خطيرة في المنطقة. فقد استولت القوات الأرمينية على خمس الأراضي الأذرية تقريبًا، مما أثار حفيظة كل من تركيا وإيران المجاورتين لها، واللتين وقفتا على الحياد على الرغم من الضغوطات الشعبية من أجل التدخل لمواجهة الأرمن.

ويقول الأذريون أن روسيا تزود بالسلاح والمرتزقة الجانب الأرمني، في حين يؤكد الأرمن أن تركيا تقوم بتدريب أفراد الجيش الأذري. ولكن الخطورة تكمن في مسألة أن أي تقدم آخر من جانب الأرمن قد يسحب الأتراك والإيرانيين إلى القتال، وأن ذلك سيكون سببًا لتدخل روسيا التي هي الحليفة التقليدية لأرمينيا مما يولد نزاعًا أوسع وأكثر إراقة للدماء.


دول البلطيق

إذا كانت القوات الروسية قد غادرت ليتوانيا، فإن الآلاف المؤلفة من هذه القوات ما زالت مرابطة حاليًا في لاتفيا وإستونيا المجاورتين لها. وقد حققت دول البلطيق إنجازات اقتصادية على نحو أسرع مما أنجزته باقي الأقاليم التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقًا، ولو أن التراث السوفياتي مازال حيًا فيها؛ حيث ينتشر في هذه البلدان حوالي 1.7 مليون نسمة من الأقليات الروسية. إن 80% من الشعب الليتواني تتألف من الأقلية الليتوانية؛ ولذلك لم تكن هناك صعوبة في استيعاب الأقلية الروسية هناك، وإعطاء معظمهم الجنسية الليتوانية. لكن العلاقات بين روسيا وكل من إستونيا ولاتفيا قد تدهورت بسبب القوانين الجديدة التي أصدرتها السُّلطات في البلدين، والتي تحرم الأقليات الروسية من الحصول التلقائي على الجنسية.

وقد أوقفت موسكو عملية سحب قواتها من لاتفيا وإستونيا نتيجة التمييز العنصري ضد الأقليات الروسية في هذين البلدين، كما تأثرت العلاقات الاقتصادية بين موسكو وكل من لاتفيا وإستونيا اللتين تستوردان معظم ما تحصلان عليه من الوقود وباقي المواد الخام الرئيسية من موسكو التي قامت في شهر يونيو الماضي بقطع إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى إستونيا كاحتجاج على قوانين الإقامة المجحفة بحق الأقليات الروسية هناك، ونظرًا لعمق المشاعر المتبادلة بين كافة الأطراف وحجم المواد الخام والبضائع المصدرة من روسيا إلى منطقة البلطيق؛ فإنه لا مناص من أن تشهد منطقة البلطيق نشوب نزاعات جديدة، وأن الأمر مسألة وقت ليس إلا.


طاجيكستان

لقد اندلعت الحرب الأهلية في طاجيكستان منذ أكثر من 16 شهرًا؛ حيث جمعت بين الأقليات العرقية المتصارعة والسياسيين الشيوعيين القدامى والأصوليين الإسلاميين، إلى جانب الجالية الطاجيكية المقيمة في أفغانستان، وكل هذه الفصائل قد شكلت تحالفات من أجل الوصول إلى السلطة، وقد سببت عمليات القتال إزهاق أكثر من 2000 من الأرواح وتشريد 500,000 شخص.

وتقوم القوات الروسية المرابطة في طاجيكستان بدعم النظام الشيوعي الجديد هناك في حرب ضد من أسموهم بالثوار الأصوليين الإسلاميين.. ويعتبر هؤلاء الثوار أنفسهم ديمقراطيين ويدافعون عن الحرية الدينية، ومع ارتفاع عدد الضحايا؛ فإن المخاوف تتزايد في روسيا من مغبة تحول طاجيكستان إلى أفغانستان جديدة بالنسبة للرئيس يلتسين. ولكن الخيارات الروسية محدودة؛ ذلك أن موسكو قلقة جدًّا إزاء المد الإسلامي داخل الاتحاد السوفياتي سابقًا. وإن انسحاب القوات الروسية سيعرض للخطر أمن أكثر من 200,000 نسمة من الأقليات الروسية في هذه المنطقة.

 

الرابط المختصر :