العنوان الصين.. سينكيانج الإقليم الثائر
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1280
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
عن مجلة LE Point الفرنسية.
النظام الصيني يعتمد على التعليم كوسيلة لدمج التركستان في المجتمع الصيني على المدى البعيد، فهل يكتب له النجاح؟
يبدو أن العالم الإسلامي لم يدرك بعد حجم مأساة إخوانهم المسلمين في إقليم )تركستان الشرقية) أو سينكيانج الواقع في غرب جمهورية الصيني الشعبية، وبالرغم من أن هذا الإقليم المسلم يزخر بالخيرات الطبيعية وأهمها النفط والغاز والذهب، فإن سكانه المسلمين يرزحون تحت وطأة المعيشة الضنكة وفي دجى الجهل ومرارة الإهمال من قبل السلطات في بكين.
وتتلخص مأساة مسلمي سينكيانج في كونهم يقطنون هذا الإقليم الشاسع الذي يمثل سدس مساحة الصين حاليًا، وقد قامت الإمبراطورية الصينية بضمه إلى الصين قبل قرن - في عام ١٨٨٤م على وجه التحديد، وقد ظلت الأراضي الجديدة، كما يطلق الصينيون عليه - على خلاف مع السلطات في بكين حيث توجد السلطة المركزية في الصين سواء إبان العهد الإمبراطوري أو أثناء الحقبة الشيوعية ويبعد هذا الإقليم عن بكين بمسافة ۳۰۰۰ كيلو متر، يوجد بينهما فارق كبير في التوقيت ولكن يتم ضبط التوقيت في أورومشى (عاصمة سينكيانج) بالتوقيت المحلي في بكين، ولا يهم إذا كان الليل ممتدا في فصل الشتاء إلى الساعة العاشرة صباحًا، حيث إن المركزية تتحكم في كل شيء، وبالطريقة نفسها يتم تعيين أفراد قبيلة الهان» في معظم المناصب الإدارية القيادية وعلى رأس الشركات من قبل السلطات المركزية في بكين، أما بقية «الأقليات العرقية التي تشكل ثلثي سكان الإقليم ممثلة بالأوغور وهم مسلمون من أصل (تركي) والكزاخ (وهم أكثر عددًا) فلا يكون نصيبهم إلا الوظائف الهامشية التي لا علاقة لها بالدورة الاقتصادية.
وتعلق السلطات في بكين آمالًا عريضة على مستقبل إقليم سينكيانج بحكم موقعه الاستراتيجي وكونه مجانيًا لبلدان آسيا الوسطى التي يتشاطر معها حدودًا تمتد إلى أكثر من ٥٤٠٠ كلم وله حدود مع ثماني دول ولذلك فإن هذا الإقليم يضطلع بدور أساسي في استقرار المنطقة، ونظرًا لأنه يجود أيضا بالموارد الطبيعية فإن بكين تعول عليه كثيرًا، ويقدر البعض مخزونه من النفط بأنه يضاهي المخزون النفطي للمملكة العربية السعودية.
وتتجلى مأساة سكان إقليم سينكيانج من المسلمين في حرمانهم من التعليم، حيث إن فرص التعليم متوافرة فقط لأبناء قبيلة «الهان» الذين يسمح لهم بدخول المدارس والجامعات الصينية. وتعمل السلطات الصينية أيضًا على طمس الهوية الإسلامية والثقافات التقليدية لسكان الإقليم، بل لا يكاد يعثر المرء على أي كتاب مكتوب باللغة الكازاخية أو الأوغورية على رفوف المكتبات المحلية باستثناء بعض الروايات عن الحب أو القواميس أو الكتب الموسيقية وبعض المصاحف المحرفة. ويعتمد %٦٠ من الإنتاج الصناعي في إقليم سينكيانج على إنتاج النفط ومشتقاته ولا يسمح للأقليات الأخرى غير قبيلة الهان» بالعمل في هذا المجال، كما أن الإنتاج الزراعي ما برح أيضًا في قبضة شركة حكومية واحدة أسسها الجيش الصيني في الخمسينيات وتتبع حاليًا للحكومة المركزية (وهي بمثابة وزارة الزراعة ويمثل أفراد قبيلة الهان» ٨٠% من العاملين فيها، وأفراد هذه القبيلة يتعاملون بتعال مع المنتمين إلى الأقليات الأخرى حيث يرفضون الزواج معهم.
ويتسم مسلمو سينكيانج بالتسامح الديني ويشكل السنة %۹۰ منهم في حين بدأ المذهب الشيعي في الانتشار في أوساط المناطق القريبة إلى الحدود مع باكستان وأفغانستان خاصة في أوساط الطاجيك وفي مدينة كاشجار، ويشهد ربيع إقليم سينكيانج صحوة إسلامية كبيرة منذ ١٩٩٦م، حيث بدأ الشباب والفتيات إلى العودة إلى اللباس الإسلامي والتمسك بأصول العقيدة الإسلامية.
ويلاحظ تزايد الوجود الصيني في أوغور سواء في الأسواق أو الشوارع وخاصة التجار الصينيين الذين بدأوا يشتكون من عدم إقبال الأقليات على شراء بضائعهم، وقد واكب الصحوة الإسلامية تنامي الشعور بالإحباط لدى السكان المسلمين الذين ذاقوا مرارة الاضطهاد والحرمان طوال العقود الماضية، لكنهم ينعمون اليوم بحرية العبادة ولو تحت المراقبة ويحث خطباء المساجد في أورومشى على توطيد الاستقرار وتعزيز روح التفاهم بين سكان الإقليم، كما يوجد في أورومشى تيار إسلامي بدأ في البروز وقد اعترف حاكم الإقليم عبد الأحد عبد الرازق للمرة الأولى في شهر مايو المنصرم بقيام حزب إسلامي في سينكيانج في عام ۱۹۹٦م يعرف باسم حزب الله.
وإلى جانب التيار الإسلامي يشهد هذا الإقليم نزعة قومية قوية، ويرجع ذلك إلى سبب أساسي ألا وهو أنه بعد أن نالت أربع جمهوريات إسلامية كانت تابعة للاتحاد السوفييتي سابقًا استقلالها في عام ۱۹۹۰م) (وهي كازاخستان وقيرقيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان) إلى جانب افتتاح ۱۳ مكتبًا حدوديًا مع هذه البلدان المجاورة، عادت الاتصالات مع هذه البلدان بعد انقطاع دام ٣٥ سنة، نتيجة قطع العلاقات بين موسكو وبكين (والتي عادت في عام ١٩٩٢م) فضلًا عن استئناف الرحلات الجوية بينهما في عام ١٩٩٤م.
وقد ساهمت كل هذه التطورات في إحياء ذكريات جمهورية تركستان الشرقية المستقلة التي لم تعمر طويلًا والتي رأت النور في عام ١٩٤٢م بزعامة شخصية كازاخية لكنها اندثرت من الوجود بعد مرور أربع سنوات فقط على ولادتها ومن ثم تم ضم سينكيانج إلى الصين وكان المتظاهرون في بينيغ في مطلع شهر فبراير الماضي يرفعون شعارات داعية إلى الاستقلال عن الصين قبل أن يتعرضوا لقمع شديد من السلطات الصينية، وراح ضحيتها حوالي ۱۰۰ شخص و١٦٠ جريحًا، حسب المصادر المستقلة في حين أكد سكان الأوغور في المنفى في كازاخستان بأن عملية القمع هذه قد أسفرت عن اعتقال آلاف الأشخاص وإعدام المئات رميًا بالرصاص من دون محاكمة.
رهان غير مضمون على التعليم
وكما هو الحال في معظم المناطق التي كانت خاضعة للإمبراطورية الصينية، فإن السكان المحليين يشعرون بالضجر إزاء استعمار قبيلة الهان» وخاصة أن هناك هوة عرقية وثقافية بينهم وبين أفراد هذه القبيلة الصينية المستعمرة، لكن الوضع في سينكيانج يختلف عن الوضع في التبت حيث تقوم السلطات الصينية بقمع أي حركة احتجاجية قد تظهر من داخل المعابد البوذية وبشدة أيضًا، كما أنه يختلف عن الوضع داخل منغوليا حيث أصبحت الأقليات أقلية بالفعل من الناحية الديموجرافية وتم دمجهم أيضًا في النسيج الاقتصادي، أما في سينكيانج فإن التحكم في الوضع أكثر صعوبة.
وتنتاب السلطات الصينية مخاوف من انتقال العدوى الشيشانية إلى داخل الحدود الصينية ولذلك أخذت على محمل الجد الإنذارات التي انطلقت من سينكيانج في مطلع فصل الشتاء الماضي والتي ظهرت إرهاصاتها في مطلع السنة المنصرمة، وقد قامت اللجنة المركزية التابعة للحزب الشيوعي الصيني في أواخر عام ١٩٩٦م بإصدار تعميم إلى كافة وحدات العمل في سينكيانج حيث أمر كافة القياديين من قبيلة الهان بالعمل على توطيد الاستقرار الاجتماعي ومكافحة كافة الدعوات الانفصالية.
وإدراكًا منها بخطورة الهوة القائمة بين الهان والأقليات العرقية الأخرى في سينكيانج قامت السلطات في الإقليم بإصدار تعليمات تقضي بإلزام كافة أفراد قبيلة الهان العاملين في الوظائف الحكومية بـ «تعلم ٥٠٠ جملة من اللغة الأورغورية».
وقد راهن حاكم الإقليم وهو من أصل أغوري، على التعليم لتحقيق اندماج الأقليات على المدى البعيد في النظام الصيني، ولن تؤتي هذه الخطوة ثمارها قبل انقضاء جيل إذا كانت سيكتب لها النجاح، وفي الوقت الراهن، فإنه على ضوء المنحنى الخطير التي أخذته الرغبة الجامحة للسلطات في بكين في التنمية الاقتصادية واستمرار الاستعمار الهاني، الذي ما انفك يحدث تهميشًا لـ «الأقليات الأخرى» فإن الوضع الحالي لا يعمل إلا بتعزيز الأصولية الإسلامية والحلم في الاستقلال، ويخشى أن يبقى منطق العنف والقمع سيد الموقف خلال سنوات قادمة .
المراحل الهامة في تصاعد الحركة الاستقلالية
٢٥ - ٣٠ أبريل ١٩٩٦م: تم اعتقال ۱۷۰۰ شخص في سينكيانج ثم أدينوا بالقيام بنشاطات انفصالية. .
مايو ١٩٩٦م: عمليات اقتتال في الشوارع الحصيلة وفاة ۲۰ شخصًا في تورفان وكاراماي. واعتقال ٥٠٠ آخرين .
منتصف يوليو ٩٩٦م: اعتقال ۱۸ ألف شخص من سكان أوغور ومقتل ٤٥٠ جنديًا.
منتصف نوفمبر ١٩٩٦م: أكدت «الجبهة الثورية الوطنية الموحدة لتركستان الشرقية، وهي جبهة موجودة في المنفى في كازاخستان بأنه تم فصل ٤٨٠٠ موظف من سكان أوغور من وظائفهم بحجة مشاركتهم في نشاطات متعلقة بالاستقلال.
منتصف ديسمبر ١٩٩٦م أكدت الجبهة أن ۱۳۰ معتقلًا من الأوغوريين لقوا حتفهم داخل السجن بعد أن قاموا بمحاولة للهروب من السجن.
٢٠ يناير ۱۹۹۷م عاد إمام مسجد كاتشار ورئيس الرابطة الإسلامية إلى الظهور بعد لمدة ٦ شهور إثر تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة، وقد تم إعدام الجاني.
٥- ۱۱ فبراير ۱۹۹۷م: وقعت مواجهة في بينيغ : وفاة ١٠٠ شخص وإصابات عديدة.
۲۰ فبراير ۱۹۹۷م: وقوع انفجار لباص مفخخ في أورومشى: وفاة 7 أفراد وإصابة ٧٠ آخرين.
معلومات عن إقليم سينكيانج
يمثل سدس الأراضي الصينية. عدد السكان ١٦,٨ مليون نسمة (تمثل الأقليات %٦٢ وتوجد فيه ٤٧ أقلية عرقية). يمثل أفراد قبيلة الهان ۳۸٪ من إجمالي عدد السكان. له حدود مع ٨ بلدان ويعتمد ٦٠% من الاقتصاد على النفط وغزل النسيج وتشرف شركات الدولة الصينية على ۸۷% من الإنتاج الصناعي.