العنوان وكالة الاستخبارات الأمريكية على عتبة التجسس التجاري
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 53
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-مارس-1993
·
دعوة للسماح للشركات الأمريكية بالاستفادة من خدمات الـ «سي. آي.
أيه»
·
الولايات المتحدة تتجسس على الدول الصديقة والحليفة
عن مجلة التايم
الأمريكية
تشهد أوساط الاستخبارات الأمريكية
نقاشًا حادًا حول إمكانية مشاركة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في عمليات تجسسية موجهة ضد الشركات الأجنبية. وقد انقسمت الآراء
في هذا الشأن ما بين مؤيد ومعارض، ولو أن كل المؤشرات تدل على أن الوكالة المذكورة
مقبلة على حقبة جديدة تصرف فيها نشاطاتها إلى التجسس التجاري الذي حل محل التجسس
العسكري بعد نهاية الحرب الباردة.
ويذكر أنه عندما علم المسؤولون لدى
الشركة الدولية للعلوم التطبيقية في ولاية كاليفورنيا أن أحد موظفي الشركة القدامى
كان يسرق شفرات خاصة ببرامج الكومبيوتر، بادروا إلى رفع دعوى ضد هذا الرجل، ولكن
عندما اكتشفوا أن المعلومات السرية التي سرقها قد أعطاها لشبكة تجسسية تضم شركات
يابانية كبرى وهي «ميتسوبيشي» و«نيسان» و«توشيبا» كان السيف قد سبق العذل، إذ لم
يكن هناك مجال لاسترداد «المزايا التنافسية» التي فقدوها من جراء هذا التسريب. وقد
حكم على الرجل بالسجن لمدة 6 سنوات غير أنه لم يتم اتخاذ أي إجراءات بشأن هذه
الشركات اليابانية التي زعمت أنها لم تكن تعرف أن تلك المعلومات كانت مسروقة.
وهذا ما يحدث لمئات الشركات
الأمريكية التي تتعرض بشكل منتظم لعمليات التجسس من قبل إما شركات أجنبية أو أجهزة
استخبارات ترعى مصالح دول أجنبية. وعندما تتوجس أي شركة خيفة من كونها مستهدفة من
قبل الجواسيس فإنها تجد نفسها أمام خيارين: إما التعاقد مع متحرٍ خاص أو اللجوء
إلى السلطات القانونية، بيد أن هناك عددًا كبيرًا من النواب ورجال الأعمال يدعون
إلى السماح للشركات الأمريكية بالاستفادة من خدمات وكالة الاستخبارات المركزية.
حقبة جديدة
وبعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها
غدت الـ CIA
أكثر ميلًا لخوض مضمار التجسس التجاري لصالح الشركات الخاصة، وقد أكد ذلك رئيس
الوكالة الجديد السيد جيمس وولسي بمناسبة تعيينه قائلًا: «إن هذا التوجه هو السائد
حاليًا في سياسات التجسس»، وهو على وشك وضع خطة مثيرة للجدل لقيت معارضة واسعة لدى
المحافظين داخل الوكالة، وتدور حول السماح للوكالة بتقديم المعلومات السرية
للشركات الأمريكية، وإذا تمت الموافقة على هذه الخطة فإن الوكالة سوف تقوم بتسريب
الأسرار التجارية الخاصة بالشركات الأجنبية إلى الشركات الأمريكية، وكذلك الكشف عن
عملاء الشركات الأجنبية المتجسسين على الشركات الأمريكية، كما ستقوم بتعيين عملاء
لدى الشركات الأجنبية في الخارج لمعرفة مدى انتهاك تلك الشركات براءات الاختراع
الخاصة بالشركات الأمريكية.
إن عمليات سرقة الأسرار التجارية
تكلف خسائر فادحة للشركات الأمريكية، حيث تقدر قيمة ما تكبدته هذه الشركات من
خسائر في العام المنصرم بأكثر من مائة بليون دولار أمريكي، وإذا لم يتم إيجاد بلسم
لهذه الظاهرة فإن هذا النشاط قد يكلف الشركات خسارة 50% من إيراداتها بحلول عام
2033.
حلفاء الأمس
إن التجسس التجاري الذي يعافه الشعب
الأمريكي قد أصبح أمرًا عاديًا في كثير من البلدان الأخرى. فبالنسبة لوكالة
الاستخبارات السوفياتية سابقًا (KGB) فإنها لا تجد ما يضيرها في سرقة الأسرار الخاصة بالصناعات
الأمريكية، وقد دأبت الإدارة المجهولة (Department) في الـ«كي جي بي» على سرقة الأسرار الخاصة بالتقنيات الأمريكية.
ومع أن هذه الوحدة قد أغلقت فإن نشاطاتها مازالت ملموسة في ظل الحكومة الروسية،
وهناك أيضًا الصينيون الذين مازالوا يتجسسون بانتظام على الشركات الأمريكية، غير
أن أكثر قنوات التجسس على الشركات الأمريكية في الآونة الأخيرة لا تتمثل في وكالات
الدول المعادية إبان الحرب الباردة، وإنما تتمثل في الجواسيس الذين يعملون لحساب
الدول الحليفة بما فيها ألمانيا وكوريا الجنوبية وحتى كندا، ولكن أكثر هذه الجهات
كفاءة وتعنتًا هي «الموساد الإسرائيلي».
ففي السنة الماضية وجهت شركة أمريكية
تقع في ضواحي مدينة شيكاغو تهمة إلى القوات الجوية «الإسرائيلية» بمحاولة سرقة
برنامج سري خاص بصناعة كاميرا تجسس محملة على الطائرات التجسسية، وعندما فضح الأمر
وافقت السلطات «الإسرائيلية» على تسوية القضية عن طريق دفع تعويضات وصلت إلى 3
ملايين دولار أمريكي. ومن جانب آخر قامت أجهزة الاستخبارات الفرنسية باستخدام
جواسيس لدى فروع شركة الـIBM وشركات أمريكية أخرى في القارة الأوروبية. وقبل عشر سنوات أيضًا
قامت مكاتب الاستخبارات الفيدرالية الـFBI بإلقاء القبض على مسؤولين رفيعي المستوى لدى شركتي «هيتاشي»
و«ميتسوبيشي» كانوا على وشك شراء معلومات سرية عن أحدث منتجات الكومبيوتر لشركة IBM الأمريكية، وعندما رفضت الشركتان المثول أمام المحاكم الأمريكية
تم إدانة كل منهما بارتكاب جريمة السرقة.
ويبقى القول إنه مع احتدام التنافس
الشديد بين دول العالم فإنه من المتوقع أن تتصاعد حمى التجسس لدى الدول الحليفة،
كما ذكر الكاتب بيتر سكويزر في كتابه الأخير «الجواسيس الأصدقاء»، حيث إنه على
الرغم من النفي المتكرر من جانبها، قد دأبت الولايات المتحدة على التجسس في السابق
على حلفائها وأصدقائها من الدول الأخرى، وأن هناك شركات أمريكية مثل «موتورولا»
لديها وحدات متخصصة في التجسس التجاري، ومضى الكاتب قائلا: «إنه في ظل النظام
الدولي الجديد فإن حلفاء الأمس السياسيين هم اليوم ألد المنافسين التجاريين»، كما
تنبأ بحدوث تغييرات جذرية في قائمة أولويات أجهزة الاستخبارات، ذلك أن الأسرار
التجارية أصبحت أهم بكثير من الأسرار العسكرية وأن جمع الكم الهائل من الأدوات التقنية
أهم بكثير من حشد العدد الهائل من الدبابات الحربية.
المهمة الجديدة
إن الكثيرين من جهابذة التجسس بدءًا
بـريتشارد هيلمز إلى ويليام كاسي يفضلون عدم مشاركة الـ«CIA» في عمليات التجسس التجاري، ومع أنه لا يجوز للوكالة إعطاء أي
معلومات بشكل مباشر للشركات الأهلية، فإنها غالبا ما تتلقى مكافآت عن طريق قنوات
سرية عندما تقوم بإحباط خطة من أطراف خارجية بشأن سرقة أسرار تجارية خاصة بإحدى
الشركات الأمريكية، ولو شاركت وكالة الاستخبارات في عمليات التجسس التجاري على
الدول الأخرى لكان ذلك في صالح الشركات الأمريكية، ولكن سياستها تفرض عليها
الاحتفاظ بهذه الأسرار.
وقد تلكأ عدد كبير من المسؤولين لدى
الـ«CIA» وراء المبررات القانونية والتشريعية
للإحجام عن مشاركة الوكالة في مثل تلك العمليات، كما طرحوا تساؤلات مثل: «هل
ستكتفي الوكالة بالمشاركة في نشاطات التجسس المضاد أم لا؟ وهل ستشارك في العمليات
الهجومية؟ وماذا ستكون حصة كل شركة أمريكية من تلك المعلومات التجارية؟ وهل يستفيد
منها بعض الشركات أو كلها؟ ومن هم الأشخاص الذين لديهم الاستعداد الكامل للعمل
كجواسيس لصالح الشركات الأمريكية؟». ويذكر هنا ما قاله أحد العملاء لرئيس الـCIA السابق روبرت غيتس: «أنا مستعد لفداء نفسي من أجل وطني ولكن ليس
من أجل شركة».
مرتزقة
ويدور حاليًا نقاش حول مدى إمكانية
التعاقد مع عملاء وضباط قدامى للعمل كمرتزقة لصالح الشركات الأمريكية، وإن
الكثيرين ممن يؤيدون هذه الفكرة يرغبون في قيام وكالة الاستخبارات بالدفاع عن
الشركات الأمريكية من الجواسيس الأجانب.
ويقول رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس
الشيوخ السيد دينيس ديكوسيني إنه يميل إلى إعطاء الأسرار التجارية للشركات
الأمريكية، بيد أنه لا يؤيد شن حملة جمع معلومات ضد شركات مثل شركة «إيرباص» أو
«تويوتا»، بينما يؤيد الرئيس الأسبق للـ«CIA» السيد ستر سفيدل تورنر فكرة مشاركة الوكالة في كل من العمليات
الهجومية والدفاعية.
ولكن حتى في حالة دخول الوكالة مضمار
التجسس التجاري فإنه من غير المتوقع أن يكون هناك إقبال كبير على طلب خدماتها من
جانب الشركات الأمريكية، ذلك أن سجل الـ«CIA» لا يخلو من عدم الدقة والكفاءة، وإن كثيرًا من رؤساء الشركات
الأمريكية يخافون من أن مجرد الشك بمشاركة الوكالة في أعمالها من شأنه أن يتسبب في
عزوف زبائنها ومورديها في الخارج عنها، كما تخاف من أن تتحول في النهاية إلى ضحايا
لتجسس الوكالة نفسها.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل