العنوان المرتزقة.. شركات خاصة... بدعم رسـمي.... للمهمات القذرة!
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 78
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 22
الجمعة 21-مايو-2004
ظاهرة شركات المرتزقة موجودة منذ الحرب العالمية الثانية وقامت بجرائم وحشية في بلدان عديدة مثل الكونجو عام١٩٩٥م وسيراليون عام ١٩٩٥م وأنجولا وكوسوفا في عهد كلينتون.
ازداد اعتماد الحكومات الأمريكية على المرتزقة بعد انهيار المعسكر الشرقي... وتخفيض عدد الجيش النظامي ثم بلغ الاعتماد عليهم ذروته عقب وصول بوش الابن إلى السلطة.
عدد القوات النظامية الأمريكية في العراق ١٣٥ ألف جندي منهم ٤٠ ألفا يسعون للحصول على الجنسية الأمريكية و٢٥ ألفًا تابعين لمنظمات المرتزقة.
شركة سإيسيآي للمرتزقة الوارد ذكرها في التقرير العسكري الرسمي عن واقعة سجن أبو غريب تعمل بميزانية سنوية ٨٥٠ مليون دولار ويعمل في مكاتبها ٧٦٠٠ شخص.
تردد المسؤولون السياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية طويلًا قبل إعلان الإدانة الرسمية على أعلى المستويات لما انكشف أمره في معتقل أبو غريب في العراق وكان معروفًا لهم منذ شهور، فانتظروا حتى أصبح معروفا أيضًا أنه لا يمثل حالة استثنائية، بل مثالًا على الممارسات الجارية في أفغانستان والعراق وجوانتانامو، كما ظهر من سيل المعلومات والصور والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام ومن جانب منظمات حقوق الإنسان.
وقد كان كثيرًا من ذلك وأشباهه يُنشر على نطاق واسع في الشبكة العالمية عن طريق جهات ذات صلة بالمقاومة العراقية على الأرجح، ولكن بقي ما تنشره مهملًا لا يؤبه به، بل ويلاحق بعض من ينشرونه بإغلاق مواقعهم الشبكية على الأقل.
الإدانة والممارسات والتمويه خلال ما جرى الأيام الأولى بعد نشر تلك الصور حول بعض ما جرى في معتقل أبو غريب، حاول المسؤولون الأمريكيون مباشرة عبر التصريحات الرسمية أو من خلال الإيحاء إلى وسائل الإعلام أن ينشروا الانطباع بأن المسؤولية تقع على «منظمات أمنية خاصة» ارتكب بعض العاملين عن طريقها تجاوزات غير قانونية، بعيدة عما يمارسه أو يقبل به جنود الاحتلال ورؤساؤهم العسكريون والسياسيون.
وكلمة «منظمات أمنية خاصة» قناع يستخدم سياسيًا وإعلاميًا لتجنب كلمة مرتزقة... وصحيح أن هذه المنظمات انتشرت أولًا في البلدان الأوروبية «انظر: عبد الباقي خليفة المجتمع رقم ١٥٩٩ صفحة ۲۰»، إلا أن الأمريكية منها احتلت في هذه الأثناء مكانة الصدارة عالميًا نتيجة دعم كبير من جانب الحكومات الأمريكية المتعاقبة «مجلة دير شبيجل الألمانية العدد الصادر يوم 3/5/2004», فكانت تحصل أكثر من سواها على الطلبات الرسمية للقيام بمهام توصف بالأمنية وليست تلك المنظمات في واقع الحال، سوى شركات تجمع المرتزقة من صفوف من اشتغلوا سابقًا في القوات المسلحة النظامية، وفي صفوف أجهزة المخابرات، وأصبحت تتولى نوعين من المهام؛ يوصف النوع الأول بالمهام الاعتيادية التي لا يقبل بها آخرون لخطورتها أو لأنها منكرة مرفوضة سياسيًا، مثل الحراسة الشخصية لرؤساء دول مشكوك في أوضاعهم، كالرئيس الأفغاني في ظل الاحتلال الأمريكي حامد قرضاي, أما النوع الثاني فهو ما يوصف بالمهام القذرة، والمقصود بها غالبًا أعمال تنتهك القوانين والقيم الإنسانية، وترتبط بقطاع التجسس، وتشمل التحقيق مع المعتقلين، أو إخماد تمرد أو إشعال تمرد في بلد من البلدان.
في العراق يبلغ عدد القوات النظامية الأمريكية ١٣٥ ألف جندي -بغض النظر عن قرار زيادتهم مؤخرًا - منهم ٤٠ ألفًا لا يحملون الجنسية الأمريكية، وهم من الراغبين فيها، فانخراطهم في القتال أشبه بشرط ابتزازي لقبول طلباتهم، ثم يوجد علاوة على ذلك حوالي ٢٥ ألف شخص تابعين لمنظمات المرتزقة تلك، أي ما يناهز عدد أفراد سائر القوات التابعة للدول الأخرى المتحالفة في العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويمكن تقدير «نوعية» المهام المطلوبة من هؤلاء في العراق، إذا علمنا أن الفرد الواحد يحصل يوميًا على حوالي ١٥٠٠ دولار، أي أضعاف ما يحصل عليه الجندي النظامي من مرتب مرتفع وعلاوة عمل في ميدان القتال.
ويمكن أيضًا تقدير «الطاقة» التي تعتمد عليها شركات المرتزقة، إذا علمنا أن إحداها، وهي شركة «سيإيسياي» من آرلنجتون الوارد ذكرها في التقرير العسكري الرسمي عن واقعة معتقل أبو غريب تعمل بميزانية سنوية تناهز ٨٥٠ مليون دولار, ويعمل في مكاتبها حوالي 7600 شخص.
مسؤولية بوش وحكومته
وقد بدأت ظاهرة شركات المرتزقة بالانتشار منذ الحرب العالمية الثانية، وكان لها أدوار عسكرية وحشية في بلدان عديدة, مثل الكونجو عام ١٩٦٥م، وسيراليون عام م، وأنجولا وكوسوفا في عهد كلينتون. وأفغانستان والعراق في عهد بوش الابن.
المهم فيمن تجنّدهم الشركات للمهام القذرة، أنهم لا يخضعون في تنفيذها للأنظمة الرسمية للقوات العسكرية، بغض النظر عن أن هذه القوات تتجاوز هي نفسها ما تقول به النصوص النظرية للأنظمة والتعليمات الرسمية. ويشير إلى تلك «الحرية الخاصة» بالمرتزقة وإلى حقيقة المسؤولية عنها ما يقول به مثلًا أحد إعلانات شركة «سيإيسياي» المشار إليها، في إطار البحث عن مرتزقة عبر الشبكة العالمية، وفيه نص يقول: «القيام بمهام التحقيق مع معتقلين تحت إشراف غير صارم»، والمقصود بكلمة غير صارم أن المشرفين لا يحاسبون المرتزقة، متعامين عما يصنعون والمشرفون.. هم المسؤولون العسكريون من جيش الاحتلال، ويعطي معتقل أبو غريب مثالًا على ما يعنيه ذلك على أرض الواقع، علمًا بأن المشاركين فيما انكشف من جرائم ليسوا من المرتزقة فقط، بل من الجنود النظاميين أيضًا.
وقد ازداد اعتماد الحكومات الأمريكية على المرتزقة ازديادًا كبيرًا بعد انهيار المعسكر الشرقي، وتخفيض عدد القوات النظامية إلى مليون وأربعمائة ألف فرد ثم بلغ الاعتماد عليها ذروته عقب وصول حكومة بوش الابن إلى السلطة وخوضها حروبها العالمية، وتبني وزارة الدفاع الأمريكية صيغة تقول حسب تعبير رونالد رامسفيلد نفسه «إن كل ما يمكن القيام به عبر القطاع الخاص، يجب تحويله إلى القطاع الخاص».
وعندما تعلن حكومة بوش تحت ضغوط الرأي العام، ومعركة انتخابات الرئاسة وثقل فضيحة معتقل أبو غريب أنها تنوي إلغاء بعض الممارسات المختلف عليها في إطار التحقيق مع المعتقلين مثل المنع من النوم زمنًا طويلًا، فلا يعني ذلك أقل من الإقرار بتلك الممارسات بصورة رسمية ومنتظمة عن طريق المخابرات والمرتزقة والأجهزة الأمنية وسواها طوال وجود تلك الحكومة في السلطة على الأقل.
وعندما تصر حكومة بوش الابن على مخالفة القوانين الدولية الخاصة بالسلام والخاصة بالحرب المعروفة بالقانون الدولي العام والمعروفة بالقانون الدولي الإنساني وتمتنع عن تمكين جهات ومنظمات دولية من التعرف المباشر على أوضاع النسبة الأعظم من المعتقلين بحجة أنهم ليسوا أسرى حرب فلا يعني ذلك أقل من أنها تريد إخفاء ما لا ينبغي أن يصل إلى الرأي العام كي لا يسبب ثورة عارمة عليها، وقد تبين في هذه الأثناء ما يمكن أن يصنعه الكشف عن حالة صارخة واحدة من مستوى معتقل أبو غريب.
ويضاف إلى ذلك أن الحملة الكبرى التي أطلقتها واشنطن للبقاء خارج نطاق المحاسبة عن طريق المحكمة الجنائية الجديدة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يمثل بالنسبة إلى المرتزقة وشركاتهم، ضمانًا رسميًا، على أعلى المستويات أنهم لن يتعرضوا للمحاسبة على ما يرتكبونه من جرائم.
إن المسؤولية المباشرة عن ارتكاب الجريمة لا تسقط عن أي فرد ارتكبها، فلا يمكن أن تسقط الجرائم المرتكبة في العراق وسواه عن المرتزقة أنفسهم والشركات التي تحركهم ولا عن الجنود النظاميين المشاركين فيها, ولا ينفي ذلك مسؤولية الحكومة الأمريكية بصورة مباشرة عما صنع المرتزقة ويصنعونه، في كل مكان والآن في العراق، وما سجلوه في الماضي ويسجلونه الآن، كوصمة عار لا تمحى في تاريخ الولايات المتحدة.
إن الحكومة الأمريكية هي التي مكنت لتلك الشركات من الظهور والانتشار والتي أوجدت لمرتزقتها أرضية «التحرك خارج نطاق القانون» ليعيثوا فسادهم في الأرض، وهي التي تعتمد عليهم غير جاهلة بطبيعة تكوينهم وطبيعة ممارساتهم، وهي التي تأبى التخلي عنهم, فهي أول من تجب محاسبته على جرائم المرتزقة, بالإضافة إلى جريمة الاحتلال نفسها, وما تسببه من تقتيل وتدمير في العراق وسواء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل