العنوان تركيا بين التحالف مع أمريكا.. ومعارضة ضرب العراق
الكاتب طه عودة
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1484
نشر في الصفحة 24
السبت 12-يناير-2002
الخطوة التالية: العراق كما تروج الصحافة الأمريكية.. أم باكستان الواقعة بين فكي الكماشة؟
بدأت الأصوات المعارضة من جانب أكثر الأسماء ثقلًا في تركيا ترتفع ضد حملة أمريكية محتملة على العراق؛ وذلك قبل أسبوع من الزيارة المتوقعة لرئيس الوزراء بولنت أجاويد لواشنطن، ولأول مرة توحد الأحزاب العلمانية والإسلامية موقفها ضد ضرب العراق، فقد جدد رجائي قوطان زعيم حزب السعادة الإسلامي المعارض انتقاده للعملية العسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة في أفغانستان بعد أحداث سبتمبر الماضي، واصفًا إياها بأنها شكلت انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي فضلًا عن كونها تسببت في مقتل آلاف الأبرياء. أما حزب العدالة والتنمية فقد دعا يشار ياكيش نائب رئيس مجموعته البرلمانية رئيس الوزراء لإجراء مناقشة موسعة في البرلمان أو على الأقل لقاءات مع قادة الأحزاب قبيل مغادرته إلى واشنطن، حتى يحصل على تأييد قوي من القوى السياسية المختلفة تساعد في تأكيد موقف أنقرة المعارض لعملية عسكرية أمريكية محتملة ضد العراق.
هل ما يحدث في الساحة السياسية التركية أمر عارض أم أنه مقصود بهدف تقوية شوكة أجاويد، الذي كان ينظر ببرود دومًا إلى الموقف الأمريكي تجاه العراق؟
كانت المفاجأة في تصريحات الجنرال حسين كوريك أوغلو رئيس هيئة الأركان الذي تصدر لائحة المعارضين لحملة أمريكية متوقعة ضد العراق بقوله: إن ۱۰۰ ألف جندي أمريكي لن تكفي لعملية برية أمريكية، مستشهدًا في ذلك بحرب تحرير الكويت التي استخدمت فيها أمريكا وحدها ٥٠٠ ألف جندي.
وطبقًا لرئيس هيئة الأركان:
1 - الولايات المتحدة بحاجة إلى استحضار مئات الآلاف من جنودها إلى المنطقة، إذا كانت راغبة في إسقاط نظام صدام حسين، وإلا فإن أي حركة عسكرية تقوم بها -دون ذلك- محكوم عليها بالفشل المسبق.
2 - إذا نجحت الحملة الأمريكية العسكرية في تحقيق هدفها في العراق فإنه سينقسم، مما سيفتح المجال لتشكيل دولة كردية مستقلة في شمال العراق، وهو الأمر الذي ترفضه تركيا تمامًا.
أكبر عناصر المفاجأة في هذه التصريحات هو الاهتمام الذي أظهره كوريك أوغلو بمشاعر الدول العربية والإسلامية؛ حين قال إن تركيا ليست وحدها من يعارض حملة أمريكية محتملة ضد العراق، بل العالم العربي والإسلامي وحتى روسيا يرفضون ذلك.
وجاءت تصريحات الرئيس أحمد نجدت سيزار بعد محادثاته مع أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لتدعم تصريحات الجنرال، إذ أظهر بوضوح أن تركيا لا تتمنى أي عملية عسكرية أمريكية ضد العراق.
والأغرب من ذلك أن يخرج رئيس جمعية رجال الأعمال المستقلين تونجاي أوزيلهان -الذي لم نعهد فيه أبدًا تدخله في مثل هذه الموضوعات- ليعارض قائلًا: إن أي عملية عسكرية ضد العراق ستلحق الأضرار الكبيرة بالتجارة التركية.
ويا للصدفة الغريبة، فقد اتحدت آراء الجيش ورجال الأعمال ورئيس الدولة وحتى رئيس الوزراء الذي يعرف دومًا بخلافاته الفكرية مع الرئيس.
والواقع أن الموضوع العراقي لا يزال محل مناقشات داخل الإدارة الأمريكية، ولا يوجد بعد قرار أمريكي محدد بضرب العراق، أو بالأحرى إسقاط نظام صدام حسين، وكل ما في الأمر أن هناك مناقشات حارة تدور حول الموضوع تنعكس على صفحات الجرائد الأمريكية.
ففي الأيام الأخيرة بدأت التقارير الصحفية الأمريكية تتوالى عن أن الهجوم الأمريكي على العراق سيكون خطأ فادحًا، ونتيجة لذلك فقد نشرت صحيفة «واشنطن بوست» بقلم محرريها فيليب جوردن ومايكل أوهنلان أخبارًا تتعلق بالموضوع؛ فيليب جوردن كان يشغل منصبًا في لجنة الأمن القومي في عهد الرئيس السابق كلينتون وكان يهتم بتركيا عن قريب، ونقلًا عنه ذكرت الصحيفة أقواله تحت عنوان: «الهدف الأصعب» وجاء فيها: «نموذج الحرب الأفغانية لا يمكن تطبيقه على العراق»، وقد عدد الأسباب بتفاصيل أبرز من تصريحات الجنرال التركي كوريك أوغلو.
الكاتبان في تحليلهما العسكري قالا إن صدام عندما يرى نفسه وقد حشر في الزاوية، قد يستخدم أسلحة الدمار الشامل ضد أكثر من هدف.
وقبل مدة ليست بقصيرة، كتب أيضًا هنري باركي في واشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز، يقول إن العراق يختلف تمامًا عن أفغانستان.
وباختصار فإن أعداد الأمريكيين الذين يعارضون حملة عسكرية أمريكية ضد العراق الذين يبررون معارضتهم بحلقة واسعة من الأسباب لا تقل أبدًا عن أعداد الداعمين لمثل هذه الحركة.
من هنا نرى أن تصريحات أجاويد وسيزار وكوريك أوغلو تدور في إطار المساومة على العراق، وللمحافظة على ورقة رابحة بيد تركيا، وإلا فكيف يمكننا تبرير علامات السؤال المعلقة حول ثلاث نقاط:
1 - بما أن القلق التركي الأساسي هو في تقسيم العراق -يعني تأسيس دولة كردية مستقلة على حدوده- أكثر من قلقها على قلب نظام صدام حسين، فهل كانت تركيا أن ترفض طلب الإدارة الأمريكية في حال منحتها ضمانات أكيدة بحماية الوحدة العراقية؟
2- إذا صممت الولايات المتحدة فعلًا على شن حملة عسكرية لإسقاط نظام الرئيس العراقي، واتخذت قرارها النهائي بهذا الصدد، فهل الطريق التركي لمنع تشكيل دولة كردية مستقلة في شمال العراق يمر عبر معارضة الولايات المتحدة أم الوقوف بجانبها؟
3 - ولنفرض أن الولايات المتحدة أعطت ضمانات بعدم تقسيم العراق ومنحت روسيا امتيازات نفطية بعد القضاء على صدام، وضمنت دعم عدد مهم من الدول العربية وروسيا، فماذا ستفعل تركيا آنذاك؟
نعم.. لقد بدأت الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب تتداخل في لب أزمات العالم لتحدث فيها ارتجاجات عنيفة وكأنها متعمدة، أكثر من كونها حربًا لتصفية طالبان وتنظيم القاعدة.
وفي الصفحة الثانية من الحرب الأمريكية من المتوقع أن تستمر المساعي الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لأجل القضاء على تنظيم القاعدة والمنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة في لائحة الإرهاب التي أعدتها، وقالت إنهم منتشرون في ٥٥ دولة، إلا أن الأزمة يبدو أنها ستأخذ أبعادًا أكبر بكثير من المتوقع لتنتشر في العالم بأسره.
وبينما يخيم القلق على تركيا وسورية وإيران من جراء سيناريوهات الحرب الأمريكية المتوقعة على العراق، فإن القوتين النوويتين في آسيا الجنوبية «الهند وباكستان» منقادتان إلى حرب بسرعة فائقة. وفي ضوء ذلك نرى أن العالم فيما ينتظر موعد البدء بضربة أمريكية على العراق، قد يكون الهدف الثاني هو باكستان قبل العراق.
باكستان التي كانت تستخدم كجبهة ضد الاتحاد السوفييتي فقدت أهميتها الاستراتيجية بعد انهياره، وأصبحت تعتبر هدفًا إسلاميًّا للنظام العالمي الجديد، وسارعت الولايات المتحدة للتعامل مع الهند بدلًا من باكستان ضد التهديد الصيني. ولأن الصين كانت قد بدأت تشعر بالانزعاج من النشاطات الهندية التي ازدادت في الآونة الأخيرة في جنوب ووسط آسيا، فقد زادت من تقاربها من باكستان، حتى إنها كانت عازمة على إدخالها في منظمة اتحاد شنغهاي الذي تتزعمه لولا حادثة الحادي عشر من سبتمبر التي قلبت الموازين رأسًا على عقب.
استثناء باكستان من النظام العالمي الجديد أثر على تركيا أيضًا، لأن تقارب تركيا مع الولايات المتحدة والهند أبعدها عن باكستان، وقد زار رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد الهند ولم يمر على باكستان، وبذلك كان قد أنزل الضربة القاضية على الصداقة التركية التاريخية مع باكستان. وقد برر أجاويد موقفه هذا بأنه ناتج عن وصول الجنرال مشرف إلى الحكم بانقلاب عسكري مما يخالف العرف الديمقراطي، بينما يتضح الآن أن السبب الأساسي كان حجز مكان لأمريكا فضلًا عن فتح الطريق أمام الهند. كما أن إسرائيل التي تتعاون مع الهند على صعيد تكنولوجيا الأسلحة الكيماوية والنووية دعمت الموقف التركي بشدة. وكانت العلاقات التركية - الإسرائيلية تشهد أيامها الذهبية في ظل هذه المستجدات، بينما كانت الولايات المتحدة والهند تخططان لإشعال فتيل حرب هندية باكستانية.
رغم كافة الإشارات التي تؤكد أن الإصبع الأمريكي موجه ضد باكستان وليس العراق على الأقل في الوقت الحالي، إلا أننا نجد صعوبة كبيرة في فهم الملابسات الأمريكية التي تصر على استعراض مسألة العراق وكأنه الهدف الثاني، وتركيا في كل هذا تواجه ضغوطات مكثفة من الولايات المتحدة تجاه موضوع العراق، ولقد لاحظ المراقبون في تركيا تغيرًا واضحًا في نبرة رئيس الوزراء قبيل زيارته المتوقعة إلى واشنطن منتصف الشهر الجاري، وذلك عندما قال إن تركيا وإن كانت تعارض أي عملية عسكرية ضد العراق أو المشاركة فيها، لكن مصير الرئيس العراقي لا يعنيها في شيء.
جاءت هذه التصريحات بعد أن نقلت واشنطن لأنقرة عدم ارتياحها تجاه سلسلة التصريحات التي صدرت مؤخرًا من كبار القادة السياسيين والعسكريين في تركيا، والتي تؤكد معارضتهم لمثل هذه العملية المحتملة، وبخاصة من رئيس الأركان الجنرال حسين كوريك أوغلو الذي شكك في شرعية مثل هذه الضربة المحتملة، ووصفها بأنها ليست سوى تصفية حسابات قديمة فضلًا عن أنها ستلحق ضررًا كبيرًا بتركيا.
وفي هذا الشأن حاولت الولايات المتحدة من خلال الوفد البرلماني الذي زار أنقرة مؤخرًا طمأنة حليفتها بشأن المسألة العراقية، بحيث أعرب وفد مجلس الشيوخ عن اعتقاده بضرورة الإطاحة بحكم صدام، مع الحرص على التشاور مع تركيا والدول الأخرى في المنطقة في أي إجراء يُتخذ في هذا الشأن.
لا شك أن أمريكا تشعر بانزعاج كبير جراء التصريحات التركية الأخيرة بخصوص العراق، خاصة أنها استخدمت نفوذها لدى صندوق النقد الدولي للموافقة على منح تركيا قروضًا إضافية كبيرة لمساعدتها على تجاوز أزمتها الاقتصادية الحالية.
وينتاب المسؤولون الأتراك مخاوف حقيقية من احتمال الإطاحة بصدام الذي من شأنه أن يخلق وضعية فراغ إقليمي، يفيد الأكراد ويشجعهم على تحقيق هدفهم الأسمى في إنشاء دولة خاصة بهم في الشمال، وسيكون الدعم التركي لأي عملية ضد العراق حاسمًا كما حدث في حرب الخليج الثانية عام ۱۹۹۱، والتي كانت تركيا فيها منطلقًا للطائرات الأمريكية في قصف العراق.
وإلى ذلك نرى أنه رغم معارضة تركيا لنظام صدام إلا أنها قلقة من أن تؤثر حملة أمريكية محتملة ضد العراق على أمنها واستقرارها واقتصادها، لكن الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها مصرة على انتزاع الرضا التركي لتحقيق مآربها، خصوصًا أنها تدرك جيدًا أن تركيا هي رهينتها اقتصاديًّا.