العنوان على أطلال الخلافة (1) وصية محمد الفاتح
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 52
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
رغم مرور ست سنوات على لقائي الأول بِهِ في لاهور واعتقادي أنه قد نَسِيَني ونَسِيَ دعوته إليَّ أن أزوره في إسطنبول، إلا أني وَجَدْتُهُ يتذكرني بأكثر مما أتذكره به وقد لَقِيتُهُ مُعانِقًا مُذَكِّرًا بكل ما دار بيني وبينه خلال لقائي السابِق به.
فقد كان أوَّل شيء حرصتُ عليه حينما نزلتُ إلى إسطنبول أن أذهب إلى الشيخ أمين سراج في مسجد الفاتح، ذلك المسجد العتيق الذي بناه محمد الفاتِح حينما فتح القسطنطينية قبل أكثر من خمسمائة عام، لِيَصْبَحَ جامعًا يأخذ مسلمو آسيا الوسطى منها علوم دينهم، وأسَّسَ فيه حلقة من حلقات العلم قسم لها من خمس الغنيمة وجعلها وَقْفًا دائمًا، وأوصى العلماء أن يحافظوا من بعده عليها، فتوالى على التدريس فيها كبار الأئمة والعلماء على مدار تاريخ الخلافة الإسلامية العثمانية، وحينما جاء أتاتورك (1923 - 1938) وألغى الخلافة في 1924، وجاء من بعده عصمت اينونو (1983 - 1950) الذي ألغى علوم الدين واضطهد العلماء وحول مسجد الفاتِح إلى اصطبل للخيول ومقلب للقمامة، فتحولت حلقة العلم في المسجد إلى حلقة سرية واستمرت كذلك حتى أعادها الشيخ أمين سراج بعد عودته من الدراسة في جامعة الأزهر في مصر إلى حلقة علنية في عام 1958، ولا يزال حتى الآن - أمد الله في عمره - محافظًا عليها حيث يتحلق طلبة العلم من طلاب الجامعات من حوله كل يوم ليحدثهم في علوم التفسير والفقه والأصول وعلوم الدين الأخرى.
ولهذه الحلقة العلمية مكانة كبرى لدى المسلمين في تركيا، فقد كان شيخ الإسلام مصطفى صبرى من أواخر من درسوا بها قبل الشيخ سراج، وقد حرص العلماء على استمرارها رغم الظروف العصيبة التي مرت بها تركيا تحت حكم أتاتورك وإينونو في الفترة من 1923 وحتى 1950، فقد كانوا يعتبرونها حلقة أساسية من حلقات وصل حاضرهم بيوم فتح القسطنطينية، كما يعتبرونها أمانة وضعها محمد الفاتح في أعناق العلماء من بعده.
الشيخ أمين سراج
أما شيخ الحلقة وإمامها منذ عام 1958 فهو الشيخ محمد أمين سراج، أحد علماء تركيا الذين تحب تركيا من أجلهم، وُلِد في مدينة طوقاط التي تقع في وسط الأناضول في العام 1931، في الوقت الذي كان أتاتورك يمحو فيه معالم تركيا ويسعى لتغيير هويتها، فقبل ولادته بعامين، أي في العام 1929، أمر أتاتورك بتغيير الحرف العربي في الكتابة واستبدله بالحروف اللاتينية ثم بدأ يستبعد من اللغة التركية كل ما يربط تركيا بجذورها الإسلامية، ويروى الشيخ سراج أن أباه قد تعهد بتحفيظه القرآن وهو صغير حيث كان يحفظه في حلقات سرية تحت جنح الليل، بعدما منع أتاتورك المصاحف من التداول ويقى القرآن في صدور الحفاظ ينقلونه سرًا إلى الأجيال من بعدهم، وكان الشيخ سراج واحدًا من هؤلاء الذين منَّ الله عليهم بحفظ القرآن في تلك الفترة العصيبة من تاريخ تركيا، حيث أخذه أبوه إلى إسطنبول في العام 1943 حتى يتلقى العلوم هناك فحفظ القرآن على أيدى العلماء.
وقد أخذني الشيخ من يدى إلى غرفة في طرف مسجد محمد الفاتح وقال لي: «هنا كنا نتسرب سرًا وفرادى لنتلقى علوم الدين وحفظ القرآن على أيدى شيوخنا، حيث بقيت من العام 1943 وحتى العام 1950 أدرس علوم الدين في حلقات سرية حتى انتهى عهد إينونو وجاء عدنان مندريس فى عام 1950 فذهبت إلى مصر ودرست في الأزهر حيث أنهيت الثانوية الأزهرية، ثم أنهيت الدراسة بكلية الشريعة في عام 1957، ثم سجلت للدراسات العليا في القضاء وأنهيت السنة الأولى إلا أن عبد الناصر أمر بإخراجي من مصر في عام 1958 وإعادتي إلى تركيا بعد ما برز نشاطي وسط الشباب في جامعة الأزهر في الوقت الذي كان قد قبض فيه على الإخوان وألقاهم في السجون.
وحينما عدت إلى إسطنبول في عام 1958 وجدت أن معظم العلماء وأهل الفضل لم يبق منهم أحد، وأن حلقة العلم التي وضعها الفاتح قبل خمسمائة عام في أعناق العلماء كادت تذوي، فتصدرت لها وأحييتها بعدد قليل من الطلاب وحافظت عليها منذ ذلك الوقت حتى يأذن الله بإعادة مسجد محمد الفاتح إلى عهده القديم ليكون جامعة كبرى كما أرادها الفاتح - رحمه الله - فالأبنية موجودة وقائمة وليست في حاجة سوى إلى إعادة الإحياء من جديد.
لقد أصبح أملي مع بداية عودة البلاد إلى هويتها من جديد أن يصبح مسجد محمد الفاتح جامعة يرتادها الطلاب من أنحاء آسيا الوسطى، فقد كانت حلقات العلم فيه لا تنقطع، تبدأ من بعد صلاة الفجر وحتى صلاة الظهر، ثم تبدأ من بعد صلاة العصر وحتى صلاة المغرب.
وورغم محاولات العلمانيين محو هذا الدين من حياة الناس هنا إلا أن الله قد تكفل بحفظ دينه، فتم إعادة تحفيظ القرآن الكريم مرة أخرى وافتتحت المدرسة التي كان الفاتح قد أقامها لتحفيظ القرآن ويقوم الشيخ حسين أي بإدارة المدرسة الآن.
معهد مسجد الفاتح
أخذني الشيخ أمين سراج في جولة في جنبات مسجد الفاتح وكان يرافقنا فيها مساعده في حلقة العلم الدكتور حمدي أرسلان الأستاذ بكلية الإلهيات في جامعة إسطنبول، وهو الذي رافقني مترجمًا في معظم جولاتي التي كنت في حاجة بها إلى مترجم، فكان المترجم الفوري بيني وبين البروفيسور أريكان، وكذلك بيني وبين الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول، وكذلك سيبل هانم أرأسلان رئيسة اللجان النسائية في حزب الرفاه.
وفي نهاية جولتنا ذهب بنا الشيخ سراج إلى معهد مسجد السلطان الفاتح لتحفيظ القرآن الكريم، وهو معهد أسسه محمد الفاتح ملحقًا بالمسجد ليكون وقفًا لتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المسلمين، ورغم محاولات أتاتورك وإينونو تذويب الهوية الإسلامية التي وصلت إلى حد إلغاء الأذان بالعربية في عام 1942م واستبداله بالتركية، إلا أنه كما سقطت الشيوعية بعد سبعين عامًا بدأت العلمانية تذوي أيضًا بعد سبعين عامًا عن تركيا.
وفي وقف الفاتح لتحفيظ القرآن استقبلنا الشيخ حسين آي رئيس الوقف، وأخذنا في جولة في جنبات الوقف حيث كان عشرات من الطلاب ينتشرون في فصول الوقف المختلفة وكان أهم ما رواه الشيخ هو مدى حرص محمد الفاتح على القرآن الكريم وتحفيظه باعتباره دستور الأمة ومنهجها وكيف كان الطلاب يكافئون ويرقون كلما أتموا مرحلة من مراحل حفظ القرآن الكريم، ورغم انشغال محمد الفاتح بالفتوحات وترسيخ أركان الدولة بعد فتح إسطنبول، إلا أنه لم ينس حظ نفسه من حفظ القرآن فاتخذ لنفسه غرفة في المدرسة كان يتردد عليها ليحفظ القرآن فيها على يد علماء الوقف وشيوخه.
ودعنا الشيخ حسين آي وعدنا إلى مجلس الشيخ أمين سراج وقلت للشيخ: تعلم ما في سنن الأولين من عبرة وما في تاريخهم من وقفات، وقد وعدتني قبل سنوات أن تحدثني حينما أزورك في إسطنبول عن نهوض الخلافة وكبوتها، من منظور تربوي ووقفات الأمل في النفوس وتأخذ من الماضي ما يعين على الحاضر، فماضينا هو رصيدنا التاريخي الذي نستمد منه حاضرنا، وإذا كنت تصل بحلقة العلم هذه ما بدأه الفاتح قبل خمسة قرون فهلا وصلتنا بهذه العزة التي خرجت من هنا قبل قرون فملأت أصقاع الدنيا مجدًا وعزًا، ثم ذوت بعد ما انتفت أسباب النصر والعزة عن أهلها.. قال الشيخ: لقد تأخر بنا الوقت اليوم يا بني ولو وافيتني غدًا لبدأت معك من أول يوم فتح فيه محمد الفاتح هذه البلاد.