العنوان تركيا: قراءة في بيان قمة إسطنبول جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة تفر من جحيم الشيوعية إلى جهنم العلمانية!!
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
مشاهدات 54
نشر في العدد 1123
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-نوفمبر-1994
على الرغم من أن عقد قمة رؤساء الدول ذات الأصول العرقية التركية للمرة الثانية في اسطنبول يُعتبر إنجازًا سياسيًا في حد ذاته، لأنه يأتي في إطار تأكيد استقلالية القرار في جمهوريات آسيا الوسطى عن محاولات الهيمنة الروسية، خاصة بعد نجاح موسكو في عرقلة عقد القمة الثانية في موعدها المحدد في نوفمبر الماضي في العاصمة الأذربيجانية باكو، إلا أنه تم تأجيلها بسبب توتر الأوضاع السياسية الداخلية بعد الإطاحة بأبي الفيض التشي بيه، الرئيس الأذربيجاني السابق في يونيو 1993، والذي كان من أشد المتحمسين لفكرة العالم التركي ورجل أنقرة في آسيا الوسطى، حيث لم يرد حيدر علييف، الرئيس الجديد، إظهار التحدي لموسكو في الشهور الأولى، لذلك اقترح تأجيل القمة في فبراير الماضي، إلا أنها تم تأجيلها للمرة الثانية بسبب الحرب الأذربيجانية - الأرمينية، التي فقدت فيها أذربيجان حوالي 25% من أراضيها، وهو المبرر الذي استخدمته أوزبكستان، المقربة من موسكو، كذريعة للتأجيل إلى أن تقرر انعقادها في إسطنبول يومي 18 و 19 أكتوبر الماضي، وحضرها رؤساء 6 جمهوريات، هم: سليمان دميريل، رئيس تركيا، وحيدر علييف، رئيس أذربيجان، ونزار باباييف، رئيس كازاخستان، واسکرافاييف، رئيس قيرغيزستان، وإسلام كريموف، رئيس أوزبكستان، وصابر مراد ينازوف، رئيس تركمانستان، إلا أن تلبية رؤساء جمهوريات آسيا الوسطى لدعوة موسكو بعد يومين من قمة إسطنبول لحضور قمة موسكو أيضًا، نسخ ذلك الإنجاز.
وخلال الاجتماع حاول الرؤساء التوصل إلى صيغة فعالة للتعاون بين الدول الست وإيجاد الآلية اللازمة لتنفيذ القرارات التي سيتم التوصية بها، وتبلور ذلك بصدور بيان إسطنبول الذي تضمن 24 مادة تعتبر في نظر المراقبين ميثاقًا للعمل المشترك بين الدول الست لتشكيل قوة ضغط إقليمية جديدة لها سمتها الخاصة في المنطقة تعمل في إطار النظام العالمي الجديد، خاصة إذا ما تم دراسة اقتراح الرئيس الكازاخستاني بتوسيع رقعة التعاون وإقامة الاتحاد الأوراسي ليضم أيضًا روسيا دون أن يعني ذلك العودة إلى صيغة الاتحاد السوفيتي القديم.
وهذا الاقتراح يلبي الخطة الأمريكية الجديدة التي تقضي بأن تكون كازاخستان رجل الشرطة الجديد في آسيا الوسطى، مثلما تقوم تركيا بدور الدركي في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي كان يجب عدم اعتراضه من قِبل روسيا، حيث ستكون شريكًا فعالًا وقويًا في البنية المقترحة من باباييف، وبالتالي امتصاص التوجه القومي التركي في جمهوريات آسيا الوسطى، علاوة على استفادة كل من موسكو وواشنطن من إبعاد تلك الجمهوريات الغنية عن إطار عالمها الإسلام، إلا أن الرفض الروسي يستند إلى ضرورة أن تكون كل المبادرات من موسكو فقط، وذلك لتأكيد قيادتها للمنطقة.
والأمر الذي ضمنته تركيا أن التكتل الجديد - خارج اقتراح الرئيس الكازاخستاني - تقرر إقامته بشكله السياسي والاقتصادي والثقافي على أساس احترام المبادئ العلمانية والديمقراطية والليبرالية الاقتصادية، وهي نفس أسس المدرسة الغربية التي تطبقها أنقرة بتطرف خاصة فيما يخص الجانب العلماني.
فرض العلمانية
ولتأكيد ذلك الاتجاه العلماني، خلا بيان إسطنبول من كلمة الدين تمامًا، حيث أشار البيان إلى أن العوامل التي تربط بين شعوب تلك الجمهوريات مستمدة من التاريخ المشترك واللغة، والثقافة المشتركة.
وبالتالي فإن إغفال عامل الدين كعامل ربط بين شعوب الجمهوريات المستقلة جاء تمهيدًا لشرط إقامة التكتل على أسس احترام العلمانية، رغم إفلاسها في تركيا على مدى السبعين سنة الماضية، مما يعني أن الجمهوريات المستقلة هربت من أتون الشيوعية الروسية إلى جحيم العلمانية التركية، والتي لم تنجح حتى الآن في إبعاد الشعب التركي عن دينه الإسلامي، رغم محاولات تشويه الشخصية التركية.
البعد السياسي للتكتل
وإذا كانت المادة الثانية من بيان إسطنبول قد أشارت إلى إقامة التكتل الجديد على أساس احترام مبادئ السوق الحرة والعدالة الاجتماعية والعلمانية واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية، بعد أن أشارت المادة الأولى إلى إيجاد الإرادة السياسية اللازمة لتقوية العلاقات بين الدول الست على أساس ما تم الاتفاق عليه في قمة انقرة الأولى التي عقدت في 30 - 31 أكتوبر 1992 تحت رعاية الرئيس الراحل تورجوت أوزال، فإن المواد الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة جاءت لتبلور شكل التعاون السياسي وتشير إلى البعد السياسي للتكتل الجديد، حيث أكدت ضرورة اتخاذ المواقف بشكل موحد في القضايا الدولية.
التعاون الثقافي والاقتصادي
وكان الموضوع الثقافي قد احتل الأهمية الثالثة في البيان، حيث تناولته المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة، بينما تناولت المادة الرابعة عشرة التعاون الإعلامي.
علاوة على إقامة التعاون في الميادين الإعلامية المختلفة، وتبادل الوفود الإعلامية.
وتناولت المواد 16 و17 و18 الجانب الاقتصادي، وضرورة التعاون الثنائي والمشترك بين تلك الدول على أساس أن التنمية الاقتصادية ورفاهية المنطقة ستكون من عوامل استقرارها، وضرورة أن تكون تركيا وسيلة توصيل البترول والغاز الطبيعي من آسيا الوسطى والقوقاز للأسواق الأوروبية والبحر المتوسط، وهو الأمر الذي سيغضب موسكو جدًا.
وتناولت المادة 22 قضايا البيئة، والمادة 23 تولي الخبراء في وزارات الخارجية عملية الإعداد للمؤتمر المقبل، والذي أشارت المادة 24 إلى انعقاده في بيشكك عاصمة قيرغيزستان في أغسطس 1995 لمواصلة بذل الجهود لتحقيق أهداف التجمع الجديد، والذي حاول كل من إسلام كريموف رئيس أوزبكستان، ونزار باباییف الرئيس الكازاخستاني، التأكيد على أن هذه القمة ليست موجهة ضد أحد، بل ينبغي تطويرها بضم روسيا عبر إقامة اتحاد أوراسيا، بينما أكد مراد نیازوف أنهم، أي الجمهوريات الخمس المستقلة، أعضاء في رابطة الدول المستقلة، وذلك بهدف امتصاص الغضب الروسي من انعقاد القمة التي اعتبرها المتحدث الرسمي باسم الخارجية الروسية ضد المصالح الروسية، وتعتمد على إحياء نعرة القومية التركية. وإن كان كل من الرئيس التركي سليمان دميريل والأذربيجاني حيدر علييف قد أشارا إلى أنهما لا يأخذان الإذن لعقد مثل هذه القمة، حيث إن الدول الست مستقلة ولها سيادتها القومية.